الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / ثلاثي الأبعاد : الراعي والذئب

ثلاثي الأبعاد : الراعي والذئب

عندما كنا صغاراً كانت تروى على مسامعنا بعض القصص والحكايات وكنا نستمتع بالتفاصيل وتخيل الأحداث وخاصة إذا كانت القصة قبل النوم ، لم نكن نعلم أن تلك القصص تحمل رسالة وليست فقط مجرد شخوص وأحداث تدور في مخيلتنا بل كانت تحمل في طياتها رسائل لو فهمنا معناها تلك الأيام لتفادينا الوقوع في الكثير من المواقف التي لا نتمنى المرور حتى بجانبها ولكن كما يقول المثل (تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن)، من القصص القصيرة والعالقة في الذهن قصة الراعي والذئب أو الذيب (كما ننطقها بالعامية) وهي من القصص العالمية وكل أدب يرويها حسب طبيعة المجتمع الذي يحل فيه هذا يعني أن الظروف والمواقف والهموم تتشابه ولكن تختلف القوالب التي تصاغ بها تلك المواقف أو الظروف ، هذه القصة وصلت إلينا بطريقة تناسب مجتمعنا العربي فكان بطلاها الراعي والذيب حيث كان الراعي يشعر بالملل عندما يأخذ الأغنام إلى المرعى ففكر بأن يخلق له جوا من الإثارة فصاح بأعلى صوته قائلاً: أنجدوني .. الذئب سيأكلني ويلتهم غنمي. سارع أهل القرية إلى نجدته ولكنهم لم يجدوا أثراً للذئب ، فعادوا من حيث أتوا وقد ساءهم كذب الراعي الذي خيب ظنهم وكرر الراعي الحادثة مرة أخرى وخيب ظن أهل القرية الذين أتوا لنجدته مرة أخرى. وفي يوم من الأيام ظهر الذئب حقيقة وعندها استنجد الراعي بأهل القرية ولكنهم لم يهبوا لنجدتة ظنا منهم بأنه يكذب عليهم كما هي المرات السابقة ففقد الراعي كل أغنامه.
نعم هي قصة من قصص الطفولة ولكن لو توقفنا معها وحللنا مغزاها سنعلم بأن هناك كثيرا من الأحداث التي تمر علينا مشابهة لهذه القصة ، فكثرت الشائعات التي تتقاذفها وسائل التواصل الاجتماعي وعدم وجود جهة تنفيها أو تبين حقيقة الأمر وقد نصل لمرحلة لن نصدق أي شيء يصلنا وإن كان حقيقة، وهذا ما تختصره القصة فعندما تتعود على الكذب فسيصدقك الناس في البداية ولكن عندما يكتشفوا أنك كذاب لن يصدقك أحد ولو كنت صادقاً ، كما أن عدم صبر الراعي على عمله دليل على أن من لا يتحلى بالصبر ستلحقة السلبية بسبب تهوره ، هذا حاصل الآن في مجتمعنا تخرج الكثير من الشائعات وتنتشر كالنار في الهشيم دون أن يوقفها أحد بل أصبح الناس كالبنزين يدخلون فيها فتشتعل أكثر دون أن تأتي المطافئ لتخمدها (الإعلام)، ما صادفناه من شائعات أو أخبار مغرضة في الأيام الفائتة كان بسبب المجتمع الذي لعب دورا في تأجيج الأخبار وتلفيق الصور والزج بمعلومات غير صحيحة وإن كان هناك شيء ما حدث لكن تداول المواضيع بتلك الطريقة زاد من الهوة بين الأطراف الداخلة في الموضوع، فأعتقد بأننا في مرحلة نحن لسنا بحاجة إلى التفكك بقدر ما نحن بحاجة إلى التآلف والوقوف بجانب بعضنا البعض كل حسب طريقته، قد تكون بعض المواقف الفردية التي يصنعها البعض ويزجها للعامة ليست مقداراً على كراهية أو حقد فنحن كبرنا مع هذا العالم وغرس فينا بأن العالم كالأخوة، ما يضره قد يضرنا وما يسيء إليه قد يسيء لنا فما بالكم بمن نتشارك معهم في الأرض والنسب والدم والتاريخ المشترك أليس من الواجب أن نصد كل فتنة مغرضة وألا نساهم في نشر الشائعات التي تركت لدى البعض حقدا من لا شيء. لا نريد للأجيال القادمة أن تنهض وتنمو بمشاعر الحقد والكراهيه للآخر حتى لا تكون روح الانتقام المسيطرة على نفسياتهم وعقولهم.
ولكن قبل هذا وذاك فإن هدوء الإعلام في هكذا مراحل ليس محبذا بل كان من المنطق أن يخرج الاعلام ببيان أو تصريح يوضح تفاصيل المواضيع التي يتم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي حتى لا يفسر كل واحد الأمور كما يريد أن يفسرها وحتى لا ترمى الأمور جزافاً. لوسائل الاعلام دور مهم في تهدئة الوضع الثائر وتبيان الحق لأن بعض الأحداث لها تأثير قوي مستقلاً على مستوى الأشخاص وإن كان الموقف لا يستحق أو لا أساس له من الصحة إلا أن هناك مجموعة من الأشخاص تبني موقفها من خلال الشائعات التي يتم تصديقها ولأن الاعلام لا كلمة له فمن الطبيعي أن تكون النتيجة حسب ما يتم تداوله ، لعدم وجود مصدر يبين حقيقة ما يحدث.
قد يقول قائل خروج الإعلام بتصريح في هكذا مرحلة قد يؤجج الموقف ؟! ، لن يكون ذلك في حالة كانت المصادر موثوقة ، وتناولت الخبر بحيادية وطرح بمصداقية تامة ولغة لا تخلو من الدبلوماسية .
قصة الراعي والذئب ما زالت بها الكثير من العبر ، الذئب استفاد من الشائعات الكاذبة التي كان يطلقها الراعي وانقض على فريسته دون أن يزعجة أحد ، فخسر الراعي وانتصر الذئب .

خولة بنت سلطان الحوسنية
@sahaf03

إلى الأعلى