الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / طاهرة فداء تقدم “السنين الخواليا” بذاكرة لمكان يخاطب الواقع برائحة اللون

طاهرة فداء تقدم “السنين الخواليا” بذاكرة لمكان يخاطب الواقع برائحة اللون

رؤية ـــ خميس السلطي:
المتتبع لأعمال الفنانة التشكيلية العمانية طاهرة فدا، والتي عرضت مؤخرا في صالة بيت مزنة بمسقط تحت عنوان “السنين الخواليا”، يشاهد حضور أبجديات الذاكرة التي لا تزال تحتفظ بجمال الماضي، وروعة السنين، هذه اللوحات جاءت تشاطر العقل والقلب في آن واحد، حيث الذكريات الجميلة التي لم تندثر بعد، والتي لا تزال تواصل بأسفارها حيث الروح ورائحة المكان، والنظرات التي تحمل عبق اللحظات المعتقة برائحة مطرح وأسوارها العتيقة، ولهذا تقول الفنانة طاهرة وهي تستحضر في معرضها الشخصي الفني ذكريات الطفولة في مدينة مطرح وبالذات مع الأهل والاصدقاء، تقول ” إنني لا أجد بيوت الباطنة مختلفة عن بيوت مطرح فكل البيوت القديمة متشابهة من حيث التصميم والتنفيذ، وتضيف: رائحة الطين جميلة وكأنها رائحة عود معتق تحوم حول المكان”. في هذا الكيان الأدبي الفني تستخدم طاهرة مواد مختلفة لإنتاج اعمالها الفنية كما هو أسلوبها في العادة، وفي هذا المعرض استخدمت المعاجين والكرتون وشرائح النحاس المحروق والقماش ومسحوق احجار عمانية ولاول مرة تبتكر مادة فنية جديدة وهي معجون بودرة الكاكاو والتي تصنعها في الاستديو الخاص بها، هذا المعجون قامت بمعالجته كيميائيا ليتناسب مع الاستخدام الفني بعدما قامت بتجربته في الأول للتأكد من صلاحيته للاستخدام في العمل الفني، ولهذا أنتجت ٣٣ عملا فنيا خصيصا للمعرض.
فقط عندما تقف بتمعن وتسافر حيث سكون الألوان في لوحات معرض “السنين الخواليا”، تلاحظ أن هناك هدوءا غير طبيعي يسكن روحها، فالألوان دائما ما تأتي دافئة عطرة بأفكارها، مرتبة في حركاتها وسكناتها، فطابع التروي بات واضحا، وحاضرا بقوة في بعض اللوحات.

اللحظات الجميلة
لو تحدثنا على سبيل المثال عن اللوحة الفنية “اللحظات الجميلة”، هذه اللوحة تمثل احد الأبواب القديمة لمدينة مطرح الآثرية. وهنا تقول الفنانة طاهرة فداء، : الدخول عبر هذه البوابات تمثل الدخول الى عالم خاص بالشخص نفسه ومدى تعلقه بالطرف الآخر، فهو يريد التعرف على الطرف والتعامل معه عن قرب وربما التعلق به مع قضاء وقت جميل ومع مرور الزمن تتحول هذه اللحظات الرائعة الى ذكريات محفورة بشكل فني في الذاكرة، وهنا تتجسد لدينا خاصية التعلق بالأشياء عندما نكون صغارا، أطفالا نلعب هنا وهنا، نشاغب واقعنا بضحكات العيون، نسابق الريح وخطواتنا الواثقة أحيانا، والمرتبكة في أحيان أخرى، فلهذه الأبواب حكايات الشمس الضاحكة، وقصص القمر الباسم الذي يغازل مطرح بإنعكاسه على بحرها الممتد حيث اليابسة الدافئة، فالأبواب هناك بصورها الشامخة وهي تطل على الممر الرئيس لشاطيء مطرح لم تصطف عبثا، وإنما ثمة عناية واقعية كانت ترتب شموخها وبهاء طلتها التي دائما ما تضع المتأمل فيها في قراءة لكل خلفياتها المبهرة والمدهشة.

