الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أحلام سوريين على ضفاف الحنين

أحلام سوريين على ضفاف الحنين

علي عقلة عرسان

” تتعجب، وتتعب، وتصرخ، وتغضب، وتناشد، وتبكي، وتستجير.. ولكنك المبتلى بصمٍ بكمٍ عميٍ لا يريدون أن يسمعوا غير صوت الحقد المعرش في أعماقهم، وقد نسوا آدميتهم، فضلاً عن دينهم وأخلاقهم وانتمائهم لوطن واحد، وتحولوا إلى ذئاب أو ما يشبه الذئاب.. و (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ)”
ـــــــــــــــــــــــــــ
كان خير الدين الزركلي، رحمه الله، على شاطئ النيل، بين ماء وشجر، وطير ونهر، وأهل ومحبين.. حين أبكاه ما حل بوطنه من محن، ولم يترك له الحنين جارحة تهدأ وترتاح .. وكان به فوق الحنين أنينٌ يهز قلب الحجر، فكيف الروح عند من لديه روح يحيا ويشعر بمعاناة الأحياء. وعلى الرغم من أنه لم يعش في سوريا معظم سني عمره، وحمل جنسية بلد عربي غير سورية وخدمه عمراً، إلا أن قلبه لم يغادر سوريا، الوطن. وكأني به في أمسه البعيد يصور ما يعانيه السوريون اليوم، ويبكي الشام، ويأسى لما آل إليه حال الشام:
العين بعد فراقها الوطنا لاساكناً ألِفت ولا سكنا
يا موطنا عبث الزمان به من ذا الذي أغرى بك الزمنا
عطفوا عليك فأوسعوك أذى وهم يسمون الأذى مِننا
كم ذا أغالبه ويغلبني دمع إذا كفكته هتنا
إن الغريب معذب أبداً إن حل لم ينعم وإن ظعنا
فكل ذي لُب، وقلب، وانتماء واعٍ، وحس وطني وأخلاقي وإنساني سليم، يشعر بجراح الشام ومأساة أهلها، ويغضب لما حل بها، ولا يملك إلا أن تسيل نفسه حسرات عليها، وعلى المشردين فيها وبعيداً عنها، والمكتوين بالنار من أبنائها.. ويدرك أن حرباً من نوع الحرب الدائرة رحاها في الشام منذ أعوام، ليست في مصلحة أحد من أبناء هذه الأمة، وهي وبال على الشعب والوطن والأمة؛ وأنها لن تفضي إلا إلى مزيد من تعقيد المشكلات، وتعميق آثارها في الأنفس، وتوريثها شقاقاً وصراعاً للأجيال. والمصاب في الشام أنه لم يعد يجدي في كثير من شأنها وما يجري فيها الكلام، وأن الحرب فيها قتل الذات للذات، وفتك بالماضي والحاضر والآت.. وأن ما يجري في ربوعها، من مدخل نهر دجلة إلى أراضيها إلى خروج مياه طبرية منها، ومن فيض الفرات خصباً فيها إلى جفاف عروق الحياة في بواديها.. مأساة تلد مأساة، ويضاعف تلك المآسي انعدام شعور معظم المعنيين بشؤونها وشجونها بضرورة التوقف عن الاقتتال والاستغراق في الانفعال والافتعال، ليروا بعين العقل والقلب فداحة ما يفعلون، وما يدمرونه في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، فيكون لهم رأي في آخر في الأمر غير القتل والنار والدمار. لكن، ومن أسف وحسرة نقول: لقد عميت أبصار، وتحجرت قلوب، وزاغت عقول، واستبد العنف والتطرف والإرهاب بالرقاب، وصار كثير من أمر السوريين بيد غيرهم.. وبلغ سوريون كثر درك البؤس الأدنى.. إذ يفرح البعض بإفناء البعض، ويرى سوري نصراً لذاته حين يقتل ذاته في جندي من جيشه ويدمر بعض آليّاته، ويرى جندي شيئاً من ذلك حين يقتل مواطنه ويدمر بيته؟!
