السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / طبيب مات بالسل .. واجتماعي عاش الفقر

طبيب مات بالسل .. واجتماعي عاش الفقر

علي عقلة عرسان

حين تضغط الأحداث المدمرة على العقل والقلب، وتنغمس الروح في المأساة حتى لتكاد تغرق في القنوط، وينغلق الأفق أو يرتدى العتمة ثوبًا.. يبحث من يتعلق بالحياة والأمل، عن صفحات ضوء، كتبها أصحابها بأمل، وهم في خضم الضيق والفقر والمرض، واضعين صورة لمجتمع تنخره العيوب والمعاناة، ويتطلع إلى التقدم والنجاة، وفي الوقت ذاته يرفض أن يُدفن حيًّا. من تلك الصفحات ما كتبه روسي: طبيب مات بالسل، يطب للمجتمع ويعاني آلامه الفتاكة.. كان أبوه عبدًا “قِنًا”، وعاش هو الفقر والمرض، في مجتمع الفقر والظلم والمرض، فسخِر كثيرًا ليعلو فوق المأساة، وتعمق في التحليل، وتنقل في البلاد من بحر الآزوف إلى جزيرة سخالين على الحدود مع اليابان، وأصر على النجاح فنجح، وقدم للأدب إنتاجًا لا ينسى.. أنطون بافلوفيتش تشيخوف (29 يناير 1860 – 15 يوليو 1904)؛ الطبيب الذي اعتبر الطب زوجته، والأدب عشيقته، وترك عددًا كبيرًا من القصص القصيرة التي كان سيد الساح في فنها، وما مجموعه مسرحية هي: “دون عنوان أو بلاتونوف،الآثار الضارة للتبغ،أغنية البجعة عمل واحد، ايفانوف، الدب، طلب الزواج، الممثل المأساوي دون قصد، الزفاف، غابة الشيطان أو “شيطان الغابة”، اليوبيل، النورس، الخال فانيا، الشقيقات الثلاث، بستان الكرز. ومنها مسرحيات بارزة في تاريخ المسرح العالمي، أخرج بعضها للمسرح الروسي المخرج المتميز بالإبداع، وصاحب النظرية العميقة في التمثيل والإخراج قسطنطين ستانسلافسكي. لا يمكن للإنسان المطلع على الأدب المسرحي أن ينسى بسهولة مسرحيات: بستان الكرز ـ الخال فانيا ـ طائر البحر ـ الشقيقات الثلاث، تلك التي تعطي، إلى جانب مسرحيات تشيخوف الأخرى ورواياته وقصصه القصيرة، صورة عن الحياة الاجتماعية في روسيا القيصرية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وأتوقف هنا عند نصين لتشيخوف، أحدهما ظل مغمورًا لمدة، والآخر من أفضل وأشهر ما كتب، هما: فضيحة في الريف أو بلاتونوف، وبستان الكرز.
لم تحظ مسرحية “فضيحة في الريف” باهتمام كافٍ في الأوساط المسرحية، لأنها لم تكن من بين أعمال تشيخوف البارزة من جهة، ولأنها لم تعرف في حياته بشكل واضح، منشورة من قِبَلِه، من جهة أخرى؛ فقد طبعت بعد وفاته. ويجتهد الباحثون في أنها كتبت عام 1881، ولم يكن تشيخوف إلا من شباب الكتاب الذين هم في طور النضج آنذاك، فقد كان عمره واحدًا وعشرين عامًا، وكان قد كتب بعض الأعمال غير المعروفة، قبل هذه المسرحية، ومنها ما ضاع أو ما تخلص منه، مثل مسرحية “دون أب”، و”يتيم” التي كرهها أخوه الكسندر.
مسرحية فضيحة في الريف، أو بلاتونوف، تقع في أربعة فصول، وتدور حوادثها في قرية روسية صغيرة تدعى “فرنتيزيفا”، تملكها أسرة إقطاعية ربها جنرال متقاعد، توفي وترك أرملته “أنا بتروفنا” مع ابنتها بالتبنّي. وتعيش الأسرة مع الخدم على عائدات الأملاك، وتستدين بانتظار أن تبيع أملاكها. ويقوم بتقديم القروض لها بالربا تاجران أو مالكان يهوديان يعيشان في المنطقة.
محور الأحداث مدرس في “مدرسة القرية” يدعى بلاتونوف، متزوج من امرأة أقرب إلى القداسة منها إلى طبائع الناس، في الواقع والمحيط اللذين تعيش فيهما.. إنها ساشا، المخلصة لبلاتونوف، تحبه ولا تريد إلا أن يكون سعيدًا، وتصفح عن أخطائه وتصلي من أجله. وحينما يعترف أمامها بالهفوات الكبيرة لا تملك إلا أن تشفق عليه. وبلاتونوف هذا زير نساء بمعنى الكلمة، وفوق ذلك فهو لا يعرف تمامًا سر هذه الجذوة التي تجعله هبة لأمرين في الحياة: الخمر والنساء. لقد أغوى كثيرات وما زال يعيش لجسد المرأة فقط، والنساء في محيطه يذبن في حديثه اللبق ويرتمين عليه.
حينما كان طالبًا في الجامعة، نشأت بينه وبين “صوفيا” زميلته علاقة، لم تلبث أن خمدت واعتبرت جزءًا من ذكريات الجامعة. تزوجت صوفيا ابن الأرملة آنَّا بتروفنا، ودفنت جذوة الحب التي في قلبها لبلاتونوف.. أمّا هو فلم يعر ذلك اهتمامًا في البداية، تزوج هو الآخر، وأخذ يقيم العلاقات التي تهدم البيوت العامرة، وكأنه كان ينتقم لا شعوريًّا من علاقة قائمة بين صوفيا وزوجها. أقام علاقة مع الأرملة التي أغوته وأغرته بالمال والثروة، وكان قبلها قد دفن علاقات ثلاث، وفي لحظة من اللحظات، في موقف من المواقف، استيقظت علاقته بصوفيا التي ما لبثت أن أصبحت كل شيء عنده، يتمنى لو تستجيب له. وحين كاشفها بالأمر في لحظة ملائمة، بادلته العاطفة الحارة، وأخذت تميل إليه، وفكر أن صفحة جديدة، من حياة جديدة، يمكن أن تبدأ بينه وبينها؛ وجاء ذلك في توقيت غير ملائم، جاء في الوقت الذي قرر فيه أن يستجيب لآنّا بتروفنا الأرملة، وأن يذهب معها لقضاء رغباتها، مقسمًا على ذلك “بشرفه؟!”
إن صوفيا التي عشقها العمر، تبعث الآن، بحرارة عشقها، حبه القديم، وتملأ عليه حياته، وحين تواعده لا يستطيع إلا أن يهجر بيته، وأن يتناسى وعده للأرملة بتروفنا. إنه يذهب معها، ويقيم في المدرسة بانتظار أن يذهبا معًا، يغادران مجتمع القرية إلى مكان ما.. هي تهجر زوجها وهو يهجر زوجته. ويكاد ينفذ هذا المشروع لولا أن مفاجآت تحدث، وهي مفاجآت غير موفقة فنيًّا من المؤلف تشيخوف، حسبما أرى، لكنها تسيِّر الحدث في المنحى الذي يريده المؤلف.. هذه المفاجآت تتلخص في أن شخصًا يدعى أوسيب، أقرب إلى المعتوه منه إلى الناضج، يحب الأرملة إلى درجة التقديس، وهي تضحك عليه لخبلٍ واضح في تصرفاته نتيجة دفعها إيّاه، تحت تأثير الحب، إلى مواقف لا يدل متخذها على رصانة، أو توازن، أو سوية نفسية. هذا الشخص يكتشف العلاقة والوعد، ويعرف علاقات بلاتونوف الأخرى، فيقرر أن يقتله، بدافع الغيرة أولًا، ولتخليص البريئات منه ثانيًّا.. ويحاول قتله فعلًا، ولكن مجيء ساشا زوج بلاتونوف إلى المدرسة، مع أخيها وأبيها، ينقذ بلاتونوف من موت محقق.
أما المفاجأة الثانية فهي زوج صوفيا الذي يأتي إلى بلاتونوف بعد ذلك، في المدرسة، متوسلًا وراجيًا أن لا يتسبب في إفساد حياته الزوجية والقضاء عليه، لأن صوفيا صارحته بأنها ستهجره لتعيش مع عشيقها بلاتونوف في مكان آخر.
أما المفاجأة الثالثة فهي اكتشاف الأرملة بتروفنا العلاقة بين بلاتونوف وصوفيا زوجة ابنها بالتبني، ويجعلها وقع الصدمة عليها في حالة غير متوازنة. وبينما يكون بلاتونوف في بيتها، تدخل صوفيا لتركع عند قدميه كي لا يتخلى عنها.. فهو في ذلك الموقف، وبعد صدمة واضحة، وبعد كل كأس خمر، كان يتردد بين موقف وموقف، ويتحول من قرار إلى قرار. وتتدخل الأرملة لتمنع هذا الذي يمكن أن يحدث بين صوفيا وبلاتونوف.
المفاجأة الرابعة هي وصول الطبيب، أخي صوفيا ليعلم بلاتونوف، وبشيء من القسوة، بأنه كاد يتسبب في موت زوجته الملاك، وأنها تناولت السم، وتركت له رسالة تفيض محبة وغفرانًا ومودةً، وتوصيه بابنها خيرًا.
يصل بلاتونوف إلى درجة من الحيرة والارتباك، أو قل سوء التصرف الناجم عن ضمير أقرب إلى الموت، وعقل ذاهل، وقوة منهكة من الإرهاق والخمر وسوء التصرف.. ويصبح حالة لا تليق بإنسان. ويتجه إلى بيته تاركًا القلوب المحطمة وراءه، تائبًا، أو شبه تائب، عما ارتكب من حماقات. ولكنه حتى وهو في تلك الحالة، لا يملك إلا أن يعبد النساء، ويضعف أمام وجود أية امرأة. وها هو يلمح جريكوفا الشابة، فيمد يده إليها ويجذبها إليه ويقبلها، ويبثها الإعجاب، وهو في حالة من السكر والألم لا مثيل لها. نشاهده صوفيا وهو يضمها، وفي غمرة انفعالها وغضبها منه، تشهر مسدسًا عليه تريد قتله، ويرتمي هو على الأرض، ومن دون أن تطلق الرصاص عليه يموت، وبموته يخلِّص كثيرين مما يلحقه بهم من ألم وحرج، وربما يخلِّص حتى امرأته، ولكنه يخلِّص، أول ما يخلِّص، نفسه مما هي فيه.
وتنتهي المسرحية بكلمات الرثاء، تلقيها بعض شخصيات المسرحية.
هذه المسرحية تقدم لنا نماذج بشرية، بعضها غير ناضج، وفي مقدمة الشخصيات بلاتونوف الذي يعتبر أنموذجًا غريبًا، في استسلامه لملذاته، وارتكابه للأخطاء والخطايا، وانسحاقه تحت عواطفه، وشهواته، ونزواته. إنه أنموذج للمستهتر الساذج، أو للفاسد الذي لا يشعرنا في الظاهر، بأن ضميره يعذبه، بينما هو ينهار تحت ضربات ذلك الضمير فعلًا، ويعاني من عملية سحق غير منظورة، وغير واضحة، حتى في مستوى الصراع الداخلي المحسوس.