” أبواب لها أسرار”
وفي لوحة أخرى عنونت بـ “أبواب لها أسرار” ، وهنا التسمية جاءت من المثل السائد عندنا في عُمان “بيوت لها أسرار” ، والذي يحمل خصوصية مجتمعية عميقة، الفنانة طاهرة فداء تقول: الباب عادة هو ما يجعل هذا السر محفوظ بين أصحاب البيت فلو فتح بابه، لعرف كل من هو بالخارج ما يحدث داخل البيت. الابواب تحمل اسرار كثيرة، هذا ما يجعلها مثقلة وعتيقة مع مرور الزمن، فأسرار العيش تهلك الابواب اكثر من عوامل التعرية، وهي تشاركنا الافراح والأحزان سويا. في قديم الزمان كانت الابواب متشابهة من حيث التصميم وبسيطة غير معقدة من حيث التفاصيل هل لسبب انها كانت تحمل اسرار ناس بسطاء. ومن هذا العمل نقرأ أن أيضا لتلك الأبواب العتيقة حضور ثري في مخيلة الفنانة، وهو ما انعكس فعلا على اللوحات الفنية، وتجسد بظهوره الإيجابي، فالواقع يقول أن التكوين الإجتماعي في أي مكان محافظ تعتريه الكثير من الأسس في التعايش، ومن بينها الحفاظ على أسرار البيوت، وأن تداولها يعتبر خرقا واضحا لكيان البيت والأسرة وأيضا المجتمع، فلو افترضنا أن ثمة من يخرج بهذه الأسرار خارج عتبة الباب، أصبح في أمر مناقض لثوابت البيت المتماسك، وهذا أمر تتبعناه وعرفناه منذ الأزل في مجتمعنا العماني النقي، أن لكل بيت منظومة لابد أن تتبع وليس من حق أحد التعدي عليها وهي بلا شك لا تقيد الفكر وإنما تؤسس لحياة جميلة منظمة، وفي هذه اللوحة أرادت الفنانة طاهرة أن تخبرنا بأن المجتمع العماني الأصيل يتمتع بهذه الميزة الرائعة التي دائما ما تحافظ على أركان البيت وتحفظ خصوصياته.

” احلام تطير”
اللوحة الفنية “أحلام تطير” توجد للفنانة طاهرة حضورا مختلفا وقد تكون الأقرب إليها من بين اللوحات التي احتضنتها صالة بيت مزنة، على الرغم من ان كل الأعمال هي جزء لا يتجزأ من فكر الفنانة، تمثل حكاياتها وتفاصيل حياتها العتيقة، إلا انها تقول: هذه اللوحة تمثل أحلامنا او أحلامي وانا صغيرة جدا، عندما كانت أسطح المنازل هي غرف النوم والنجوم في اليالي المقمرة هي تسالي الليل المظلم، وكم كان النوم مريحا على فراش بردته رطوبة الجو وكانت الاحلام باردة خفيفة كخفة الفراش وهي تطير حول النجوم لتمحنا الامل ليوم جديد ومشرق وبسيط ومليء بالعمل الجاد.
يخيل للقارئ وهو يتأمل هذه اللوحة، ويعود بالسنين إلى الوراء، ما بين 30 أو 35 عاما، ربما أقل، وربما أكثر في بعض الأحيان، أن يتصور كيف كانت الحياة، كنا نعيش البساطة، وحقيقتها تتلبسنا بروعة المكان، وحلاوة الزمان، فالجيل قبل الحالي من أبناء عمان عاشوا هذا الواقع بكل حذافيره وصوره وأنماطه التي تنقل للأجيال كيف كانت الحياة رائعة مبهرة بحق، وقتها لا يوجد للضجيج مكان، والقلوب مفتوحة قبل البيوت، الكل في تآخي وحب ووئام، غطاؤنا السماء ولحافنا الأرض النقية التي نقبل تربتها بقلوبنا قبل أن تطأها اقدامنا، نعم في تلك اللحظات التي تسردها الفنانة طاهرة فدا، هناك ملايين الأحلام التي تتطاير نحو النجوم لتعانق الليل والسمر، فالفتيان لهم آمالهم وطموحاتهم، وللفتيات حكايات لا تنتهي حيث الحب والجمال ونقاء الروح، وبياض القلب.
“حياة جديدة ”
في هذه اللوحة الجميلة تقف بنا الفنانة طاهرة فدا، لتخبرنا عن حقيقة تخصها وعائلتها، وهذه الحقيقة بلا شك رائعة في واقعها عندما تقول: الإعتقاد السائد لدى البعض وبالذات في عائلتي ان السمك هو رمز للرزق والحياة الرغيدة، مشاهدة الصيادين وهم يعملون بجد في صيد الأسماك من خلف نوافذ البيوت في الكورنيش في مطرح كان يشعرني بان هنالك حياة جديدة لكل صياد بوجود رزق وفير، كانت القوارب مليئة بالأسماك والكل يعمل بجد ونشاط ومنذ بزوغ الفجر الى غروب الشمس، وفي نهاية اليوم يقومون بعد قوت اليوم ومن ثم غدا يوم جديد. فالرزق هنا غير ثابت.
إذن في حقيقة الأمر، لا تزال الفنانة طاهرة فدا، تأخذنا بين حين وآخر، لتنقل لنا جل التفاصيل المحيطة بها في يوم ما، فمرة حيث الأحلام، ومرات حيث روح المكان والحياة اليومية. وعندما تأخذنا بلوحتها الفنية “حياة جديدة”، هي بلا شك تود أن تقول لنا ان للبحر فضلا كبيرا، خاصة وإن في فترات ماضية والحالية أيضا كان الملاذ الأول والأخير لاولئك الذين يرتادونه بشكل يومي بداعي طلب الحياة فيه، حيث الرزق والصيد، وهنا وفي هذه اللوحة خصوصا تضع الفنانة نموذجا يبسط لنا روح التواصل بين الإنسان والبحر، حيث الذكريات الفريدة التي لا تزال عالقة في ذاكرة الإنسان.

