الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / من وقائع الثغرات الاقتصادية

من وقائع الثغرات الاقتصادية

عادل سعد

تتوالى هذه الأيام تقارير عالية التحذير مفادها أن أغلب الاقتصادات العربية تنقصها إمكانية التحصن ضد ثغرات محتملة الوقوع أو هي الآن في طور التكوين، أو ربما قطعت أشواطًا واضحة على طريق تكريس أزمات.
والحال كان البعض يتغاضى عن تلك الثغرات تحت تأثير الضغوط السياسية أو الفساد، أو الخصومات بالنسخ الدموية وما يترتب عليها من مشاغل متعددة، فإنها في كل الأحوال تظل وصمة خطيرة في البناء التنموي العام، وهي تبعًا لذلك تمثل هاجسًا وعنصر ضغط لا يجوز السكوت عليه والتكيف معه إذا كانت هناك أهداف تنموية معينة يراد تحقيقها، وإلا فإن هذا النوع من التكيف هو أحد عناصر الإخفاق الذي يضرب البنية العامة امتدادًا لحقيقة (أن الفشل في التخطيط هو في حقيقة الوضع تخطيط للفشل).
إن من أكثر الثغرات المهددة للواقع الاقتصادي العربي وتتفاعل في صميم الحياة العربية الآن تتمثل في الفجوة الغذائية بين معدل الإنتاج من الغلات واتساع رقعة الاستهلاك الغذائي نتيجة العادات الخاطئة في تأمين هذه الحاجة، وكذلك ارتفاع معدلات النمو السكاني في المناطق الحضرية وانحسارها في المناطق الريفية، مع زيادة في وتيرة العشوائيات السكانية التي تمثل أحزمة ضواحي العواصم، وكذلك شبكات عشوائيات أخرى حول الموانئ.
وإزاء ذلك، وحسب القراءة الميدانية للواقع الاستهلاكي الغذائي تتصدر وتيرة الاستيرادات الغذائية قائمة الميزان التجاري السلبي في عدد من الدول بمعدلات تجاوزت 85% من الحاجة الغذائية الفعلية، يرافق ذلك ظاهرة لم تستطع أية جهات معالجتها، وتكمن في كميات الأغذية التي تذهب إلى مكبات النفايات بفعل أنها مواد غذائية (بائتة) لا تستجلب المشترين فترمى لتحل محلها مواد غذائية جديدة، والملاحظ أن هذه الظاهرة منتشرة في عدد من مدن الخليج وفي بيروت وإلى حد ما في بغداد الآن وربما في عدد من عواصم شمال إفريقيا.
إن الأمن الغذائي العربي مهدد الآن فعلًا بتفاقم الحالة السيئة التي تحكمها عوامل غير مسبوقة من أبرزها الحالة العراقية بعد أن أخذت العديد من العوائل في المناطق القبلية تغطي حاجاتها من الخبز والرز والخضراوات بشرائها من الأسواق وليس من خزينها الذي يفترض أن يكون لديها نتيجة نشاطها الزراعي والملامح القاتمة لهذه الصورة. إن أغلب العوائل الريفية الآن في العراق توقفت عن الزراعة بعد أن استسهلت تأمين حاجتها الغذائية من الغطاء المالي الذي يوفره أبناؤها من خلال التطوع في القوات المسلحة وهناك رواتب مجزية تقدم لهم، أو نتيجة انهيار النمط الزراعي الذي كان سائدًا لعوامل تتعلق بشحة المياه وعدم اللجوء إلى منظومة ري تتناسب مع هذه الشحة وكذلك الهجرة القسرية.
إن هذا الانهيار المفجع في النمط الزراعي يكرس الآن بالضرورة الثغرة الاقتصادية المشار إليها، وما زاد الطين بلة أن المنظومة العائلية اليومية انكمش تواجدها في الحقل الزراعي مما اضطرها إلى المغادرة بفعل ذلك وبفعل عوامل سياسية وأمنية وتغير سلبي في القناعات الاجتماعية، وتحضرني هنا في الحالة نفسها ولكن بالنسخة الإفريقية أن معظم المهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا وتبتلعهم مياه البحر المتوسط هم بالأغلبية من سكان الأرياف الذين افتقدوا الأمن الغذائي في مناطقهم، وبدأ ضغط الهجرة يلح عليهم بالرغم من أن أعدادًا كبيرة منهم يغرقون، أو يصلون إلى الشواطئ الأوروبية ويضطرون إلى العمل على وفق آليات لا تحكمها قوانين العمل.
لا شك أن الـ(800) إفريقي الذين ابتلعتهم في الأسبوع الماضي مياه البحر المتوسط أغلبهم من الفلاحين والمزارعين الذين يفتقدون فرص العمل الزراعي في بلدانهم، وهكذا الحال أيضًا بالنسبة لأعداد أخرى يراوحون على تخوم المدن الإفريقية الكبرى يمضون الوقت بمراقبة الذباب المتطاير أمامهم بانتظار (أرغفة) وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة.
الوضع يزداد سوءًا، أما كيف المعالجة فتلك من اختصاص الصحوات السياسية وخبراء الشأن التنموي.

إلى الأعلى