الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مهاجرو البحر المتوسط مشكلة عالمية

مهاجرو البحر المتوسط مشكلة عالمية

تزايدت في الآونة الأخيرة موجة الوفيات بالبحر المتوسط، الذي كان في العام الماضي أكثر منطقة مهلكة في العالم للمهاجرين، حيث ابتلع 3279 نفسا عام 2014، وهو العدد الذي قد نعده يوما ما ضئيلا إذا استمرت الموجة الحالية.
هذا الشهر وحده والذي لم ينته بعد شهد فقدان نحو 2000 إنسان مثلنا، في عداد الغرقى، في المياه قبالة السواحل الليبية، وهو عدد يصل 20 ضعف الرقم الذي سجلته المنظمة الدولية للهجرة التي أترأسها في مثل هذا الوقت العام الماضي.
في الأسبوع الأخير نشرت المنظمة تقارير عن وفاة 400 مهاجر في انقلاب قارب يوم الـ14 من أبريل جنوب مالطا، و50 آخرين الجمعة الماضية، ونحو 800 نفس في عداد المفقودين قبالة الساحل الليبي الأحد. ويوم الاثنين ذاع خبر نكبة قاربين آخرين ـ أحدهما يحمل على متنه بين 150 إلى 200 مهاجر والثاني 300.
يسرد الناجون من هذه الرحلات مآسي عن انتهاكات وحرمان يشيب له ولها الولدان. ففي يوم الجمعة ألقت العصابات أكثر من 20 ضحية محترقة بعرض البحر ـ من بينها طفلة عمرها 6 أشهر ـ بعدما اجتاحت نار الطبخ بيتهم الآمن في ليبيا حيث يحتجز المهربون المهاجرين قبل انطلاق رحلتهم.
الواضح أن هؤلاء المجرمين الذين ينظمون هذه الرحلات رأوا أنه من الأفضل إلقاء الرجال والنساء الجرحى في عرض البحر بدلا من طلب الرعاية الطبية لهم، ولم لا ومعظمهم قد دفع بالفعل ثمن عبوره نحو 500 دولار للرأس.
في عام 2014 أحصت المنظمة أكثر من 5000 حالة هلاك لمهاجرين ترانزيت على مستوى العالم ثلثهم بالبحر المتوسط. وقبل شهر أبدى عاملون بالمنظمة قلقهم من احتمال ارتفاع حصيلة القتلى هذا العام لنحو 6000 قبل أعياد الميلاد. والآن نظن أن العدد قد يفوق هذا الرقم بحلول يوليو القادم.
بالاحتفاظ بهذه القائمة نأمل أن ينتبه العالم لمصير المهاجرين الذين يقامرون بكل شيء من أجل فرصة للحياة بكرامة وسلام يعدها كثير منها من المسلمات.
غير أن إحصاء الأرواح ليس كافيا، وعلينا أن نتحرك.
هذه ليست مشكلة بحر متوسطية، ولا حتى مشكلة أوروبية، ولكنها كارثة إنسانية تتطلب من تدخل العالم أجمع. إن زلزال هايتي عام 2010 لم يكن مشكلة تخص النصف الغربي من العالم ولا كانت كارثة سونامي المحيط الهندي عام 2004 كذلك. تلك الكوارث حظيت بتحرك إنساني ضخم. وكذلك يجب التعامل مع هذه المشكلة.
علينا أن نرحب بالفارين من مناطق النزاع بالمنطقة برفع حصص إعادة التوطين، وإصدار تأشيرات إنسانية أكثر، وتمديد حالة الحماية المؤقتة لمواطني البلدان المنكوبة. لقد فعلت الولايات المتحدة هذا مرارا خلال العقود الأربعة الأخيرة لمهاجرين هايتي وأميركا الوسطى وغيرهم. ويمكن للولايات المتحدة وباقي دول العالم فعل ذلك مجددا للمهاجرين الفارين من الشرق الأوسط وإفريقيا عبر ليبيا.
علينا أن نبدأ أيضا في شن حملة إنقاذ بصرف النظر عن قساوة الظروف أو مشقة الأوضاع.
إن الأوضاع والظروف قاسية وشاقة في ليبيا حيث تقدر المنظمة أن نحو 300000 عامل غير موثق مشردون، أغلبهم من سوريا وإفريقيا جنوب الصحراء من الذين نجوا من الرصاص للوصول إلى الساحل.
ومع ذلك فالوضع في ليبيا ليس ميؤوسا منه بالكلية. ففي الأسابيع الأخيرة أنقذت المنظمة أكثر من 400 مهاجر سنغالي وأوصلتهم إلى تونس ومنها طاروا إلى دكار عاصمة بلادهم.
القصص التي يحكيها هؤلاء المهاجرون لموظفينا عن وجودهم في الأسر في أيدي المهربين من أكثر القصص التي ينخلع لها القلب رغم عملي في هذا المجال منذ 50 عاما، قصص عن رجال وأطفال يموتون من العطش في الصحراء وعن مداهمات الشرطة في جنح الليل تنتزع المهاجرين من أسرتهم، فيضربون ويسرقون ويجرجون إلى سجون مكتظة يقاسون فيها شهورا من الحرمان.
نحن لا نواجه في هذه الأزمة أعمالا عشوائية للطبيعة ولكن جرائم يرتكبها بشر، وعلينا أن نجد ونحدد ونقاضي المسؤولين عنها، وإذا لزم الأمر نطبق قانون حقوق الإنسان الدولي على المهربين المجرمين. ويمكن رفع قضايا جرائم ضد الإنسانية بواسطة أية حكومة في أية قارة ما دامت هناك إمكانية لرفع قضية.
إن الشهود كثر، والأدلة تجمع يوميا، ولا ينقصنا سوى الإرادة لإنزال العقوبة.

وليام لاسي سوينج
مدير عام المنظمة الدولية للهجرة خدمة ام سي تي ـ خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى