الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تجربة تستحق التوقف عند دلالاتها

تجربة تستحق التوقف عند دلالاتها

احمد صبري

لم تسعف الظروف السياسية التي سبقت وصول حزب البعث إلى السلطة في العراق عام 1968 التيار القومي العربي من استلام مقاليد الحكم بشكل مباشر رغم تصدر بعض رموزه للمشهد السياسي بعد انقلاب عبدالسلام عارف على سلطة البعث عام 1963.
واتسمت تلك الفترة الممتدة من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1963 ولغاية 17/7/1968 بالهدوء السياسي النسبي والاستقرار الاقتصادي رغم محدودية دخل العراق من عوائده النفطية إلا أن القرارات الاشتراكية التي أصدرتها حكومة طاهر يحيى في تموز/يوليو 1964 حاولت أن تعيد هيكلية الاقتصاد العراقي وإخضاعه بالكامل لسلطة الدولة ومؤسستها الاقتصادية، كما هو الحال في مصر عبدالناصر.
ولم تسجل في تلك الفترة أي فضائح وخروقات مالية أو هدرا للمال العام أو استغلال أي مسؤول لسلطته ونفوذه بالتستر على مبددي المال العام وحماية اللصوص وتأمين الحماية لها كما يجري في الوقت الحاضر.
إن رئيس الوزراء الأسبق طاهر يحيى التي دارت حوله الشبهات وإشاعات كثيرة حول استغلال المنصب والمال العام خلال فترة حكمه زار معمل باتا عام 1965 بعد إضراب نفذه عماله لمحاورتهم، والعمل على معرفة مطالبهم برفقة وفد من اتحاد العمال، وعندما توصل إلى اتفاق مع قياداتهم لإنهاء الإضراب اقترح مدير المعمل على طاهر يحيى هدايا لهم، غير أن رئيس الوزراء رفض العرض وقام بدفع أثمانها نقدا.
لقد كانت نظافة اليد والحصانة التي كان يتمتع بها رموز التيار الناصري بالعراق هي شاهدا على نزاهة هذه الرموز وحرصهم على المال العام، وابتعادهم قدر الإمكان عن التورط بأي قضية تشوه سمعتهم وسيرتهم الذاتية التي حصنتهم من الوقوع بالمحظور.
والفترة من 1963 لغاية 1968 لم يشهد العراق عملية إعدام لأي سياسي أو غيره، واتسمت تلك الفترة بالهدوء والاعتدال والانفتاح السياسي المقرونة بإجراءات تصالحية مع القوى الأخرى في محاولة لتهدئة الشارع وإيجاد قواسم مشتركة بين مكوناته.
وما يعزز ما ذهبنا إليه، ما ذكره أحد رموز تلك الحقبة وهو الوزير عبدالكريم هاني قائلا: اضطر الرئيس العراقي الأسبق عبدالسلام عارف للتبرع بالمخصصات السرية لرئاسة الجمهورية لبناء كلية طب الأسنان ببغداد بعد طلب تقدم به عميدها لعدم وجود باب بالموازنة العامة لها، وأن مخصصات الوزراء والمسؤولين في تلك الفترة كانت شحيحة خصوصا عندما يكلفون بمهمات رسمية خارج العراق، فضلا عن أنهم لم يمنحوا أي دار مجانا أو قطعة أرض خارج السياقات، وأن معظمهم مدين للمصرف العقاري.
لقد كانت نزاهة التيار القومي العربي واعتدال مواقفهم ومسيرتهم السياسية المنفتحة على الآخرين عنوان تجربتهم التي اتسمت بالانفتاح على الآخرين، ويسجل لهم خلال الفترة التي تصدروا فيها المشهد السياسي بالعراق أنهم كانوا دعاة مصالحة ووفاق، خصوصا وقف الإجراءات الثأرية والانتقامية بحق خصومهم، لا سيما إلغاء شرط تحقيق الهوية للراغبين بالتعيين، وإعادة المفصولين السياسيين لمؤسساتهم، وإطلاق سراح المعتقلين لأسباب سياسية باستثناء حالات محددة.
ورغم ما لقيه رموز التيار الناصري العروبي من جفاء بعد عام 1968 إلا أنهم انتخوا للدفاع عن وطنهم والذود عن حياضه عندما تعرض للتهديدات والتحديات الخارجية.
إن المشروع القومي الذي اعتمده الناصريون في تجربتهم بالعراق كان امتدادا لفكر ونهج مصر عبدالناصر هو مشروع استهدف تعزيز وحدة الأمة وصيانة أمنها، والحفاظ على ثرواتها وتوزيعها بشكل عادل على أقطارها.
هذا المشروع هو من حصن الناصريين بالعراق وترك لهم إرثا يعتزون به بعد الإخفاقات والكبوات التي يعيشها العراق منذ غزوه وحتى الآن.
هذه الشهادة بحق التيار القومي العربي في العراق هي شهادة للحقيقة والتاريخ عن مرحلة وفترة هي من أشد فترات الإثارة في تاريخ العراق التي كتب عنها الكثير، إلا أن سمتها وعنوانها كانت النزاهة والمبدئية بالتعامل مع قضايا الوطن وسبل الحفاظ عليه موحدا أرضا وشعبا.

إلى الأعلى