المسرحية لا تقدم صورة عن الصراع الساكن في مسرح تشيخوف، كما تجلى في أعمال للمؤلف كانت أكثر نضجًا، ولكنها تحتوي على بذور ذلك المسرح، وعلى نماذج أولية من شخصيات رئيسة فيه، لم تلبث أن برزت بصورة أنضج في مسرحيات تشيخوف الأخرى. لكن المسرحية تبقى من الأعمال التي يمكن أن تقدِّم لقارئها، أو لمشاهدها، لمسات ممتعة، ومواقف تجعله يفكر بمعنى الوجود الإنساني، إذا ما وصل تردي الواقع إلى درجة مهينة، كما يظهر في مجتمع تشيخوف المسرحي، أو في المجتمع الروسي كما يقدمه مسرح تشيخوف.
بستان الكرز:
من مسرحيات أنطون تشيخوف الجيدة، تقع في أربعة فصول، وتجري حوادثها في الريف الروسي.. في بيت أسرة كانت على جانب كبير من الغنى والجاه، ولكن سوء تصرف أفرادها، وتبذيرهم، وانشغالهم عن العمل باللهو، والبذخ، والسعي وراء النزوات الخاصة.. جعل الأسرة تقع في الفاقة والعوز.
ونستطيع أن نقف على أسس هذه المأساة من خلال شخصية رانيفسكايا، فهي بطلة المسرحية وصاحبة المشكلة الأساس فيها.
تبدأ حوادث المسرحية في البيت القديم الذي تربت فيه رانيفسكايا وأخوها غاييف، الذي شهد أيام الأسرة السعيدة وحظوظها المقبلة. ونحن نرى الخدم يستعدون لاستقبال الأسرة، وقد عادت من باريس بعد غياب طويل. ويكون اللقاء مؤثرًا جدًّا، ونحس أن المنزل، وبستان الكرز، قد اكتسبا شخصية حية، من خلال اهتمام الأشخاص بهما، كما نحسّ كأن الزوايا تستيقظ وتتجسد فيها ذكريات حميمة، تحكي الكثير، وتؤثر بشكل مثير. إن رانيفسكايا تقبّل الجدران والشجر، ونقرأ في عينيها قصة تحييها الذكريات التي تجددت في البيت والبستان، ونشعر بأننا أمام امرأة عانت كثيرًا، فهي تقول: “أوه.. يا خطاياي.. لقد كنت أبعثر النقود دائمًا بلا حساب.. كالمجنونة.. وتزوجت برجل لم يجلب غير الديون.. مات زوجي بسبب الشمبانيا ـ فقد كان يسكر بفظاعة ـ ولسوء حظي أحببت رجلًا آخر، ورحلت معه، وفي ذلك الوقت بالضبط تلقيت أول عقاب، أول ضربة قاسية ـ فهنا.. في هذا النهر.. غرق ابني. وسافرت إلى الخارج، سافرت مصممة على ألا أعود.. على ألا أرى هذا النهر. أغمضت عيني وهربت ناسية نفسي، فطاردني الرجل بلا شفقة وبلا حياء. واشتريت فيلا بالقرب من منتونا، وذلك لأنه أصيب بمرض هناك، ولم أعرف الراحة طوال ثلاث سنوات، لا نهارًا ولا ليلًا. لقد عذبني المريض حتى ذبلت روحي. وفي العام الماضي، عندما بعنا الفيلا سدادًا للديون، سافرت إلى باريس، وهناك سلبني كل شيء، وهجرني إلى امرأة أخرى، فحاولت تناول السم. يا للغباء.. يا للخجل.. ثم شدني الحنين إلى روسيا إلى وطني.. إلى بيتي. يا إلهي.. يا إلهي.. كن رحيمًا واغفر لي خطاياي.. لا تعاقبني أكثر من ذلك”.