.. ولا يقل فريق عن فريق في درجة الشماتة والتشفي.. وكل يلوك كبد الآخر، فعل هند مع حمزة، ويريد أن يراه أثراً بعد عين.. وكأن سوريا الجميلة ليست بلد الفريقين، ولا تتسع للطرفين.؟!
تتعجب، وتتعب، وتصرخ، وتغضب، وتناشد، وتبكي، وتستجير.. ولكنك المبتلى بصمٍ بكمٍ عميٍ لا يريدون أن يسمعوا غير صوت الحقد المعرش في أعماقهم، وقد نسوا آدميتهم، فضلاً عن دينهم وأخلاقهم وانتمائهم لوطن واحد، وتحولوا إلى ذئاب أو ما يشبه الذئاب.. و (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) الأنفال ٢٢
لقد قيل الكثير الكثير في هذا الشأن، وشمل القول كل المجالات ذات الصلة: السياسة، والفكر، والدين، والمذهبيات، والمظالم، والثارات.. إلخ، ولكن الاستعصاء مازال قائماً، وهو يزداد مع مرور الوقت. نعم قد تتغير ولاءات ومواقف وتحالفات، وحتى رؤى وسياسات كانت لها مواقف وأحكام.. ولكن يبدو أن كل تحول وتغير في المواقف والتحالفات والسياسات لا يؤثر عميقاً في الموضوع الأساس: أي وقف القتل، وحقن الدم، واللجوء إلى قرارات ومعالجات وسياسات وأحوال ليست هي القتل ونزف الدم على أية حال. وكل المقاربات التي ترمي إلى حصر مسؤولية الحل في السوريين تصطدم بوقائع ومواقف تعيد كل شيئ إلى نقطة البداية، أو إلى المربع الأول كما يقول اللاعبون. كل السوريين المنخرطين في هذه الدوامة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لم يعودوا أصحاب القرار الأول والأخير، ولا يملكون الكلمة الفصل في هذا الشأن.. وكل فريق يقول بوجود قوى خارجية، غير سورية، تقاتل أو تمول القتال وتدفع باتجاه استمراره، وتعمل على إدامته. ويبدو أنه من غير المجدي، أو مما يدخل في باب العبث أو العقم، إعادة طرح أسئلة من نوع: أين السوريين مما يجري لهم ولوطنهم؟! لماذا سلموا رقابهم لآخرين، حتى لم يعد لهم رأي ولا قرار ولا إرادة حرة، في تقرير مصيرهم بأنفسهم، ووقف الكوارث التي تجتاحهم؟! لماذا يرتهنون أنفسهم ووطنهم ومستقبلهم في سبيل قضايا يمكن أن تُحسم فيما بينهم؟! لماذ يخوضون حرب الآخرين في بلدهم وضد أنفسهم، وبأنفسهم؟! هل هم لا يدركون ما يفعلون، أم أنهم سلكوا في خلافاتهم سبلاً أخرجتهم من دائرة الفاعل المستقل، ووضعتهم في مدار المنفعل بما يملى عليه، أو المحاصر المضطر إلى اختيارات وأفعال وقرارات لا بديل لها في الوضع الذي أصبح، أو وُضِع، فيه.؟!
