الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : المستقبل السياسي للتراخي ..في ضوء مقاربة العلوي الجديدة

العين .. الثالثة : المستقبل السياسي للتراخي ..في ضوء مقاربة العلوي الجديدة

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

هل الذي تعيشه المؤسسات في بلادنا تراخي أم ترهل؟ يستخدم الترهل معالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسئول عن الشئون الخارجية في كثير من مقابلاته السابقة أثناء توصيفاته وتشخيصاته للوضع الراهن للمؤسسات الحكومية، وقد أثارت هذه المفردة في حينها ردود فعل كبيرة، وكلها ايجابية، للصراحة اللامتناهية التي تحملها تلك المفردة، وكون الصراحة قد جاءت من قبل شخصية سياسية قريبة ومقربة من القيادة العليا للبلاد، وتقود بنجاح الامتياز المسار التطبيقي لتنظيرات السياسية الخارجية العمانية، غير أنه في أخر مقابلة مع إذاعة الوصال استبدل الترهل بمفردة ،، التراخي ،، مما أثار فينا غريزة البحث والاستقصاء في الدلالات والتحولات، فهل يرجع التراجع أو الاستبدال في نطاق الاستدراكات التصحيحية الصحيحة توصيفا للوضع أم تخفيفا لحدية الترهل المثيرة والمزعجة ؟ وماذا تعني لنا المفردتين؟ وسواء كان الوضع مترهلا أم متراخيا، فإن هناك تساؤلات استراتيجية ينبغي أن تطرح بصورة عاجلة.
إن الترهل مثل (الفساد الإداري) مسميات لحالة مرضية لها علاقة بالاختلالات الإدارية التي تنجم عنها العبث في مقدرات حياة الشعب، وهما يعنيان سوء استخدام المنصب لغايات ومآرب ضيقة وشخصية، فهل كانت المفردة تعني من منظور الوصف السياسي لمعاليه تلك الحالات المرضية؟ فهل فعلا هناك أزمة أخلاقية في السلوك تعكس خللاَ في القيم وانحرافاَ في الاتجاهات عن مستوى الضوابط والمعايير السليمة مما يؤدى إلى فقدان الجهاز الإداري المعنى لكيانه الفعلي متجها به لتحقيق مصالح منظومة (..) من العاملين متعايشة داخل النظام؟ إذا كان كذلك، فإنه سوف يظهر لنا قضايا مثل الباحثين عن عمل والتعليم ، وحتى الفقر ـ إن وجد ـ هى نتيجة للترهل وليس سببا فيه، ففي حال فقدان مبالغ كبيرة من الأموال بطرق غير مشروعة يؤثر ذلك سلباً في النتيجة الاجتماعية والاقتصادية تأثيرا يتمثل في حرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية، أما التراخي، فلما بحثنا عنه في معجم المعاني الجامع، فوجدنا معناه على النحو التالي: تَراخَى: ( فعل) تَرَاخَى فِي عَمَلِه: تَكَاسَلَ، تَقَاعَسَ، تَوَانَى، تَرَاخَى عَنْهُ: تَقَاعَسَ، فمثلا، بَدَأَ القِطَارُ يَتَرَاخَى فِي سَيْرِهِ : يَسيِرُ بِبُطْءٍ ، يَتَبَاطَأُ، وهذا المعنى الأخير يعطينا أفضل دلالة للاقتراب من الوصف السياسي الجديد لمفردة ،، التراخي ،، ويكشف لنا عن خلفيات الاستبدال أو الاستدراك، وهو ما سوف نعتمده بالمفهوم السياسي، لكن، هل نلاحظ هناك فرقا جغرافيا شاسعا في التداعيات الناجمة عن المفردتين؟ ليس مهما الان البحث في هذه الاشكالية رغم اهميتها، وسنركز على المثير الجديد فيها، وهى مفردة التراخي، ومن اليقين أن عملية الاستبدال قد جاءت بعد العلم السياسي بمضامينها ومحتواها اللغوي والسياسي، لأنها قد جاءت بعد فترة زمنية من التدبر والتبصر والتأمل، من هنا، يمكن القول إن الدلالة السياسية للمفردة تنصرف الى معانى التقاعس والتكاسل والتباطؤ.. وهذه كلها لا نقول حالات مرضية تصيب بها المؤسسات الحكومية، وإنما هى كلها مفاتيح لضعفها، وأينما يكون التراخي في مؤسسة، يكون الاضطراب والاسترخاء والفوضى والانتفاخ والتورم، وبالتالي كان استغلال النفوذ والمحسوبية والاحتيال والبيروقراطية الصفات الأساسية لعملها من المنظور المجرد، وحتى لا نصل بالتراخي الى ذلك العمق في بلادنا، نتساءل عن الحل؟ وهذا يتبادر الى ذهننا تساؤل أخر عن المستقبل السياسي للتراخي بعد تشخيص معاليه؟ التساؤل مهم جدا، تثيره اشكاليته المرحلة الانتقالية التي لاتزال تمر بها بلادنا منذ عام 2011 في إطار محيطها الاقليمي والعالمي خاصة بعد الانقلاب الثوري للرؤية الاميركية في الخليج التي فجأة اكتشفت أن الخطر الوجودي للأنظمة في المنطقة ليس خارجيا، وتحديدا من ايران، وإنما هو داخلي ، وتحديدا من قبل الباحثين عن عمل، لذلك، لا يزال المطلوب من المؤسسات الحكومية الكثير والكثير من العمل في كل المجالات والقطاعات دون استثناء خاصة تلك التي تهم الشباب، فلا مجال للترهل ولا التراخي، وينبغي أعمال الفكر في كيفية القضاء على مثل هذه الامراض، فاستمراريتها لن يخدم المرحلة الراهنة لا داخليا ولا خارجيا، ولو فتحنا نافذة صغيرة على الخارج المجاور، فقد نرى تداعيات التراخي في قضية ما يفعله الجار والشقيق الذي هو اقرب الينا نفسيا من أية ذوات أخرى، يتجرأ بمزاعم تاريخية، ويتجرأ بمناوشات وتصرفات استفزازية، ولسنا ندري ماذا سيفاجئنا غدا بأية استفزازات جديدة، لذلك، ينبغي الانتقال سريعا لمرحلة ما بعد التشخيص الى مرحلة الحل الذي يعيد للمؤسسات حيويتها وديناميكيتها وانجازاتها، فمن المؤكد أننا لم ندخل الى مرحلة اللاعودة في التراخي، فعلينا أن نبحث في الاسباب المؤدية اليه، ولو أتيح لأي مواطن الولوج إلى الأرصدة البنكية لأيٍ من الفاعلين الكبار – هل نعمم ؟- الذين يديرون ويقودون المؤسسات الحكومية، لوجدنا أهم الاسباب يكمن في الفاعلين والمؤطرين الذين أصبح جل همه ديمومة المال ومضاعفته ومعه بقاء نفوذهم هما الحاميان الأساسيان لعرين الكرسي والمنصب، وبالتالي المؤديان إلى التراخي، لن نحلم بالية “من أين لك هذا” الغائبة رغم أن المستقبل السياسي للتراخي مقلق؟ لكننا نشدد على ضرورات الاصلاح العاجل القائم على التغيير والتجديد والتأهيل في الفاعلين والمؤسسات معا، عبر دمج بعضها من أجل تقليص المتداخل والمتشابه فيها، والاستغناء عن قياداتها واستبدالها بأخرى، وتغيير طريقة عملها وتفكيرها، وتفعيل نهج المساءلة الداخلية فيها، وهو ما يعني ولادة مؤسسات جديدة فعليًا، وإن حملت ذات الاسم القديم، باختصار المؤسسات المتراخية تريد بث الروح من جديد، ولن تولد تلك الروح الا بولادة قيادات جديدة، وأفكار حديثة في ظل بيئة سياسية منتجة لتلك القيادات والأفكار.

إلى الأعلى