الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / القانون والناس

القانون والناس

مدى مسؤولية الموظف العام عن عمله الذي أضر بالغير .. وفقا لقانون المعاملات المدنية

نواصل حديثنا في قانون المعاملات المدنية العماني رقم (29/2013م) ونخصص هذه المقالة لبيان مدى تحقق مسؤولية الموظف العام عن عمله الذي يقوم به تنفيذا لأمر صادر من رئيسه ويسبب هذا العمل ضررا يصيب الغير…
وقبل الحديث عن مدى تحقق هذه المسؤولية يجدر بنا بيان بعض الأحكام التي نرى من الأهمية توضيحها للقارئ لاكتمال الهدف… فالفعل الضار يعد وفقا لقانون المعاملات المدنية المصدر الثالث للإلتزام وبطبيعة الحال يعتبر الفعل الضار أهم المصادر غير الارادية الذي يكون فيه المتعدي ملتزما بجبر الضرر أو إزالته دون أن تكون إرادته متجهة الى تحمل هذا الالتزام… ولهذا يسميه البعض “العمل غير المشروع” وهو يندرج تحت ما يسمى بالمسؤولية التقصيرية.
فكما هو معلوم أن المسؤولية المدنية نوعان: عقدية وتقصيرية، وتكون المسؤولية عقدية اذا كان الإلتزام الذي وقع الإخلال به التزاما عقديا، ومن ثم تفترض المسؤولية العقدية توافر أمرين يتمثل في وجود عقد صحيح بين المضرور والمسؤول، والثاني أن يكون الضرر الذي أصاب المضرور ناشئا عن الإخلال بالتزام عقدي أما المسؤولية التقصيرية فتنطبق أحكامها عندما لا يوجد عقد بين المضرور والمسؤول، فهي تقوم من حيث الأصل خارج حدود العلاقة العقدية، نتيجة الاخلال بإلتزام يفرضه عليه القانون بعدم الاضرار بالغير… كما هو حال عنوان مقالتنا هذه… والمشرع العماني يضع القاعدة العامة التي تقرر مسؤولية الشخص عن أفعاله الشخصية التي تصيب الغير بضرر… مستندا للقاعدة الفقهية “لا ضرر ولا ضرار” حيث جرى نص المادة (176/1) من قانون المعاملات المدنية “كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو كان غير مميز بالتعويض.”… هذه هي القاعدة العامة التي تقرر مسؤولية الشخص عن أفعاله التي يقوم بها، إذا ما توافرت أركانها من فعل الاضرار، والضرر، وعلاقة سببية بين فعل الاضرار والضرر الذي أصاب الغير… الا أن المشرع العماني بعد أن أورد القاعدة العامة “بأن كل فعل أضر بالغير يشكل عملا يستوجب مسؤولية فاعلة، أورد حالات استثنائية عليها، يعتبر فيها الفعل الضار مشروعا لأجل أهداف سامية وهي حالات أربع تتمثل الحالة الأولى “الدفاع الشرعي” بدلالة المادة (178) من قانون المعاملات المدنية “من أحدث ضررا بالمعتدي أو بما له وهو في حالة دفاع شرعي عن نفسه أو عرضه أو ماله أو عن نفس الغير أو عرضه أو ماله كان غير مسؤول عن ذلك الضرر…” والحالة الثانية “الاكراه” يضاف الفعل الى الفاعل لا الآمر، ما لم يكن الفاعل مجبرا، على أن الاجبار المعتبر في التصرفات الفعلية هو الاكراه الملجئ وحده” والحالة الثالثة “السبب الأجنبي” حيث لا تكون لإرادة الفاعل دخل في صدور الضرر وتتنوع هذه الأسباب فقد تكون مصدرها القوة القاهرة أو حادث فجائى أو سبب فعل المضرر. بنص المادة (177) “اذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه كآفة سماية أو حادث مفاجئ… كان غير ملزم بالتعويض ما لم يقض القانون أو الاتفاق بغير ذلك.” والحالة الرابعة هي “حالة تنفيذ أمر صادر من الرئيس” وسنتناولها بالتفصيل باعتبارها موضوع مقالتنا حيث تنص المادة (179/2) على أنه “لا يكون الموظف العام مسؤولا عن عمله الذي أضر بالغير اذا قام به تنفيذا لأمر صدر اليه من رئيسه متى كانت طاعة هذا الأمر واجبة وأقام الدليل على اعتقاده بمشروعية الفعل الذي وقع منه وكان اعتقاده مبنيا على أسباب معقولة وأنه راعى في عمله جانب الحيطة والحذر. وفي هذه الحالة تقضي المحكمة بالتعويض على من تقرر مسؤوليته عن الضرر.” فإطاعة أمر صادر من الرئيس يجعل التعدي أو الفعل الضار مشروعا بشروط ثلاثة هي:
الشرط الأول: أن يكون من صدر منه الفعل موظفا عاما والموظف العام وفقا للمادة (154) من قانون الجزاء العماني كل شخص عينه جلالة السلطان أو الحكومة لقاء راتب يتقاضاه من خزانة الدولة وكل شخص ندب أو إنتخب لأداء خدمة عامة ببدل أو بغير بدل” ويعتبر في حكم الموظف أيضا كل من يعمل في إحدى المؤسسات أو الجمعيات الخاصة إذا كانت إحدى وحدات الجهاز الاداري للدولة تساهم في رأس مالها أو مواردها المالية بأي صفة كانت وذلك بدلالة الفقرة الثانية من المادة (154) من قانون الجزاء العماني. والشرط الثاني أن يكون قد صدر أمر من رئيس هذا الموظف بتنفيذ هذا العمل… وبالتالي لا بد لمشروعية هذا الفعل أن تكون هناك رابطة وعلاقة رئيس بمرؤوس فإذا لم تتحقق هذه الرابطة عندها ينسب الفعل الضار الى مرتكب الفعل وليس الآمر.
ولا يشترط أن يكون هذا الرئيس رئيسا مباشرا للموظف.أما الشرط الثالث يتمثل في وجوب أن تكون تلك التعليمات التي أسداها الرئيس مشروعة أو على الأقل يعتقد الموظف عند اتيانها بمشروعيتها. حيث أن هناك من الحالات التي يجب فيها على الموظف عدم تنفيذ تعليمات وأوامر رئيسه والا كان نفسه مسؤولا عن تنفيذ هذه الأوامر وتلك التعليمات إذا كانت غير مشروعة كما لو أمر الضابط أحد أفراده (مرؤسيه) بتعذيب أحد المتهمين حيث أن صدور هذا الأمر من الرئيس لا يشفع فعل التعذيب كون الأمر غير مشروع مما كان يتوجب على الموظف (المرؤوس عدم تنفيذه. إستنادا للمادة (22) من النظام الأساسي للدولة” المتهم برئ حتى تثبت ادانته في محاكمة قانونية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع وفقا للقانون ويحظر ايذاء المتهم جسمانيا أو معنويا.”…..نخلص من ذلك أن الموظف العام لا يكون مسؤولا عن الفعل الضار الذي يلحق الغير نتيجة تنفيذ تعليمات وأوامر رئيسه متى كانت تلك التعليمات مشروعة أو يعتقد أنها مشروعة وأنه راعى عند تنفيذها جانب الحيطة والحذر. ومما يجدر ذكره، أن معظم التشريعات الوطنية تقرر عدم مسؤولية الموظف العام عن أفعاله التي يقوم بها، تنفيذا لأوامر وتعليمات رئيسه متى كانت مشروعة ومن هذه التشريعات قانون المعاملات المدنية الإماراتي المادة (289/2) “ومع ذلك لا يكون الموظف العام مسؤولا عن عمله الذي أجبر الغير اذا قام به تنفيذا لأمر صادر اليه من رئيسه متى كانت اطاعة هذا الأمر واجب عليه أو كان يعتقد أنها واجبة وأقام الدليل على إعتقاده مبنيا على أسباب معقولة وأنه راعى في عمله جانب الحيطة والحذر.” وكذا هو الحال في القانون المدني المصري، حيث جرى نص المادة (167) منه على النحو التالي “لا يكون الموظف العام مسؤولا عن عمله الذي أضر بالغير إذا قام به تنفيذا لأمر صدر اليه من رئيسه، متى كانت إطاعة هذا الأمر واجبة عليه، أو كان يعتقد مشروعية العمل الذي وقع منه. وكان اعتقاده مبنيا على أسباب معقولة، وأنه راعى في عمله جانب الحيطة.”…. لمزيد من الايضاح يمكن للقارئ الرجوع الى قانون المعاملات المدنية… قراءتنا القادمة إن شاء الله مع موضوع آخر ضمن أحكام هذا القانون…

سالم الفليتي
محام ومستشار قانوني
كاتب وباحث في الحوكمة والقوانين التجارية والبحرية
salim-alfuliti@hotmail.com

إلى الأعلى