الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ديوان الشاعر محمد قاراطاس “ما ورثه الضّوء” .. خطفة الاندفاعة الباهرة وصراع الأنواع الشعريّة والرّغبات العاتية في التغاير والإضافة

ديوان الشاعر محمد قاراطاس “ما ورثه الضّوء” .. خطفة الاندفاعة الباهرة وصراع الأنواع الشعريّة والرّغبات العاتية في التغاير والإضافة

الشعر العماني الجديد عند المتأمّل العربي يبدو مشهدا غير واضح الملامح بشكل جيد، لنقل أنّه يبدو مشهدا غائما. فما نعرفه عن الثّقافة العمانية عموما قليل بالنّظر إلى ما تعرفه البلاد من تطوّر في حركة النّشر في مختلف فروع المعرفة ومن بروز أسماء شعرية تضارع ما يشهده المشهد الأدبي العربي، ولعلّ اسما مثل محمد قاراطاس يعتبر من أبرز أسماء الجيل الجديد المؤهّلة لتمثيل الشعر العماني الجديد وبعث دم جديد في بناه وفي مضامينه، “فالشاعر العماني اجتاز بالقصيدة مرحلة السطحية والمباشرة إلى مرحلة التعمّق والكثافة في طرح تجربته، واستطاع الخوض في عوالم لم يقترب منها سلفه من شعراء عمان إلا على استحياء”. كما يقول محمد بن مسلّم المهري في بحثه المهمّ “تطوّر الشعر العماني المعاصر”، ونعتقد أنّ بعض الأسماء الجديدة قد انخرطت فعليا في حراك التّجديد والتغاير مع النصّ الشعري العماني التقليدي أو اللاحق له، أي شعر النصف الثاني من القرن العشرين.
وموضوع هذه الورقة هو تقديم الكتاب الأوّل للشاعر محمد قاراطاس الصّادر عن دار الانتشار العربي ضمن سلسلة الإصدار الأوّل في البرنامج الرائد لدعم الكتاب، وهو في 167 صفحة من القطع المتوسط، غلافه أبيض تتصدّره لوحة مجهولة المصدر لكنّها تعكس روح الكتاب بألوانها وبما تتضمنه من حركة توحي بالباطن، حيث تتفاعل الظلمات والأنوار في حرارة تدعوك إلى التفكير والتعمّق. والكتاب حسن الإخراج جيّد الورق مقنع في توزيع أسطره، يشكّل عملا هو دون شكّ بداية طريق طويل سيكون فيه لمحمد قاراطاس مكانة ليس في الشعر العماني فقط، بل في الشعر في الخليج وفي العالم العربي.
يسمّي محمد قاراطاس كتابه “ما ورثه الضّوء”، وهو عنوان شعري يتوارى معناه ويخفى ويرقّ عن التّصريح، نفهم منه أنّ الضّوء ليس شيئا سماويا فقط، بل أرضيّ يمشي على قدمين ويسير بين النّاس ويحبّ ويتزوّج وينجب الأبناء.. ويرث ويورّث، ضوء لا كالأضواء، يتنزّل من زمنه، في العمق، ويختطّ له مسارا. وهناك بين النّاس يبدأ حركته. وفي العنوان إحالة على الشّاعر، فهو غالبا المقصود بكلمة الضّوء، وما الشّاعر إلاّ ذلك الضّوء العميق المطهّر الذّي يخترق أحجبة الظّلام وستارات الوهم فيكشف الغيوب ويدفع في عروق الشّجر رغبة الإيراق وفتنة الإثمار. والكتاب حسب ما يعد بع عنوانه لن يهتمّ بالضّوء فقط، بل بما يرثه الضّوء. أيّ صورة هذه؟ وأيّ قدرة على تصريف القول مجازيّا بأسلوب يصبح بمقتضاه الضّوء كائنا حيّا غنيّا بما ورثه وفخورا بما خلّفه له أجداده، وحقّ له أن يفخر، ففي في هذه البلاد تراث، ممتدّ في الزّمان وفي المكان، متنوّع، قديم، ومفتوح على الحداثة، وله أن يغرف منه، وأن يحلم بالإضافة إليه.