إن رانيفسكايا عاشقة أدماها الحب، ولا تعرف إلا أن تحب بعنف، مهما كانت النتائج قاسية والآلام مضنية. كما أنها تعودت على الإنفاق والتبذير، ولم تعد مواردها تكفي.. وها هي مضطرة لأن تبيع بستان الكرز والبيت، بما فيهما من ذكريات، أو بالأحرى تبيع الماضي العزيز كله سدادًا للديون التي تراكمت عليها. إنها تعيش هي وبناتها وأخوها من دون أن يعمل أحد منهم ـ على عادة الإقطاعية المتعفنة ـ وتقتني في بيتها عددًا من الخدم والمربيات، وتريد على الرغم من كل هذه الظروف، أن تبقى حبل الرياح بيدها. قلبها يسبح في بحيرة الحب الصافية إلى جانب العاشق الغادر في باريس، والأموال متوفرة لتنفق كما تشاء، وتعيش في الحب وللحب؛ ولكن الصدمة تكون قاسية عندما يكشر الواقع عن أنيابه لأمثال هؤلاء الذين عاشوا عالة على غيرهم، ولا يملكون من الصلابة ما يكفي لمواجهة قسوة الحياة. إن آمالهم تتساقط، ولا يجدون قشة يتعلقون بها طلبًا للنجاة.
لقد حاولت رانيفسكايا أن تنقذ سمعتها، وتستدين لتبقي على البيت وبستان الكرز اللذين يُعدان جزءًا من حياتها وكيانها، ولكنها لم تستطع، وعبثًا حاولت، فكل من لجأت إليهم لم تجد لديهم ضالتها المنشودة، وفقدت بستان الكرز والبيت.. وقررت أن تعود مع ابنتِها إلى عشيقها وزوجها المريض في باريس، لتعوض بحبه ما نالها من آلام وخسران، ولتخفف من آلام المرحلة التي تمر بها، بعدما آلت إليه أمورها إلى ما آلت إليه.
هذه صورة من صور الحياة التي كانت في روسيا تشيخوف، وقد نقلها وهو ثائر على هذا الواقع. وتتمثّل ثورته تلك في قول تروفيموف، أحد شخوص المسرحية، الطالب الذي يؤمن بمستقبل روسيا، ويثور على الواقع السيئ فيها.. يقول تروفيموف: “الإنسانية تسير قدمًا مطورة قواها. وكل ما يبدو لها الآن بعيدًا، سيصبح ذات يوم قريبًا ومفهومًا. لكن علينا فقط أن نعمل، وأن نساعد بكل قوانا، أولئك الذين يبحثون عن الحقيقة. ما زال الذين يعملون عندنا في روسيا قليلين جدًّا. إن الأغلبية الهائلة من المثقفين الذين أعرفهم لا تبحث عن شيء، ولا تفعل شيئًا، ولم تزل غير صالحة للعمل. إنهم يدعون أنفسهم بالمثقفين، ولكنهم يكلمون الخدم بخشونة، ويعاملون الفلاحين كالحيوانات، ولا يجتهدون في التعلم، ولا يقرؤون شيئًا جديًّا، ولا يفعلون شيئًا على الإطلاق. وفقط يتحدثون عن العلوم، ويفهمون القليل في الفن. إنهم جميعًا جديون، ولهم جميعًا وجوه صارمة، ويتحدثون جميعًا في جلائل الأمور، ويتفلسفون. وفي نفس الوقت، وأمام أعينهم جميعًا، يأكل العمال طعامًا مقرفًا، وينامون بلا وسائد، ويحشرون بالثلاثين أو الأربعين في غرفة واحدة، والبق في كل مكان، والنتن والرطوبة والقذارة الخلقية. ويبدو أن المقصود من جميع مناقشاتنا الممتعة، هو مجرد تعميتنا وتعمية الآخرين. أروني أين توجد عندنا دور الحضانة، تلك التي تحدثوا عنها في الروايات فقط، أما في الواقع فلا وجود لها مطلقًا. ليس هناك غير القذارة والانحطاط والجلافة.. إنني أخشى وأكره الوجوه المفرطة في الجدية، والأحاديث الجدية.. فالأفضل لنا أن نصمت”.
