الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل يحتفظ المصريون بحصتهم من مياه النيل؟!

هل يحتفظ المصريون بحصتهم من مياه النيل؟!

محمد عبد الصادق

” .. بقراءة المعلومات المتسربة عن سد النهضة الإثيوبي يتضح أن تخزين المياه في البحيرة الصناعية خلف السد يحتاج ما بين 4 إلى 7سنوات لامتلائها ؛ ستتعرض خلالها حصة مصر من المياه البالغة 55 مليار متر مكعب للنقصان , بعد أن رفعت أثيوبيا قدرة توليد الكهرباء إلى 600 ميجاوات , تستلزم تخزين 25مليار متر مكعب من المياه سنوياً أي حوالي نصف حصة مصر من فيضان النيل.”
ــــــــــــــــــــ
ظل نهر النيل شريان الحياة ومفتاح السعادة والشقاء بالنسبة للمصريين منذ آلاف السنين, وارتبط ازدهارهم واندحارهم بفيضان النيل, حتى أن الفراعنة قدسوه وخصصوا له إلها اسموه “حابي” إله النيل, وكانوا يصطفون على ضفافه وقت الفيضان ويتوجهون إليه بالصلوات والتراتيل قائلين:” أيها الإله, أنت الذي تغذي وتطعم وتجلب المؤونة لمصر, أنت تهب كل فرد الحياة, أنت تجلب البهجة والسعادة لكل إنسان ” ومازال المصريون مرتبطين بالنهر والمواسم الزراعية التي ترتبط بالفيضان حتى اليوم, فتجد الفلاح المصري ينتظر موسم جني القطن ليزوج ابنته أو ابنه, وينتظر محصول القمح أو بيع القصب ليؤدي فريضة الحج أو يسدد ديونه ويقضي حوائجه.
وقديماً قال المؤرخ اليوناني هيرودت في كتابه الشهير “هيرودت يتحدث عن مصر” جملته الشهيرة” مصر هبة النيل” فلولا النيل لكانت مصر صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء, ولتغير تاريخ مصر ولم تكن تلك الحضارات, والممالك العظيمة عرفت طريقها إلى أرض مصر, لقد كان النيل على مر العصور سبب الخير والنماء, كما كان انقطاعه سبباً للمجاعات والكوارث التي حلت بالمصريين كما وحد نهر النيل الأراضي المصرية,عندما كان وسيلة المواصلات الرئيسية التي تربط بين سكان وادي النيل ؛ جنوباً من شلالات أسوان على حدود السودان , حتى التقاء النيل بالبحر المتوسط شمالاً في نهاية فرعي دمياط ورشيد, لذلك ظلت خريطة مصر معروفة وثابتة منذ آلاف السنين , رغم تعدد الغزاة وتداعي المحتلين.
ويصل فيضان النيل إلى مصر كل عام في شهر “أغسطس” , وأنشأ المصريون القدماء على ضفافه مقاييس لتحديد كمية المياه, وبناء عليها يضعون خطة الزراعة, ويتنبأون بحجم المحاصيل, ويقدرون الضرائب على الفلاحين, واستمر الاهتمام بالنيل بعد الفتح الإسلامي, فأنشأ الولاة المسلمون إدارات للري تعنى بتطهير الترع والمصارف , وأنشأوا السدود والقناطر, وأقام الخليفة العباسي المتوكل أكبر مقياس للنيل موجود حتى الآن بمنطقة الروضة بالقاهرة.
واحتفل المصريون بفيضان النيل وخصصوا له يوماً أطلقوا عليه (عيد وفاء النيل) وتروي الأساطير أن قدماء المصريين كانوا يقدمون للنيل فتاة جميلة يتم اختيارها من بين مئات الفتيات الممثلات لمختلف الأقاليم المصرية, وكان يتم تعويض والدي الفتاة بمكافآة مجزية, وكان يتم تزيين الفتاة وإلقاؤها في النيل قرباناً لضمان وفائه بالفيضان, وتقول الأسطورة: إن النيل لم يأت بفيضانه في إحدى السنين, فحل الجدب والقحط بأرض مصر, وحزن الشعب وغضب الملك, وطلب من كبير الكهنة معرفة سبب عدم قدوم الفيضان, فأخبره الكاهن أن النيل غضبان لأنه يريد أن يتزوج بفتاة بكر جميلة, وعلى الفور أمر الملك أن يذاع الخبر في كل أنحاء مصر, بأن كل فتاة ترغب في الزواج من (حابي) إله النيل عليها أن تحضر الاحتفال الذي سيقام لاختيار أجمل فتاة لتصبح عروساً للنيل.