يمتلئ العالم بورثة الضّوء، وهم الشّعراء. أمّا محمّد قاراطاس فإنّه من سمّاهم بهذا الإسم، وفكّر أن يرثهم بعيدا عن ذلك اللّيل الذّي يطول وقطعان الظّلام التّي تفري أديم اللغة وقلب الكون. يأتي الشّعر حاملا ماضيه بفخر وماضيا باتّجاه أفقه الخاص، ذلك الأفق الذّي ينفتح فيه نصّه على ما يجايله وما يسبقه من تجارب حداثيّة مؤثّرة. وهنا وأنا أقرأ الكتاب ألحظ صدى الأصوات الشّعريّة الحديثة، هذا يعني أنّ الشّاعر متأثّر بشعراء الحداثة ومتمثّل لمنجزاتهم في الشّكل الشّعري وفي المواضيع وفي المعجم وطرائق التّصوير. ونحن سنهتمّ بقراءة الكتاب بهدف عرضه عرضا تفصيليّا مع تأمّل عوالمه ونقد ما يعرض خلال ذلك من أمور.
الكتاب يحتوي على الشّعر العمودي والحرّ والنّثري، ثلاثة أنماط متمايزة لكنّها عند محمد قاراطاس تصدر عن حساسية واحدة، الوزن فيها ظلّ ليليّ للمعنى النهاري. فتجد أنّ الوزن ليس هو مركز الشّعريّة في النصّ، على أهمّيته في عديد النّصوص ولكنّه رافد لغيابه أو حضوره تأثير على شعريّة التركيب والتّصوير. فقوله في قصيدته العمودية “عودة من الوهم”.
هناك أقرضني القرصان أشرعة
ودسّ بعض حديث الرّمل في قلقي
يتبدّد الإخبار الذّي يوهم بالحقيقة في الجملة الأوبى حين نعرف أنّ السّفر في بحار الوهم حيث لا توجد خرائط ولا كنوز، وإنّما أساطير من خيالات المارقين. والشّاعر هنا مقيم بين جسرين يأسه وأرقه.. وهنا ترقّ عبارته وتنحو نحو عمقها حيث تمّحي الحقيقة في صور بديعة لطيفة المبنى، ويصبح بموجب ذلك للرّمل حديث، ويصبح للمزمار قادرا على نهش الحنجرة. ليس للبحر الشعري هنا قيمة تجعل منه مقدّما على التّصوير مثلا، بل هو مقوّم بنائيّ يتنزّل ضمن مقوّمات أخرى. وفي قصيدته “عارض مستدبر”، تتأكّد ملاحظتنا السّابقة، إذ يميل النصّ إلى تحديث صوره رغم الاحتكام إلى القالب التقليدي (صدر، عجز) لكنّ الشّكل يشدّه قليلا ويحدّ من طاقته بمفردات مثل العسف الحنيف الجلمود.. ومع ذلك فإنّ النصّ يحافظ على ألقه بصور قليلة من نوع “استزرع الحرف”، و”أنامل شعري”، أو قوله:
وحلت وكلّ الأرض قلب موحّد
وعين من التسبيح لم تغمض الطّرف
لكنّ النصّ يظلّ ينشد الاختلاف ولا يحقّقه إلاّ في مواضع، إذ بدا النصّ محتكما إلى إرثه معجما وتراكيب مذكّرا في عديد المواضع بالمتنبّي وجاريا على عادة القدماء في قوله:
أدرت رحى للفتك
أو قوله:
أتيت وعرش الموت حولك دائر
أو قوله:
طلع المنايا
