السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بوتين .. التحدي للغرب وحليفته الصهيونية

بوتين .. التحدي للغرب وحليفته الصهيونية

د. فايز رشيد

” لقد بدأت مجابهة بوتين بعد فترة قصيرة نسبياً من فترتي رئاسته الأولى. كان في البداية منشدّاً إلى تصفية حكم المافيات في روسيا, وإلى ضبط الأمن وفرض سلطة الدولة على كافة بقاعها المتسعة, وإعادة الاقتصاد الروسي إلى حيويته وأوضاعه الطبيعية, واستعادة مؤسسات القطاع العام التي خصخصها يلتسين مباشرة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فقام بفرض سلطة الدولة عليها,”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بلغت الوقاحة بنتنياهو أن يتحدى بوتين! ذلك في تصريحاته ضد استئناف تسليم روسيا لصواريخ S300 التي كانت قد أبرمتها مع ايران وقد دفعت الأخيرة ثمنها البالغ 4 مليار دولار منذ مدة طويلة. ذلك بعد اتفاق إيران مع مجموعة 5+ 1 المعروف بـ اتفاق لوزان. قال نتنياهو في اجتماع مجلس الوزراء الأسبوعي : ” إن إسرائيل تنظر بمنتهى الخطورة بإمداد ايران بصواريخ أرض – جو وأن إسرائيل ستفعل ما هو ضروري للدفاع عن أمنها ومواطنيها”. الرئيس بوتين لم يتأخر في رده الحازم والواضح الذي لا لٌبس في كلماته التحذيرية .. فقال تعقيبا: “نحذر من النتائج العكسية لقرار إسرائيلي كهذا, وإن روسيا لن تسمح بتغيير المعادلات على الارض, وهي ستقوم بمعاقبة كل من يقوم بذلك, فضلا عن كون هذه الخطوة لن تغير شيئا على أرض الواقع, وإنما ستؤدي إلى سفك المزيد من الدماء”. العين بالعين والسن بالسن هذا ما تطبقه روسيا في عهد بوتين.عقوبات أميركية وأوروبية ضد مسؤولين روس يقابلها بوتين بعقوبات ضد مسؤولين أميركيين.
أراد بوتين في مجمل خطاباته وتصريحاته مؤخرا (وبضمن التصريحات – تحذيره نتنياهو ) التأكيد على أن العالم لم يعد أحادي القطبية بتفرد الولايات المتحدة الأميركية به وبقضاياه، وأن روسيا اليوم هي غير روسيا في عهد يلتسين وأن اتحادها الفيدرالي هو الوريث الطبيعي للقطب العالمي الذي كان يشكله الاتحاد السوفييتي. لقد وضع الرئيس الروسي في فترات رئاسته الثلاث حداً للأحادية القطبية،وهو الذي تحدث مراراً في خطاباته عن ضرورة “التعددية القطبية”. كان أبرزهذه الحطابات: خطابه في مؤتمر الأمن في ميونخ في عام 2007, وكان يستعد حينها للانتقال لمنصب رئيس الوزراء في عهد ميدفيديف. استمرت السياسة الروسية بكافة تفاصيلها لكن مع خطاب ميدفيديفي أكثر ليونة, إلى أن عاد بوتين إلى الرئاسة ليعود الألق والبريق إلى خطواته السياسية بمقدار أكبر مما كان عليه في فترتي رئاسته الأولى. لطالما تعبت روسيا من”حشرها في الزاوية” من قبل الغرب الذي اتهمه بوتين: بأنه دائماً ما” خدع روسيا واتخذ قرارات من وراء ظهرها”.اعتبر أن الغرب يتمسك بسياسة “تفتيت روسيا منذ عهد القيصر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وصولاً إلى القرن العشرين في مواجهة الاتحاد السوفييتي”. اعتبر بوتين أن الأوروبيين والأميركيين ” اجتازوا الخط الأحمر حين ساعدوا على تنصيب حكومة مواتية للغرب في كييف، ضاربين عرض الحائط بالاتفاق الذي وُقّع بين يانكوفيتش والمعارضة”, فما كاد حبر الاتفاق يجف( وقد جرى توقيعه بحضور مندوبين غربيين) حتى جرى خلع يانكوفيتش!.
