الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / “المشكلة الأخلاقية والفلاسفة” .. رصد حول النزاع الفلسفي التاريخي

“المشكلة الأخلاقية والفلاسفة” .. رصد حول النزاع الفلسفي التاريخي

عرض ـ حسام محمود:
كتاب “المشكلة الأخلاقية والفلاسفة” للكاتب أندريه كريسون الذي يأتي بطبعة منقحة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يسلط الضوء حول مذاهب الأدب لتفسير الأخلاق وفلسفة كبار الفلاسفة كأفلاطون ، أرسطو ، سقراط، ويهدف إلى إبراز تفاصيل حول مفهوم الفلسفة والأخلاق والمبادئ بشأن أصحاب الثقافات، كما يستعرض ملامح الأخلاق في الفلسفة الحديثة .
رسالة القيم
قيمة الحياة قد ترتبط بمعاني التضحية والبذل والسخاء ، والمثل الأعلي هو زهرة الحياة البشرية، ومشكلة الأخلاق هي أولا بالذات مشكلة شخصية تتصف بالطابع التاريخي الدرامي الذي تتصف به أية خبرة أخري يعيشها البشر. والفعل الأخلاقي فعل متميز متفرد يأتي علي غير مثال فهو بمثابة وقفة لا تقبل الإعادة. وهناك طريقتان مختلفتان لمعالجة تصدع الأخلاق الدينية المأثورة، تكشف الأولى الأخلاق على أساس مقنع وعلمي ، والآخرى تعتبرها موضوعا عتيقا لا يصلح للوقت الراهن. فلا يوجد خلق بدون إرادة طيبة، والقوى الطيبة تعتمد على مجهود صادق في كل الأمور لتوضيح الأجدر لفعله ثم إرادة منضبطة لكي ينفذ بالفعل ما هو الأفضل نحو عمل أخلاقي تجاه الفرد والمجتمع. وقد تبارى الفلاسفة فى البحث عن تعريف للفضيلة لكنها بلا شك تعني القرب من المبادىء وتحقيق العدالة فى التعامل من منطق اخلاقي، مما يكسب صاحب الفضيلة روح الثقة، وفي نفس الوقت يربح اعجاب الناس والمجتمع برسالته النبيلة. ولقد وضعت الطبيعة قوانين عليا ذلك أن القوة هي صاحبة كل شيء، والمسيطرة على كل شىء، إن كل طفل يولد كان يستطيع أن يكون من الصفوة ، ولكن طائفة القطيع تهيمن عليه منذ نعومة أظفاره، إنها تعاليم خادعة وضعية ، لكن شيئا يبقى فى الحياة ذو جمال وهو الطيبة فى الخلق والمبادىء والأخلاق ، كما أن الضعيف يستخذى من القوة ويطيعها، وكذلك فالانسان لا يلام لانه يساير الطبيعة ، رغم كونه أصبح يحاول محاكاتها ثم التحكم فيها واستغلالها فلا مناص أمام البشر سوى التحدث بلغة القوة أمام الطبيعة لترويضها، والوصول إلى حلول لمعضلات كيفية تحويل الوسيلة فى العيش إلى غاية فى البقاء ، أما منطق القيم والاخلاقيات فهى للتعايش بين الناس لكنها لم تولد صدفة فقد دعت إليها جميع الأديان السماوية، وترجمتها لغات الفلاسفة إلى أطروحات شهيرة من روائع الكتب والمقالات فى خضم معترك الادب والفكر، فتوارث هذا الفكر القديم وقام بتحديثه كبار الفلاسفة. ولعل القرن التاسع عشر كان من خصوصيات تولدت فيها أفكار المذاهب المنشقة ، وفلاسفة هذه التعاليم يرون العبث محاولة تعديل السلوك الإنساني فكل جماعة في كل دور تاريخي لها مقرراتها الأخلاقية التي ما كان يمكن أن تتخلف عن الظهور في الدور الخاص بها من التاريخ ، كما أن كل فرد في كل لحظة من حياته له أخلاقه التي ما كان يمكن أن يتخطى ظهورها تلك اللحظة.
رؤى فلسفية
تعتبر محاولة تغيير أخلاقيات النفس البشرية وطباعها برؤى الفلسفة دربا من دروب الجنون والخيال، لأن خلق النفس البشرية لا يمكن التبديل فى تكوينه، ولكن المطلوب ترويض هذه النفس لتكتسب خبرات فى التعامل مع الأحداث بصفات طيبة، فمثلا الخير والشر أمران متناقضان لكنهما موجودين داخل كل نفس بشرية بنسب متفاوتة، وهما الفرق بين المجرم والشريف، وهناك مذاهب أخلاقية قديمة يجب الرجوع إليها عند مناقشة الفلسفة الحديثة التى ينبغى تغليبها ، حيث يرجع الفضل فيما كونه العالم الغربي من فلسفة أخلاقية إلى الرؤية اليونانية واللاتينية القديمة، ويكاد يتفق مؤرخي الفلسفة على أن سقراط كان مؤسس الفلسفة الأخلاقية في العالم الغربي ، ففي العصر الذي ظهر فيه سقراط كان في اليونان نوعان من الفلاسفة : الميتافيزيقيون والسوفسطائيون . ورأى سقراط أن الإنسان لا يمكنه أن يعيش كما ينبغي إلا إذا حقق عمليا قاعدة (أعرف نفسك بنفسك) ، فمعرفة النفس هي الشرط الضروري ليستمد الإنسان من الحياة ما يمكنها أن تعطيه بل يجب أن تعطيه . أما عن مذهب أفلاطون فيركز على الجانب الأخلاقي، وذلك أن قدرا كبيرا من النصوص الأفلاطونية تتصل بالأخلاق. غير أن أفلاطون ألفها في أزمنة مختلفة ويظهر من ثنايا المحاورات أن رأيه خضع لتغيرات لا تخلو من الأهمية ، ثم إن محاورات أفلاطون تعليمية عامة كتبت لجمهور يجذبه كل ما هو براق لامع ، لذلك لم يأخذ أفلاطون نفسه دائما بوضع الانسجام بينها. كما أكد أفلاطون في كتابه مينون أن العلم ينتقل من عقل إلى عقل عن طريق البراهين والأدلة. لقدر ركز أرسطو فى معالجته لقضية العدالة فى الرغبة فى تحقيقها عن طريق ارساء اخلاقيات حب العدل فى النفوس وكراهية الظلم من خلال من يقوم بالتحكيم بين الناس وبين ضميره. ومضى الفيلسوف تولستوى على نفس المنوال، ولكن بوضع العدل أحد اوجه الحب والعشق بين الناس، فعنده من لا يعرف الحب لا يعرف معنى التضحية من أجل الآخرين. إن البلاغة الحقة تسخر من علم البلاغة ، والأخلاق الصحيحة تسخر من علم الأخلاق كما قال المفكر الغربى بسكال .
قضية الأخلاق
تختلف معايير الأخلاق باختلاف البشر، فالبعض لا يعبأ حتى لو قتل شخصا كل يوم، ولو ارتكب جرائم بعدد نجوم السماء، بينما آخرون يعاتبون أنفسهم على أى خطأ ارتكبوه صدفة أو دون قصد أو كذبا للمجاملة. فيرى فلاسفة الغرب أنه عندما يسبب شخص أو عمل سرورا، فإن الجميع يشعر نحوه برغبة للقيام بما يفعله وتقليده. وحينما يشعر المجتمع نحو شخص أو عمل سببا للآلام، فإن الجميع ينفرون ويتحاشون هذه الأفعال وهؤلاء الأشخاص . وهناك ميول نحو الذات والآلام ليست جميعا من مصدر واحد ، إن بعضها مرتبط بإرضاء ما يسمى الميول الأنانية أو بمعارضتها. كل فرد يسعى إلى الاحتفاظ بحياته ، بل هو يعمل فوق ذلك على أن يمكن لنفسه في سلم الحياة مكانة خاصة ، ومن هنا ينشأ عالم من النزعات ، ذلك العالم الذي لو انفرد بنفسه لحمل الأنانية شعارا. فيجب على البشر عدم الخضوع للغرائز والنزعات كى لا تسيطر على الكيان الانسانى فيصبح أسيرا لها ، والطموح الأعمى يصل بصاحبه للجشع وفقدان الفرص وضياع الأهداف السهلة فى الحياة بمغامرات لم ولن يكتب له النجاح فيها ، فضبط النفس واحترامها يكون من خلال احترام الآخرين ، ووضعهم فى مكانتهم الصحيحة، والتضحية ليست الجانب الضعيف فى الحياة بل هى أسمى معانى النبل والخير، فمن يضحي هو الأقوى لانه يصل لدرجة إيثار غيره على نفسه ، ولو تكلف الأمر ان يدفع ثمن قيمه ماله وحياته ذاتها ، لتكون لصالح آخرين ، وبذلك يرقى فوق مستوى النظرة الضيقة للبشر ليصير يعطى رسالة نبيلة فى الحياة ، أما أساس المشكلة الأخلاقية فهو صراع الأنانية والإيثارية لكن منبع الضمير يتصدى لهما ليروضهما ، فإن قلب الإنسان المتزن يستشعر الأخطاء ليعالجها بالقيم ، والنتيجة لكل هذا هي أن يتجاذب الإنسان مختلف الرغبات التي تنشأ عن دافع داخلي واحد ، وإن تكلفة تلك الرغبات لا تكاد تنسجم فيما بينها . وجميع الفلاسفة الذين عنوا بالمسألة الأخلاقية قد أدركوا الحقيقية وهى إن الأساس الأول للحياة الأخلاقية إنما هو الإرادة الخيرة التي ابرزها الفيلسوف العالمى كانت. ومن المهم معرفة فلسفة الأخلاق لأصحاب الديانات السماوية الثلاث ، فمثلا رجال الفلسفة اليهودية والمسيحية ذوو صبغة يرتكزون على عنصر غير الذي عرف بين المذاهب الأخلاقية اليونانية والرومانية، وهذا الاختلاف يعنى ضرورة معرفة مدى المشكلات التى تؤدى إلى التباين فى وجهات النظر الفلسفية. ولما نال الفلاسفة من سأم في مذاهب العصور الوسطى ، وما هو اليوم عليه الحال من الرغبة إلى العودة إلى وجهة المذاهب القديمة ، فالحصول على نتائج منطقية لما يجب أن تكون عليه الحكمة والفضيلة واجب مفروض على كل فرد ذي ضمير يقظ . وخير مثال لهذا يتجلى في فلسفة ديكارت ، حيث يعتبر الأخلاق أطيب ثمرة لدوحة الفلسفة التي تكون الميتافيزيقا جذورها ، وتكون الفيزيقا جذعها ، وأيضا يعتقد أن تلك الثمرة لا ينالها إلا الأخيار وأصحاب المثل.

إلى الأعلى