واستمر الاحتفال بوفاء النيل بتلك الكيفية حتى الفتح الإسلامي لمصر ـ كما تقول الروايات ـ فلما جاء العرب المسلمون أوقفوا بدعة عروس النيل, واقتصرت الاحتفالات على خروج الوالي إلى مقياس النيل بالروضة مع قدوم الفيضان لقياس ارتفاع المياه, وتحديد حجم الفيضان, وتعم الاحتفالات عندما تصل زيادة الماء 16ذراعاً , لأنه يعني قدوم الخير والرخاء الناتج عن وفرة المحاصيل , وفي العصر الفاطمي الذي كان مهتماً بالاحتفالات بجميع أنواعها, كان الاحتفال عظيما وكان يجتمع المشايخ وقراء القرآن بجوامع مصر ليلة وفاء النيل لختم القرآن, وفي الصباح يركب الخليفة في موكب مهيب, متجهاً لموقع قياس الفيضان, ويعلن بنفسه وفاء النيل, فتعم الأفراح في الصعيد والوجه البحري, واستمر الاحتفال في العصر الأيوبي والمملوكي, وحتى بداية القرن العشرين.
ونتيجة ضعف فيضان النيل تعرضت مصر أكثر من مرة لكوارث سببت القحط والجفاف والتصحر, وتراجع مساحة الأراضي الزراعية, وأدت لاضطراب الحكم والانفلات الأمني وانتشار الأوبئة والمجاعات, مثلما حدث في زمن الأسرة الفرعونية الثالثة تحت حكم الملك زوسر, وهو صاحب الهرم المدرج, حيث سجلت أحداث المجاعة على جدران المعابد الفرعونية, وجسدت صورها اللوحات والبرديات, والتي أكدت أنه حل بمصر مجاعة بسبب نقص مياه النيل استمرت سبع سنوات, كما ذكر القرآن الكريم السنوات السبع العجاف التي حلت بمصر في عصر سيدنا يوسف عليه السلام بسبب عدم وفاء النيل بفيضانه.
وكانت الشدة المستنصرية في عصر الخليفة العباسي المستنصر بالله أشد هذه النكبات التي حلت بمصر جراء عدم قدوم الفيضان, حيث ذكر المؤرخون مجاعات و حوادث قاسية من شيوع الخراب وتصحر الأرض وهلاك الحرث والنسل وخطف الخبز من فوق رؤوس الخبازين , وأكل المصريين للقطط والكلاب والدواب والحمير, ويروى أن الخليفة المستنصر نفسه تعرض للجوع, حتى أنه باع محتويات مقابر آبائه ووصل به الحال لتلقي الصدقة من ابنة أحد الأعيان, وخرجت النساء جياع صوب بغداد , ووصل سعر البيضة الواحدة لـ 10قراريط من أجود أنواع الأراضي .
اللافت أن كل المحن والمجاعات التي اجتاحت مصر كان العامل المشترك فيها أمرين , جفاف نهر النيل والمدة الزمنية التي استغرقتها 7سنوات, وبقراءة المعلومات المتسربة عن سد النهضة الإثيوبي يتضح أن تخزين المياه في البحيرة الصناعية خلف السد يحتاج ما بين 4 إلى 7سنوات لامتلائها ؛ ستتعرض خلالها حصة مصر من المياه البالغة 55 مليار متر مكعب للنقصان , بعد أن رفعت أثيوبيا قدرة توليد الكهرباء إلى 600 ميجاوات , تستلزم تخزين 25 مليار متر مكعب من المياه سنوياً أي حوالي نصف حصة مصر من فيضان النيل.
وليس هناك حل لأزمة سد النهضة إلاّ بالحوار والتفاهم مع الجانب الإثيوبي لتقليل سعة الخزان لتصل إلى 14مليار متر مكعب, وهو الرقم القديم المعلن من الجانب الإثيوبي, عند بدء الحديث عن إنشاء السد, ولكنها استغلت, أحداث الربيع العربي, والاضطرابات التي سادت مصر بعد 25 يناير 2011م لترفع سعة التخزين إلى 70ملياراً, وهو ما سيؤثر قطعاً على حصة مصر من المياه, وسيضطرها للسحب من مخزون المياه ببحيرة ناصر, وهو الأمر الذي يقضي على فرص توليد الكهرباء من السد العالي لانخفاض منسوب المياه عن المستوى اللازم لإدارة توربينات توليد الكهرباء, والحل الثاني, هو إقناع الجانب الإثيوبي بتمديد الفترة الزمنية اللازمة لملء خزان سد النهضة لتصل لعشر سنوات, بواقع 7 مليارات متر مكعب سنوياً, وهو القدر الآمن الذي يمكن تعويضه من مخزون المياه ببحيرة ناصر.
والحكومة المصرية ليس أمامها إلاّ طريق المفاوضات مع إثيوبيا, لحل مشكلة سد النهضة, بعد أن أصبح بناؤه أمراً واقعاً, والخيار العسكري مستبعد , لصعوبته وعدم جدواه, ونحن في انتظار تنفيذ الاتفاق الإطاري بين (مصر والسودان وإثيوبيا) على اختيار المكتب الفني الذي سيصدر تقريراً فنياً ملزماً لجميع الأطراف يحدد فيه, المخاطر المحتملة في دولتي المصب المترتبة على إنشاء السد, وكيفية تلافيها, لأن هناك 90 مليون مصري حياتهم ووجودهم مرتبط , باستمرار تدفق مياه النيل, التي تكفي بالكاد احتياجاتهم المائية.

إلى الأعلى