وهي صور منشدّة لثقافة قديمة لها في زمانها طلاوة القدم. وهذا النصّ على جودته الظاهرة في نوعه يخبرنا بأمر على غاية الأهمّية عند محمد قاراطاس وهو ثقافته الشّعريّة المنغرسة في تراثها. نحصّل ممّا سبق أنّ الشعر هو أحد الفنون الكبرى التّي تضيق بماضيها، ومثل شعرهم هم الشعراء ايضا، قلقون راغبون في مجاراة قدمائهم، لكنّها تجربة محكومة بالخسارات، إذ أنّ نصوصهم موجودة وناطقة بما قيل ويقال في زمانهم، أمّا نحن فلنا زماننا ولنا جمالياتنا. ومحمد قاراطاس يعي ذلك ويفهمه ويستبطنه وأحسّه إنّما نشر القصائد العمودية ليس لهدف شعريّ، بل لهدف توثيقيّ يؤكّد فيه صلته بالقديم. فالقديم تقف وراءه مؤسّسات تحميه، وهي مؤسّسات قاهرة قويّة أوّلها المعجم وثانيها التركيب وثالثها التصوير، وكلّها أنظمة رسّخها الزّمن وعتّقها القدم، فصارت تعمل في الخطاب عمل المقدّس. نحتاج إذن إلى الوعي بأنّ القدامة ليست حلاّ لكتابة حاضرنا وحياتنا، وليست أفقا، إنّها فقط “نفس تساقط تساقط أنفسا” على حدّ قول الشّاعر الجاهلي، أو “نور يساقط من فتوق سماء” كما يقول الشاعر العباسي. يعني محمد قاراطاس هذا الأمر، وهنا قوّته وعمقه الحقيقي، فالوعي بضرورة المغايرة مع الإرث بارزة في كتابته وفي ما يخطّه من نصوص. وعي حاد بضرورة الخروج، وليس عن القديم كلّه، بل على ما تناهى إليه النّسيان والبلى منه، وما ورثه محمد هو الضّوء الذّي يخرج من التّراث، تلك النّار الحارقة الملذّة التّي تصهر العصور. إنّ الخطاب إذ يمسك بما يستمرّ فاعلا فينا يكون قد وقع على ما به يكون النصّ أدبا، أمّا طرق الآخرين وكيفيات حضورهم في الكون فتعطّل شعريّة النصّ الحديث وتحدّ من جموحه.
لا ننسى هنا أنّ شاعرا مثل السيّاب إنّما كان رأس المجدّدين بواسطة وقوعه على ذلك السرّ وهو الكتابة بما يستمرّ فاعلا فينا من القديم، وليس بالقديم كلّه.
النّوع الشّعريّ الثاني هو القصيدة الحرّة حيث نجد صوتا شعريّا متدفّقا، نابضا بالشّعريّة، يسير على غير هدى سابق، في جملته حرارة وفي تراكيبه جهد ونحت وهو في كلّ ذلك واعد بمياه مرقوبة وبهطل موعود. والشّاعر يقيم في النّصوص، نكاد نراه فيها، هو، لا غيره، لا شاعرا آخر.. قديما. نلمح نزوعا نحو الذّات، ففي قوله:
وأسقط
أهوي إلى الأعلى
بعكس الجاذبية
رغم أنّي محبط
تعيدني لفظة “السقوط” إلى “إيكاروس” من قبل آلاف السنوات وهو ينتهي مكسورا على صخرة المعرفة بعد محاولته الطّيران، لكنّه سقوط على جناح الخالدين، يتوقّف الجسد عن جسديّته، فتسوقه الرّيح التّي تعلّق نصفها بالشّمس ونصفها بالغيم إلى بلاده. يتحوّل إلى رعشة تسري بضوء الحبّ، ونضرب هنا مثالا، النصّ “وطني متموسق الفصول” الذّي يستدعي في عباراته ما نعرفه عن الشعر الوطني لكنّه يتغاير معها في مساحة نصّية قصيرة وفي مفردات رومانسية شفيفة، والشّاعر يختار لنصّه قافية غريبة (الطّاء) يختارها مسبّقا ويبني عليها أفق انتظار. فترد لفظة “مهبط” لتفتح النصّ على معجم ديني فيه الوحي والنبوّة والحبّ والقلب والغرام والرّعشة، وفيه لفظة “ممغنط” وهو لفظ فيه الجذب والحركة، حيث يسقط علوّا، وفيه لفظة “يحبط” حيث نجد الذّات الشّاعرة وهي تخبر بوجعها، وفيه سرّة النص وجوهرته “مسقط”. ما أردت قوله إنّ للشّاعر قدرة على تصريف القول بمقادير، وقدرة على استثمار المعجم وتوظيفه وله أيضا قدرة على الاختزال الدّال. وإيقاعه في هذا النصّ وفي نصوص الشّعر الحرّ في الكتاب إيقاع وظيفي يخدم الفكرة ويهيّء لها الفضاء،
نقف في هذا القسم من الكتاب على حضور طاغ للأنا، يقول الشّاعر: “توكّأت، سكنتني، وجهي”، ويحضر الجسد حضورا مرئيّا عبر المفردات الدّالة عليه، ويتلبّس بغنائيّة عالية غالبا، لكنّ الجسد وهو يحضر، يتماهى مع محيطه. فحين يقول الشّاعر:
“عشائر حزني”
يصبح الجسد علامة أو قربانا وتتلبّس به جسديّات أخرى، فيمّحي في غيره، ويتوزّع ألمه وحزنه على النّاس وعلى العشائر، لهذا نجده مستعدّا “للتضحية بنصف عمره”، ونجده مستغيثا مناديا في قوله:
أيا سطوة اليأس،
يا مددا من أرق.
لكنّ النصّ ينغلق على يقين فاجع موجع وهو توقّف الزّمن في قوله:
فالمساء جبال.
جبال صلدة لا ينفع معها ضعف النّفس ورقّة الطّبع.
وينفتح الجسد على جسد الطّبيعة، “فيتشكّل في الأرض” و”تثرثر فيه قبائل النّمل”، “وتجد فيه الرّياح ملاذا”، “ويختاره الطّين قبرا لأوراقه”، بل أنّه يستعيد اللّحطة الأولى للخلق حين “يوغل في الطّين ويومئ نحو الجبال”. الأنا لم أنا رومانسيّة متوحّدة حزينة منكفئة بل ذات وشائج مع الطّبيعة تمّحي فيها وتربط من خلالها الصلة بالكون. الإيقاع متسارع مناسب لروح النصّ الذّي يميل إلى الاختزال والإيجازفي لغة لا تصرّح بل تلمّح وتوحي. ومن الأجساد الأخرى في النصّ الجسد العام أي الفضاء الاجتماعي مثل الشارع والحانات وفضاءات المدينة في نصّ “حكايتي والشّارع المبتور”، وهذا الفضاء يكاد يغيب من الكتاب لولا بعض المفردات العامة التّي تحيل عليه مثل البلاد أو مسقط، ولكنّنا نفتقد أمكنة الشّاعر الخاصة وفضاءاته الحميميّة، نقرأ في النص قوله:
جرح البلاد القديم
كلمة الجرح حين تنفتح على كلمة البلاد توجّه الدلالة نحو الذّات وليس نحو البلاد، ولفظ القديم يغرس دلالة الألم في قدم يشدّنا إلى محاولة فهمه. والنصّ يتعمّد عدم ذكر الفضاء المكاني الخاص، فيصبح الجسد معلّقا في فضاءات الرّغبة، يحوّطه الحكي والأساطير، ويصرّح الشّاعر بقوله:
ها أنا بعد سنين
وينكشف الجسد بوصفه عنوانا في غلاف كتاب التاريخ، تخونه الحكاية وينكره الدليل العام.. يبدو النصّ غامضا ولكن غير مستغلق، لا يصرّح، لكنّه يحتجّ ويتبرّأ وتنقلب ثورته على جسد اللغة، “حين تنكر الأسطر امتداده”، و”يكذّب الحبر حروفه ونقاطه”، حين لا نمتلك المكان، ولا نتملّك جسده الواقعيّ نصبح ضحاياه، فليس للإنسان إلاّ المكان يعصمه من الجنون والمنفى.
لكنّ الجسد وهذا سرّه. قادر على وضع أسطورته الخاصة، يقول الشّاعر في نصّ “أوردة التراب”،
أعود وكلّ أوردتي تراب
والمعنى ليس ما يبدو في ظاهر اللفظ، فليس القصد أنّ النّفس ضاق من التراب الذّي تثيره الأقدام في الرّحلة، بل القصد تشبيه بليغ تنعقد فيه صلة تلازم بين الأنا والأرض تصبح فيه دما له ويصبح تربة لها، عدا هذه الجملة يهتمّ النصّ بالدّمع وإطراق الجفن والرّاحتين والشكّ وهي من المعاني المستهلكة التّي أضعفت منسوب التدفّق الدّلالي في النص.
والحقّ أنّ لمحمد قاراطاس خطفات في نصوصه الغزلية ترتقي بالنصّ إلى مشارف الإبداع تأتي غالبا في شكل مركّبات إضافية كقوله “أذرعة الغياب”، إذ يتبدّى الغياب امرأة أذرعها توقف لذّة العناق، أو “جلد أسئلتي” حيث يتنزّل السؤال بشرا ويمشي بين النّاس، أو “شهب الرّجاء، أو “وفد الغمام”. أو يأتي في قالب مركّبات نعتية في مثل قوله: “ضلع من الصدّ”، أو تشابيه مثل قوله: “ذرات كأعمدة الغبار”.. أو ربّما توسّع في بعض القصائد فاعتمد الاستعارة في الخطاب ليعقد الصلة بين الذات والموجودات، إذ يضفي الشّاعر على الوجود حياة ويبعث في الجوامد روحا. وهو يتوسّل في كلّ ذلك بمعجم تغلب عليه الطّبيعة التّي تحيط به، وهي غالبا طبيعة تشبه النّاس هنا في حرارتهم وطيبتهم وشموخهم، لكنّ الشّاعر يحاول في بعض النّصوص أن يفتح نصّه على أسطورة ما، أو حدث تاريخي ويفتح نصّه لهواء الرّمز وسماء التاريخ، وأحسب أنّ نصوصه التّي انفتح فيها على نصوص أخرى فوظّفها في شعره هي الأفضل شعريّا والأكثر تمثيلا لتجربته، فتوظيفه للمفردة القرآنيّة ذريف لافت في قوله:
تقولين أنّ المنام يدسّ برؤياك سبعا عجافا
وخبزا
تقولين أنّ السّماء ترى في المنام ذبيحا
فمن يفتديك
النصّ القرآني هنا، ولو عبر المفردات، يشكّل مرجعية للنصّ ومحاورا يذكّرنا ونحن نقرأ بقصص القرأن ويعيد تشكيلها لتصبح وظيفيّة في نصّه الجديد، كذلك يستثمر في قصيدته “سماء ثانية لذاكرة حرّة” المعجم نفسه فنرى السنبلات الخضر، وستّ عجاف.. ولفظة القمصان التّي تحيل على قميص يوسف، وجملة هزّي إليك.. يحتضن النصّ ماضيه، تلك فضّة الكتاب السائلة، وذلك ذهبه العميق. ينغرس عميقا في تربته الثقافية سواء عبر الوزن أو التفعيلة أو عبر المعجم لكنه يحاول أن ينفتح ويجدّد في الأشكال وفي نظام التفقية وفي التصوير إذ يتجاوز أحيانا الإضافة والنعت أو التشبيه والاستعارة البسيطة إلى نظام أوسع وأشدّ تعقّدا حين يستثمر أسطورة “عشتار” في قصيدته “جدائل متحرّرة”. ففيها يتشكّل النصّ بصورة تخييلية رائعة، ففي أكفّ النّاس تنبت الأشجار منذ البداية، والصرخات تنبت الرماح، والتسابيح تحلّق في الحناجر.. ويصبح الوجع مدى. وفي مثل هذه النصوص يتظافر الإيقاع المستند على التفعيلة مع بنية تخيّل الواقعي وترمي في دمه سمّ الرّغبة وتقيم فيه علاقات قائمة على غير ما هو معتاد في لغة اليومي. وهنا تنحلّ العلاقات العادية أو يعاد تأسيسها وفق نسق بموجبه يعاد تعريف الموجودات. فتصبح العلاقات رخوة، وتتأسّس علاقات أخرى قائمة على فعل الخلق والتأسيس والتسمية، لا على فعل التكرار والإحياء.. وأحسب أنّ الشّعر الحقّ إنّما يقع في هذه اللحظة الشعرية الفارقة.
بعد العمودي والحرّ نجد أنّ الشّاعر يكتب الشّعر النّثري، بل يجعله فواصل بين النوعين ويفرد له في آخر الكتاب قسما مميّزا. والحقّ أنّ وجود النثر بجوار الموزون والحر عموما صعب التقبّل إن لم تحكمه رؤية محكمة كما نجد في بعض التجارب العربية. لكنّ محمد قاراطاس يمضي في خياره بالمزج بين أنساق جمالية أسلوبية مختلفة، لكنّنا نتساءل: هل هي فعلا مختلفة؟ عبر القراءة المتأنية لقائمة على المعاشرة التّي أدعو الجميع إلى ممارستها مع هذا الكتاب القيّم، نتفطّن إلى أنّ النّصوص كلّها تصدر عن فهم واحد لماهية الشّعر، الذّي هو ما يعتمل في أعماق الكائن تجاه ذاته واللآخرين، أمّا الباقي فمجرّد وسائل عمل لا غير. قد نتّفق مع هذا الرّأي أو نختلف معه، لكنّك وأنت تقرأ ستشعر أنّ محمد قاراطاس تحكمه نفس الحساسيّة الشّعورية ونفس الرّوح التأملية مع ميل للاقتصاد في المساحة. تصبح القصائد قصيرة، مشذّبة، دون زوائد لغوية ولا بلاغية، حادة أحيانا وناعمة وشديدة الوقع على النّفس، يسلك في الشاعر مسلك المنتصر للفكرة على حساب الشكل. ففي قوله:
أنتما من يستطيعان قلب البحر كسجّادة، وتحجيم
الدنيا في فنجان القهوة. يا صاحبي السجن
نجد جملا قائمة على الإيجاز والتكثيف وتعمّد جعل المعنى غير واضح. فمن هما الصديقان؟ وماذا تضيف قرينة السجن؟ وأيّ فائدة في قلب البحر كسجّادة لشخصيات محرومة من ضوء الشمس؟ وما ضرورة تحجيم الدنيا في كوب قهوة نعرف أنّه غير متاح في الفضاء المذكور؟ اضطراب في الدّلالة يفتح النصّ على قراءة تحاول الربط بين عناصره لتذوّقه وفهمه. وهو على كلّ حال نصّ يشي بروح متأزمة منعزلة لا ترى الجميل إلاّ عبر لياليه السود التي تخطر في جثته المرمية في القيعان. وفي نصّه القصير “الطلقة”، حيث تقوم الطرافة فيه على وصف مشهد معتاد يقوم على المزج بين عناصر مختلفة تحوّطها الذكرى من كلّ جانب. تقرأ وتقرأ، وتبقى في حيرة متسائلا: ما جدوى إطلاق الرصاص تجاه البحر، ياترى؟ تنهض كلمة التّضاريس في النصّ وكلمة الرابية حاجزا أمام حدث القتل المجازي. العلاقات شديدة الإرباك والتوتّر، وهنا أيضا ينجح النصّ في الاحتفاظ بالاهتمام والرغبة في تدبّره عبر القراءة وإعادة القراءة. في نصّ قصيرأخر اسمه “روح المنفى”، يقول الشاعر:
يا غارقا في تسابيح ملاّح وأنت في الصحراء
ستذكرك النوارس يوما في أساطيرها كغيمة برية
