الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الحكمة المتأخرة

الحكمة المتأخرة

” تأتي الحكم عامة نتيجة تراكم الخبرة والمعرفة التي تكتسب مع مرور الزمن وكثرة التجارب، ومعنى ذلك انها غالبا ما تكون “متأخرة” ـ فيما يخص العمر ـ لكن ذلك ليس مبررا لأن تتسم تصرفاتنا بعكسها (أي الرعونة والشطط)، فالأرجح ايضا ان من يولى على أمر يمون من معايير اختياره أن لديه من التجارب ما اكسبه الحكمة والوعي ليتصرف على نحو أفضل من أقرانه.”

هناك مثل غربي معناه أنه من الأفضل أن يأتي الشيء متأخرا وليس ألا يأتي مطلقا، وكأي مثل يمكن ان ينطبق على كثير في حياتنا ويتعارض مع كثير بل وقد تجد مثلا آخر يعني عكسه تماما. يصعب تصور كيف ينطبق هذا المثل على الحكمة والوعي الذي يأتي متأخرا ـ وفي بعض الأحيان عندما يكون أوان الاستفادة منه قد فات ـ وهل يصح أن يعتبر هذا افضل أم لا. ربما تفيد الحكمة المتأخرة في المواضع التي يمكن اصلاحها ولو بعد حين، حينئذ تكون الحكمة ولو متأخرة أفضل من ترك الأمور على ما هي عليه. لكن في بعض المواضع والأمور التي تصل إلى مرحلة “اللا عودة” ربما لا يفيد الوعي المتأخر سوى بأن يزيد الحسرة والندم على ما كانت يمكن اصلاحه. إلا أن للحكمة المتأخرة فوائد اخرى.
تأتي الحكم عامة نتيجة تراكم الخبرة والمعرفة التي تكتسب مع مرور الزمن وكثرة التجارب، ومعنى ذلك انها غالبا ما تكون “متأخرة” ـ فيما يخص العمر ـ لكن ذلك ليس مبررا لأن تتسم تصرفاتنا بعكسها (أي الرعونة والشطط)، فالأرجح ايضا ان من يولى على أمر يمون من معايير اختياره أن لديه من التجارب ما اكسبه الحكمة والوعي ليتصرف على نحو أفضل من أقرانه. وإذا كان “التجريب” يصح في أمور ـ ضررها أقل أو لا ينعكس إلا على الفرد وحده ـ فإنه لا يصح في غيرها، خاصة ما يتعلق بقضايا جماعات وأوطان. فمن معايير ولاية الأمر أن يكون المسؤول العام لديه من التجربة والخبرة ما يمكنه من اتخاذ قرارات نيابة عن المجموع. وحتى على المستوى الفردي، والخاص وليس العام، يكون للوعي أثره إذا سبق التصرف.
بالطبع، وحتى فيما لا يمكن تغيير مساره، يظل الوعي المتأخر افضل من اللاوعي والحكمة المتأخرة وإن لم تفد فيما أصبح غير قابل للإصلاح قد تفيد في تلافي الخطأ في قضايا أخرى. هذا هو الوضع المثالي، لكنه لا ينطبق على ما يجري في منطقتنا في العقود الثلاثة الأخيرة. والأمثلة لا تعد ولا تحصى، وإن كانت هناك حالات فجة كانت الحكمة المتأخرة فيها سببا في استمرار “العزة بالإثم” إلى حد قرب تدمير الذات. وربما كان العراق وما يجري له وفيه المثال الأبرز المستمر منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى الآن. كانت سنوات الثمانينيات حربا طويلة خاضها العراق ضد إيران في محاولة لكبح جماح ثورة ذات رداء ديني هددت المحيط الخليجي كله باحتمالات انتشار شرارتها وإثارة القلاقل في دوله على أساس صراع طائفي على أقل تقدير. لم تتمكن “قادسية صدام” من كسر إيران، لكنها أجلت الحرب الطائفية في المنطقة سنوات، ولم تفد الحكمة المتأخرة في تفادي ابتزاز صدام حسين لدول الخليج ومحيطها باعتباره “بوابة الحماية الشرقية في وجه إيران الثورية”. وكانت نتيجة الوعي المتأخر هي تدمير البوابة، دون أن تحول الحكمة المتأخرة دون التفكير في خطر الانكشاف المباشر على النفوذ الإيراني وتقديم البوابة المهدمة هدية للجار الذي لا تعوزه الحكمة الآنية لحماية مصالحه وزيادة نفوذه.
ومنذ حرب غزو واحتلال العراق عام 2003، لا أظن أن حكمة متأخرة أو غيرها نفعنا نحن العرب، ولعل ما يجري لنا وأغلبه بأيدينا لا بيد غيرنا ونعايشه يوميا خير دليل على أن الحكمة المتأخرة التي واتتنا بعد حرب العراق/إيران إنما دفعتنا لما هو أسوأ. فالصحيح أن دول الخليج ودول عربية أخرى تشاركها الرؤية والمصلحة فطنت إلى أهمية ما يجري في لبنان، واعتبرت أن التوازن الطائفي فيه مهم بأهمية شأن داخلي لتلك الدول لما يمثله من مؤشرات نفوذ إيراني. وكانت النتيجة أن قوي حزب الله في لبنان على حساب بقية القوى التي تشكل “الموزاييك” اللبناني. ثم جاءت سوريا، التي لم تدخل مرحلة ما يسمى “الربيع العربي” التي شهدناها في تونس ومصر مثلا إذ سارعت القوى التي يفترض أن واتتا الحكمة بعسكرة الصراع فيها وتحويله إلى حرب أهلية لن تسفر إلا عن دمار سوريا وترك الجدار الثاني للبوابة في وضع أسوأ من العراق معززا النفوذ الإيراني بشكل شبه طبيعي.
أما الوعي المتأخر فيما يتعلق بليبيا، فحدث ولا حرج عن الكارثة التي جلبها علينا هذا الوعي ولن تجدي معه حكمة تأتي أو لا تأتي بعد أن وصل حال ليبيا إلى مرحلة “لا عودة عنها” من منحى التدهور نحو ما هو أسوأ من “الصوملة”. ويصعب حساب مدى الحكمة فيما يجري في اليمن، والذي لم يبدأ مؤخرا وإنما بدأ مع ما سمي أمريكيا “الحرب الاستباقية على الإرهاب” وكاد يحول البلاد إلى أفغانستان أخرى في قلب شبه الجزيرة العربية. ولعل الأمر بغير حاجة لوعي وحكمة لندرك منذ الآن أن الأميركيين وغيرهم لا يهمهم كثيرا مستقبل اليمن أو ليبيا أو غيرها (وإن كانت سوريا مهمة فقط لقربها من اسرائيل ـ اللسان الغربي في المنطقة). ويمكن للأميركيين والغرب عموما التعايش مع دول فاشلة محترقة بشكل بطئ في تلك المناطق من العالم ـ بل ربما تكون فرصة لبزنس اطفاء الحراق وبيع معدات حماية للجوار ـ لكن نحن الذين نعيش في هذه المنطقة لا نتحمل هذا الترف. هل نحن بحاجة لحكمة ـ مبكرة أو متأخرة ـ لنتصرف بجرأة ونحاول انقاذ ما يمكن انقاذه؟

د.أحمد مصطفى* كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى