الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / براجماتية الضمير الإسرائيلي في فيلم “أصوات ممنوعة “!

براجماتية الضمير الإسرائيلي في فيلم “أصوات ممنوعة “!

ثمة حكمة تقول : أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي مطلقا “هل يدري الغرب بأمر هذه الحكمة ؟ لا أظن لكنهم يعملون بها دائما يصلون متأخرين بل في الوقت الضائع حين يصبح حضورهم بلا جدوى أو بجدوى لهم وحدهم ! وقد يكون الحضورمبكرا جدا إن كان المستهدف عائق أمام تحقيق مصالحهم عند إذن ينقبون في سجلاته في سهوله ووديانه وكهوف جباله حتى عن لص اقتيد إلى المحاكم ليس في سيارة رولز رويس ليملأوا العالم ضجيجا عن النظام الوحشي الذي يهدر حقوق الإنسان !.
في الثامنة والربع من صباح الاثنين الموافق السادس من أغسطس 1945 انفجرت صيحات الألم والهلع من حناجر 270 ألف ياباني في مدينة هيروشيما مع انفجار أول قنبلة ذرية في أجواء مدينتهم بينما لم يتمكن 80ألفا من الصراخ ألما أو رعبا لأنهم لقوا حتفهم على الفور كان اسم الطائرة الأمريكية التي القت القنبلة “الشر الضروري “!!!حيث أن قتل مئات الآلاف من المدنيين اليابانيين كان – في المنظور الثقافي الأميركي – شرا لابد منه !! لكن يبدو أن إبادة سكان مدينة هيروشيما لم يكن بكاف فبعد ثلاثة أيام ألقت طائرة ثانية قنبلة نووية على مدينة نجازاكي لتحصد أيضا أرواح 80ألف ياباني، والمذهل أنه قبل قصف الطائرات الاميركية للمدن اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية كانت ثمة إنذارات توجه إلى السكان لإخلاء مدنهم حتى لايتعرضوا للقصف لكن حين قررت الولايات المتحدة استخدام القنابل الذرية لم تحذر أحدا تعمدت هذا حتى يكون القتلى بمئات الآلاف !. وأين الضمير الذي يردد ساستهم وإعلامهم وحتى الكثير من مفكريهم أنه مركز ثقافة الشعب الأميركي ؟ استيقظ جزئيا وبعد عشرات السنين حيث بدأت بعض الكتابات وإن كان على استحياء تنبه أن القصف النووي للمدن اليابانية لم يكن ضروريا!!.
وفي نيو مكسيكو أقام بعض الأميركيين عام 1995 نصبا تذكاريا في الولاية التي شهدت صنع القنبلة النووية “الولد الصغير ” التي ألقيت على هيروشيما ليظل حدث إلقاء القنابل النووية على اليابان حيا موجعا للضمير الأمة الأميركية. وهذا حال الضمير الأميركي والغربي بشكل عام إزاء ما ارتكبوه من جرائم ضد الإنسانية لا يستيقظ إلا في الوقت الضائع كما حدث مع الهنود الحمر الذين كان عددهم يتجاوز 112مليونا أبيد معظمهم إمافي الغارات التي كان يشنها الرجل الأبيض أو عبر جراثيم وميكروبات الطاعون والدفتيريا والجدري حيث عقب توقيع اتفاقيات سلام مع القبائل الهندية كانت توزع على الهنود بطاطين على سبيل الهدايا وكانت هذه البطاطين تجلب من المصحات التي تأوي ضحايا الأمراض الفتاكة في أوربا وبالتالي موبوءة بالميكروبات القاتلة ! ويروي الإنجليزي “لويس وتزل” أن غنيمته من فرو رؤوس الهنود كانت لا تقل عن 40 فروة في الطلعة الواحدة ويعتبر “وتزل” اليوم من أبطال التاريخ الأميركي!!!!
ودوما كانت سينما هوليوود تتعمد إظهار الهنود الحمر في أفلامها كمتوحشين متعطشين للدماء إن عثروا على رجل أبيض بريء نقي سلخوا فروته تلك هي الصورة المغلوطة عن الهندي الأحمر كما شاهدناها في عشرات الأفلام الهوليوودية ، وكان ثمة تجاهل عن عمد للصورة الحقيقية للهنود الحمر والتي وصفها بدقة القس الأسباني برتولوميو دي لاس كاساس المولود عام 1484 م في كتاب أهداه إلى الملك فيليب الثاني حيث جاء في الكتاب: “إنهم أناس بسطاء وطيبون لدرجة كبيرة صبورون ومتواضعون وسذج جداً ومطيعون بعيدون عن الشرور وعن الحيل والخداع وهم يبدون التزاماً كبيراً بتقاليدهم ويطيعون الأسبان لا يتنازعون ولا يتقاتلون ولا يحملون حقداً على أحد لا تجد عندهم مشاعر الانتقام والحقد والعداء هم فقراء جداً ولكنهم لا يحملون مشاعر الطمع والحرص والنهم”
وهذا ما قاله أيضا المكتشف كريستوفر كولومبوس في رسالة لملك وملكة أسبانيا بعد وصوله الشاطيء الأمريكي عام 1492:”هؤلاء الناس طيبون جداً , ومسالمون جداً بحيث أني أقسم لجلالتيكما , انه لا توجد في العالم امة أفضل منهم ” ، لكن متأخرا وبعد أربعة قرون بدأ ضمير هوليوود يستيقظ حيث شاهدنا أفلاما تنصف الهندي الأحمر على شاكلة فيلم ” الرقص مع الذئاب ” للمخرج والممثلكيفين كوستنر والذي كشف عن المذابح التي تعرضوا لها على أيدي الرجل الأبيض ؟
ولم حديثي هذا الآن عن الضمير الأميركي والغربي بشكل عام الذي يستيقظ _ إن استيقظ – متأخرا ! ؟ ثمة فيلم وثائقي عنوانه “أصوات ممنوعة ” – Censored Voices – للمخرجة الإسرائيلية ” مور لوشي ” عرض في مهرجان برلين السينمائي في دورته الخامسة والستينالتي أقيمت في العاصمة الألمانية مؤخرا . الفيلم لفت الانتباه بمادته البعيدة عن اهتمامات السينما التوثيقية الإسرائيلية حيث يحتوي على شهادات صوتية لعدد من الجنود الإسرائيليين سجلت لهم عقب انتهاء حرب يونيو 1967 في الكيبوتزات الإسرائيلية بأيام من قبل المؤرخ أبراهام شابيرا والكاتب عموس عوز في هذه التسجيلات الصوتية يعترف الجنود بأنهم ارتكبوا عمليات قتل ضد الأسرى العرب وأجبروا الفلسطينيين على مغادرة مدنهم وقراهم ، وتضمنت الصور مشاهد لحملة سيناء واقتحام القدس وغزة وتجميع الفلسطينيين في مجموعات وإطلاق الرصاص على الرجال وقتل الأسرى المصريين وتحول الجنود من دورهم الذي لقنوا إياه إلى قوة احتلال تمارس القهر والقمع والقتل يوميا. ويحكي أحد الجنود عن الطرد والتهجير الجماعي للفلسطينيين من مدن وقرى الضفة الغربية ويشبّه ما وقع هناك بما وقع لليهود على أيدي النازية الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية” . ويحكي جندي آخر كيف مارس الضباط الإسرائيليين أمام عيونهم قتل الأسرى وكيف كانوا يدفعونهم دفعا للقتل تنفيذا لتعليمات القيادة التي كانت تطالبهم بعدم استخدام الرأفة مع الجنود المصريين في سيناء !. وعلى ما يبدو أن المخرجة لاتهدف من وراء فيلمها الاعتراف بالجرائم التي ارتكبها جيش بلادها بل الكشف عن الضغوط النفسية التي يعاني منها هؤلاء الجنود بسبب “تورطهم” في ارتكاب تلك الجرائم!! . أهي صحوة الضميرالغربي التي -كالعادة – تأتي متأخرة ؟!
وما علاقة إسرائيل بالغرب ؟ كانت ومازالت جزءا من المشروع الغربي الاستعماري لتقويض ثوابت الأمة العربية وإبقاء هذه الأمة في مستنقع التخلف والصراعات مئات السنين لذا من الطبيعي أن يكون الضمير الإسرائيلي براجماتيا تماما مثل الضمير الغربي لايستيقظ إلا بعد عقود وربما قرون بعد أن تتحقق المصالح وأيضاحين يكون الاستيقاظ مفيدا! ففيلم مثل “أصوات ممنوعة ” قد تتناوله الميديا الصهيونية على أنه دليل على أن انتاجه وعرضه برهان على حرية التعبير في الدولة العبرية وأن جنود الجيش الإسرائيلي تمت تنشئتهم على قيم إنسانية عليا فإن تجاوز أحدهم هذه القيم في لحظة ما مثلما حدث خلال حرب يونيو 1967 يمضي عمره نهبا لعذاب الضمير!!!!

محمد القصبي

إلى الأعلى