يدهشك النصّ على قصره، ولكن لم؟ أين مدار شعريته؟ الحبكة مفقودة وحيزها قصير غير ممتدّ، أو هكذا يبدو لك لأوّل وهلة. لكنّك لا شكّ ستفكّر في غرق المخاطب الصحراوي في تسابيح الملاح، ستفكّر وربما أغمضت عينيك لتتصوّر المشهد. ولن تجد شيئا، وربّما لأجل ذلك ستأتي إليك النّوارس، وتذكرك يوما، أين؟ وكيف؟ في أساطيرها؟ وبواسطة غيومها البرّية؟ أيّ منطق يحكم هذه المفردات لتصبح نصّا مسكونا بغموض شفاف موح؟ هل يكشف العنوان “روح المنفى” شيئا؟ لا، بل يغرق النصّ في دائرة التعتيم، وهنا تتغيّر القراءة إلى تأمّل والقصيدة إلى ما يشبه اللوحة التجريدية واللقطة الحلمية العابرة. احيانا تكون القصيدة مقطعا واحيانا جملة كقوله:
لماذا تخاطر الريح بالمشي على حواف الجبال؟
في العمق من هذه الجملة تصوّر يرى أنّ الرّيح ليست ريحا فقط، بل أناس باقدام صغيرة أو قبائل بعباءات اللّيل البيضاء.. حينما يتذكّر ذلك تصبح للجملة دلالة عميقة على حساسية الشّاعر التّي آنست الطّبيعة وضخّت فيها الرّوح. وفي نصّ “وقفة” يقول:
الانتظار هو ابن شرعي.. للموت
قول بليغ قصير، هو بطريقة ما إعادة إنتاج للمشترك، لكن بتصريف ذاتي يغلب عليه التأمّل لفكرة معهودة بسيطة مفادها أنّ الانتظار ليس غير موت معنوي ببساطة لأنّه يغيب فيه الفعل. في هذه النّصوص القصيرة شعرية واضحة، تختلف دون شكّ عن شعرية النصّ الحرّ مثلا، تقوم على أساس عمل لغوي وبلاغي مدروس ووظيفي، وعلى المفارقة والإرباك المؤديين للغموض وعلى محاولة التأمل وتغيير الوجود وتغيير الوجود بطريقة روحية، لا عقليّة. أتساءل: ألا يتّسع جسد القصيدة الحرّة إلى هذا اللّعب الجميل أيضا؟ أتساءل: لماذا لا يختار الشاعر نصّا ينتصر له ويحاول أن يمضي في تجريبه ومساءلته؟ من يكتب من؟ هل القصيدة هي من تكتب شاعرها؟ أم أنّ الشاعر هو الذّي يكتب قصيدته؟
إنّ كتاب “ما ورثه الضّوء” كان بداية طريق، وهو دون شكّ خطفة الاندفاعة الباهرة التّي يسوق بها محمد قاراطاس خيول الكلمات البيض إلى ليل العالم، وحين تكون الخيول مدرّبة جيّدا، فإنّها تنسلّ كعرائس الجنّ، وتحدث فوضاها في قلب اللغة وقلب الوجود. ومحمد قاراطاس شاعر متمكّن من اللغة، على قدر كبير من الثّقافة قديمها وحديثها، متلعّب ماهر بالكلمات، وقادر على النهوض بعبء التّغاير مع نفسه أوّلا، ومع القصيدة العمانية ثانيا، والانغراس في تربة الشّعر العربي الجديد.

نصر سامي كاتب تونسي

إلى الأعلى