لقد انتقد بوتين الدول الغربية وسياساتها الحمقاء في يوغوسلافيا, وكوسوفو وأفغانستان, والعراق, وليبيا, بالفعل تصرف الغرب في هذه الدول على قاعدة الصلف والعنجهية, وفي بعضها الاحتلال المباشر تحت مسمى”نشر الديموقراطية”و”إزاحة الأنظمة الدكتاتورية” و”مصادرة أسلحة الدمار الشامل” كما جرى في العراق. الذي تبين أنه لا أسلحة دمار شامل في العراق, وأن الفوضى وانعدام الأمن هو الذي جرى في العديد من هذه البلدان على ضوء التدخل الأميركي- الغربي فيها. العديد من هذه الدول عادت عقوداً إلى الوراء, وهي تعاني من النزاعات الطائفية والمذهبية والإثنية والاقتتال فيما بينها، إضافة إلى إمكانية تقسيمها. هذا ما جلبته السياسات الأميركية – الغربية على هذه الدول. إنها بالفعل “سياسة تدميرية” مثلما وصفها بوتين.” يعتقدون أنهم يتمتعون بمكانة استثنائية, ويشعرون بأنهم المختارون وبإمكانهم تقرير مصائر العالم وأنهم فقط من هم على حق”.هكذا وصف بوتين الغربيين.
لقد بدأت مجابهة بوتين بعد فترة قصيرة نسبياً من فترتي رئاسته الأولى. كان في البداية منشدّاً إلى تصفية حكم المافيات في روسيا, وإلى ضبط الأمن وفرض سلطة الدولة على كافة بقاعها المتسعة, وإعادة الاقتصاد الروسي إلى حيويته وأوضاعه الطبيعية, واستعادة مؤسسات القطاع العام التي خصخصها يلتسين مباشرة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, فقام بفرض سلطة الدولة عليها, وصادر أموال العديدين من المليارديرات ( الأغنياء الجدد ومعظمهم تابعين للحركة الصهيونية) فوضع البعض في السجون, وهرب آخرون من روسيا بعد أن استقامت ظروف الفيدرالية الروسية. أولى بوتين الأهمية الكبرى لسياسات روسيا الخارجية ومجابهة عالم القطب الواحد. وأبرز خطوة قام بها على طريق هذه المجابهة هي الحرب الروسية ـ الجورجية في عام 2008 حين قام بالتدخل لحماية الروس في تلك الجمهورية. في فترة رئاسته الثانية التي ابتدأت مع مجئيه إلى السلطة في عام 2012 صاعدت روسيا من مجابهتها للغرب.
ما جرى في شبه جزيرة القرم من انتصار روسي, وفي جورجيا .. وتطوير العلاقات مع سوريا ومع إيران وتسليم الصواريخ إليها .. يأتي في سياق الحرص الروسي على تأكيد مجابهة روسيا للغرب عموما وحليفته الصهيونية .. باللغة والفعل العملي وبالأساليب التي يفهمها جيدا أطراف هذا المعسكر… لغة المجابهة والتحدي.
تحذير بوتين لنتنياهو هو بمثابة جرس إنذارلإسرائيل وللعالم الغربي عموما, وهو ضوء أحمر تنبيهي لهذا الغرب, علّه يعدّ الحسابات قبل اتخاذ خطوات فعلية في هذه القضية الدولية أو تلك. نعم لم يعد العالم أحادي القطبية مثلما بقي لعقود عديدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية, بل أصبح عالماً فيه روسيا والصين ( وبالتحديد روسيا وبشكل أكبر) على طريق استكمالها لتشكيل قطب عالمي آخر في مواجهة الولايات المتحدة والدول الغربية عموماً.. إنه بوتين الرئيس الروسي المُتحدي!.

إلى الأعلى