نحن اليوم في هذه المواقع، البؤر، المتاريس، أو ما شئت أن تسميها.. وليس لنا إلا فَواق عجائبي معجز، من خُمار الدم والقتل اللذين أدمنَّاهما. ولن يفعل هذا النوع من العجائبيات والمعجزات ذي الخُمار المدمن الغارق في الدم والقتل.. لن يفعله من ذات وبذاته ولذاته، لأنه إما لا يرى، وإما لا يريد أن يرى، وإما لا يعي أصلاً، وإما لأنه يتشبث “بنصر قريب” على وطنه وخصمه وذاته، وإما.. أنه لا يُسمح له بأن يفيق من خُماره ذاك أصلاً، لأن الغاية القصوى لم تُبلَغ بعد، و” العين بصيرة واليد قصيرة” كما يقول المثل. وفي المقابل لن يخرجنا أحد غيرنا مما نحن فيه إلا بثمن قد يكون فادحاً، وفادحاً كارثياً بصورة لا تُحتمَل.. وإذا ما أخرجنا بطريقة ملتوية أو مفروضة مرفوضة، أو بقيت قلوبنا مشحونة بالحقد والضغينة، فإن الداء سيستفحل، وتعود الحرب جزَعَة.. وهذا ليس في مصلحة أحد، ولا يقبله إلا الذين باعوا وطنهم وشعبهم أصلاً، ودخلوا سماسرة في السوق، وطنهم المال، والمال فقط، وقد يكون لهم رباً معبوداً.
إن ما يمكن أن يُعلَّق عليه أمل، أو ما يُعمَل على جعله سبيلاً، هو فريق من السوريين المنتمين لوطنهم وأمتهم، الحاملين لهويتهم باعتزاز، الواعين الواثقين القادرين المخلصين، الذين لا تحكمهم أمراض القائمين على أمر القتل والاقتتال والحرب المدمرة، ولا ينتظرون انتصاراتها المبهرة ؟! سوريون يحملون الوطن والشعب في قلوبهم وعقولهم وضمائرهم، لا يوالون المذهبية ولا الطائفية ولا العرقية ولا الجهات الخارجية، ولا تحكمهم شهوة التسلط والرغبة في استلاب السلطة، ولا يحتكمون لمنطق القوة، ولا يُشتَرَون بالناس والأوطان والقيم ولا يَبيعون.. ربهم الله، من أي دين كانوا، وحسبهم الله، وأجرهم على الله، وليس ربهم المال، سواء أكان مصدره دولة أو جهة أو شخصاً يحكم المال ويحكم بالمال.. سوريون ينقذون وطنهم، وينقذون بعض أبناء وطنهم حتى من أنفسهم، ومن غلوهم، ومن أوهامهم، ومظالمهم، وإرهابهم وطغيانهم. ولا يمكن لأولئك، ولا يٌطلب منهم، أن يخوضوا حرباً، أو أن يدخلوا طرفاً في الحرب حتى يوقفوا الحرب.. بل يعرضون جهدهم على الجميع بالعقل والمنطق والحكمة، ويعملون من أجل الجميع: بإخلاص، وثقة، وعدل، ومحبة، وانفتاح على الجميع.. ويلتف حولهم المتعبون والضحايا والأبرياء والسوريون الأنقياء المخلصون لوطنهم وشعبهم وأمتهم كافة.. ويعطيهم ثقته من هو في موقع، أو متراس، أو خندق، إذا كان يرغب في خلاص الوطن فعلاً، وفي وضع حد لتدهور الأمور في سوريا الوطن والتاريخ.. لكي يعملوا وينقذوا ويستنقذوا، من دون ارتهان لأي دولة أو جهة أو طائفة أو مذهب أو عرق، أو حزب، أو.. أو.. ولكي يقدموا تضحيات عرفها شعبنا عبر تاريخه، من مضحين في سبيل الشعب والوطن والحرية والبناء. وحين يصلون إلى إيجابيات ـ وسيصلون لأنهم مدفوعون بالإخلاص والانتماء والإيمان الحق بالله والوطن ـ حين يصلون، يعطون للشعب فرصة غير مسبوقة، في جو من الأمن والأمان والاستقرار، ليختار كل ما له صلة بحياته ونظامه ودولته ومستقبله..إلخ، فكما تصدى ويتصدى مجاهدون لتحرير البلاد والعباد من الاستعمار، يمكن لهذا الفريق المحتضَن من الشعب، أن يتصدى لمهام جسام.. لينقذ الوطن من نفسه، ولينقذ بعض المواطنين من أنفسهم، ولينقذ الشعب السوري، الضحية، من كل من تاجر به ويتاجر باسمه، وممن يبيعه في السوق ويشتري به.. ولينقذه ممن امتشق سلاحاً ليحرره من ظلم أو طغيان أو فساد، ومن، ومن.. فانحرف أو انجرف أو تاه أو.. أو.. فقتل من الشعب من قتل، ودمر، وأرهق الوطن.. ولينقذه أيضاً ممن حمل السلاح ضد من حمل السلاح، وضد الإرهاب والعدوان وتجار السياسة ومن، ومن.. فغرق في العنف المضاد، فقتل من الشعب من قتل، ودمر، وأرهق الوطن.