“في أعماق قلبي”
“في أعماق قلبي”، لوحة لا تزال تسكن الفنانة طاهرة فدا بكل تجلياتها فتقول عنها: الجانب الروحي في مدينة مطرح وبالتحديد في “سور اللواتيا” واضح وبارز وخصوصا بوجود مسجد على الكورنيش. هذا الجانب اجد انه لعب دورا كبيرا ليس فقط على التزام الفرد بشرائع الدين الاسلامي الحنيف ولكن على مستوى تعامل الفرد مع الاخر وفي دوره في المناسبات الاجتماعية، فالعلاقات تتسم بالمحبة والاخوة والصفاء الروحي والتعاون الاجتماعي. إذن هنا في هذه اللوحة بالتحديد يأتي المكان بصيروة العلاقة بين الإنسان وربه، فالمآذن مشرعة تعانق السماء، بروح الطهر والنقاء، والإنسان الذي يمر بذلك المكان تحفه السكينة من كل حدب وصوب، وها هو الواقع تسرده الفنانة طاهرة بكل صوره ووقائعه. السيرة الذاتية للفنانة طاهرة فدا، تأتي مؤهلة لها لأن تظهر بهكذا معرض متناغم في حيثياته، فلها العديد من حلقات العمل التي أوجدت تجربتها الفنية الغنية بخصائص التشكيل على سبيل القول حلقة عمل القوالب والمجسمات بجامعة سانت مارتنز للتصميم والفنون بلندن، وأخرى في فنون التصوير الرقمي في الجامعة ذاتها وأيضا حلقة عمل في الطباعة على الشاشة الحريرية والسيراميك بجامعة فيينا للفنون التطبيقية بالنمسا، وحلقة عمل في استخدام المواد المختلفة في العمل الفني بالأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة -الالبا- بلبنان، كما قامت بتدريس الأطفال الرسم في مرسم الشباب التابع لوزارة التراث والثقافة وتصميم مواد دراسية وتدريس فنون الرسم والفنون اليدوية، وهي حاصلة على العديد من الجوائز مثل المركز الأول في معرض الأعمال الصغيرة واشتركت مع فنانين من بريطانيا ببرنامج مجموعه تراي انغل العالمية بالتنسيق مع المعهد البريطاني، بالإضافة إلى مشاركتها في المعرض العماني الفني الطائر بلندن . وتوجد لها مجموعة من الأعمال الفنية في فندق شانغريلا بر الجصة، كل هذا النتاج الفكري التشكيلي تأخذنا به الفنانة طاهرة فدا لتخرج بنموذج متفرد تحت مسمى “السنين الخواليا”.

“باب الحظ”
في هذه اللوحة الفريدة “باب الحظ” تخبرنا الفنانة طاهرة قائلة: ارجع بذكرياتي الى ما كان يقال لي ان “الحظ له أبواب” فعندما يغلق باب يفتح باب اخر يمنحك املا جديدا وعدم الشعور بالاحباط. فالله يغير الأحوال من حال الى حال، لكن بعض الاحيان تكون عيوننا معلقة بباب واحد ولا نجد مفرا منه لهذا احث نفسي على البحث عن ابواب اخرى مفتوحة قد يتراءى لي انها مظلمة لكن قد يكون خلفها حظ وفير. كل هذا ويبقى للحديث تواصل غير منقطع، والكلام غير الكلام، حيث اللون والريشة وامتزاج الفكرة بواقع لا يمكننا التنصل منه، حيث الذكريات الرائعة التي تعطرنا بحنينها.

إلى الأعلى