على مثل هذا الواقع ثار بطل تشيخوف، والمؤلف إنما يعطي الصورة الحقيقية لحياة الطبقة المتنعمة وشواغلها واهتماماتها، تلك التي كانت تعيش مغامرات الحب، ولا هم لها إلا أن تكون ناجحة ناعمة.. الحياة عندها بساط حرير، وحلم هادئ. يستخدمون الناس ويعيشون عالة على جهود الآخرين، ولا يؤذيهم ويكدر نفوسهم إلا أن يقف عائق في وجه نزواتهم، أما كل ذلك الفقر والجهل الذي كان يسود روسيا، ويفترسها بشراسة، فلم يكن يحرك فيهم ساكنًا. حتى أنهم لا يكتفون بذلك، بل يتهمون غيرهم بضيق الأفق والبهيمية، عندما تكون له أهداف أخرى وتطلعات غير تطلعاتهم. فعندما يقول تروفيموف: “إننا فوق الحب. إن هدف حياتنا ومعناها في أن نتفادى كل ما هو تافه ووهمي، مما يعوقنا عن أن نكون أحرارًا وسعداء. إلى الأمام.. إننا نسير قدمًا إلى تلك النجمة الساطعة التي تشرق في البعيد.. إلى الأمام..”.. يكون رد رانيفسكايا على مثل هذه التطلعات قولها لتريفيموف: “أنت لست فوق الحب ولكنك ببساطة لا تصلح لشيء”. ولكن تروفيموف يستطيع أن ينجح في قول الحقيقة، وفي إقناع آنيا، ابنة رانيفسكايا، بآرائه، إنه جريء ولا يجد حرجًا في أن يقول لها بكل صراحة:
“فكري يا آنيا.. كان جدك، وأبو جدك، وسائر أسلافك، إقطاعيين يملكون نفوسًا حية، وليس معقولًا ألا تحدق فيك أرواح إنسانية من كل شجرة كرز في البستان.. من كل وريقة ومن كل جذع، ليس معقولًا أنك لا تسمعين أصواتها. تملّك النفوس الحية.. إن هذا قد مسخكم جميعًا، من عاشوا منكم في الماضي ومن يعيشون الآن. حتى أنك أنت وأمك وخالك، لم تعودوا تلحظون أنكم تعيشون على الدَّيْن، على حساب آخرين.. على حساب أولئك الناس الذين لا تسمحون لهم بتخطي عتبتكم. إننا تخلفنا مائتي سنة على الأقل. ولا يوجد عندنا بعد شيء على الإطلاق. نحن نتفلسف فقط، ونشكو من الضجر، أو نشرب الفودكا. من الواضح أنه لكي نبدأ في أن نحيا الحاضر، علينا أولًا أن نكفِّر عن ماضينا وننتهي منه. وبالمعاناة فقط يمكن التكفير عنه. فقط بالعمل الغير عادي والمستمر.. افهمي هذا يا آنيا”.
إن الأسرة تترك المنزل بعد أن يباع، ويسقط الرفيق الذي أنهكه العمل وتقدم السن، يسقط في بُحران، بعد أن نسيه أصحابه في المنزل، وأغلقوا عليه الأبواب. وتعود رانيفسكايا إلى باريس مجرّحة الكرامة، ولكن ينهض من خلال كل هذا الركام من الأخطاء والمآسي، ينهض أمل في الشباب: آنيا التي اقتنعت بوجهة نظر تروفيموف.
إن مسرحية بستان الكرز من مسرحيات تشيخوف الناجحة. وتمتاز، كسائر مسرحياته، بدقة بناء الشخصيات، وعمق أحاسيسها، ورقة تلك الأحاسيس. فالحركة في المسرحية حركة داخلية عميقة، تحسها من معاناة الشخصيات، ومن العلاقات الإنسانية الموجودة فيما بينها. قد تبدو الحركة المسرحية، ويبدو الصراع في مسرح تشيخوف بطيئين، ويقع العبء، في مثل هذه الحالات، على المخرج والممثلين، لكي يظهروا كل دقائق الحركة والصراع الداخليين، ويضفوا على العرض حيوية خارجية جذابة. ولعل هذه إحدى صعوبات مسرح تشيخوف التي تحتاج إلى التحدي والمواجهة، وإحدى مميزاته في الوقت ذاته.

إلى الأعلى