قد يكون ذلك حلماً، أو رؤية متعبين، أو تعلّق غرقى بقشّ، من وجهة نظر بعض الناس، ولكنه يمكن أن يكون أيضاً مدخلاً يختاره الأبرياء الأوفياء القادرون، ويختاره حتى متقاتلون وأشقياء في مواقع وجبهات وإمارات.. تعبوا وأتعبوا، وضاقت بهم الدنيا وضاقوا بها، وشارفوا على الصحو، وهم في مناقع ومواقع يشاهدون فيها ومنها البؤس البشري في سورية، ويشرفون على اليأس، ويقاربون الصحو من خُمار الدم الذي هم فيه، بعد أن رأوا من الوقائع والمآسي ما تقشعر له الأبدان، ويشيب له الولدان، ويدمر الإنسان والقيم والأوطان والمعتقدات ويطاول الأديان.؟!.
لقد تعبنا؟ أرهقنا؟ ضعفنا؟ تمزقنا؟ تشتتنا؟ تخلفنا، فقدنا بعض الكرامة وبعض الصفات النبيلة الجميلة، متنا..؟! كل هذا بعض مأساتنا، وبعض ما نعانيه، وما نحن فيه؛ وبعض ما نراه يمتد في أمتينا العربية والإسلامية، ليكون كارثة على الجميع، تستفيد منها الصهيونية، وكل حليف لها متوطئ مع العنصرية ضد الحق والعدل والقيم والإنسانية. فهل نضيق يا ترى بحلم، أو برأي، أو برؤية؟! ألا يُعذَر في ذلك حالم بالحياة، متمسك بالبقاء، والأمن، والعودة إلى وطنه وبيته، وهو على مشارف الهلاك في كل لحظة من ليل أو نهار!؟ ألا يحق للمخلوق الذي يُخنَق أن يعمل على أن يرفع اليد التي تخنقه عن عنقه ليتنفس، ليعيش؟! أليس من حقه أن يدافع عن نفسه ووجوده ولو بحلم؟! وأن يسعى للنجاة من الموت؟! نعم.. نعم.. فالحلم قد يكون أحد المداخل المشروعة لتغيير الواقع، كما أن الخيال والتخييل كانا ويمكن أن يكونا من مداخل التقدم والاختراع والابتكار والإبداع. ولا أظن أن أحداً ينكر ذلك أو يستنكره .. اللهم إلا أولئك الذين فقدوا صلتهم بالإنساني والروحاني، وبرحمة الله، وبإمكانية الفرج بعد الشدة، في حالات معجزات.. والذين اتخذوا من السياسات والحروب تجارة، ومن الناس بيادق، أو أدوات، أو مطايا توصلهم بدمها وأرواحها إلى حيث يشتهون، فيتربعون فوق بسط تحتها الآهات والجماجم، وهم في أبراجهم فرحون؟!!
اللهم نجنا من أولئك، ومن شرور أنفسنا، وأشكال ضعفنا وتواكلنا وتخاذلنا.. ويسر لنا من أمرنا رشداً لنرى وطن الأبجدية والمعرفة المسجلة بلغة هي من أمهات اللغات، حراً كريماً آمنا، وبيتاً لكل أهله، وحضناً لكل محتاج إليه.
آمين.. اللهم آمين.

إلى الأعلى