الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (161) : الدّعوة إلى استعمال الـمُسْتَعمَل (1/3)

نافذة لغوية (161) : الدّعوة إلى استعمال الـمُسْتَعمَل (1/3)

الدعوة إلى العامية قضية زائفة المحتوى، لم تكن في حاجة إلى الضجيج الذي ملأ أسماع الوطن العربي طوال قرن ونيِّف، وما زال شبحه يجثم على صدور اللغويين العرب ومحبّي الفصيحة والناطقين بها. ومصدر الزَّيْف في هذه الدعوة كامن في محتواها. إذ إنها تدعو إلى استعمال العامية انطلاقاً من أنها لغة مستقلة عن الفصيحة، في حين أنها مستوى تعبيريّ من مستويات الفصيحة وظاهرة طبيعيّة فيها.
فهذه العاميات لم تكن أيام السيادة العربية بعيدة عن اللغة الأدبية الفصيحة، لغة القرآن، لكنّها شرعت تبتعد عنها ابتعاداً نسبياً حين استقرت الفتوحات ودالت دولة العرب وتسلَّم الأجانب مقاليد الحكم في الوطن العربي. فقد فرض هؤلاء الأجانب لغاتهم وقصروا الفصيحة على الاستعمالات الدينية. وما كانت لغاتهم قادرة على التأثير في الفصيحة؛ لأن القرآن حافظها وحاميها، ولهذا السبب اقتصر التفاعل على العاميات، فدخلتها ألفاظ أعجميّة تركيّة وفارسيّة وانجليزيّة وفرنسيّة وإيطاليّة، ولحقت بها انحرافات صوتيّة. وعلى الرغم من ذلك كله فإن العاميات لم تنفصل عن الفصيحة بل بقيت مستوى تعبيريّاً يُستعمَل في الحياة اليومية، فهل تصحُّ الدّعوة إلى استعمال الـمُسْتَعمَل؟.
إن هذه الدعوة زائفة المحتوى؛ لأنها تدعو إلى استعمال ما هو مُسْتعمَل في البلاد العربيّة. ولو كانت دعوة موضوعيّة لوجب أن يكون عنوانها (الدعوة إلى تنقية العاميات مما لحقها في عصور الضعف والانحدار والسيادة الأجنبية). وأزعم هنا أن أنصار الفصيحة المتنوِّرين لم يحاربوا الدعوة إلى العامية لمخالفتهم محتواها أو جهلهم زيفها، بل حاربوها لما تضمره من أهداف معادية للأمة العربية. ويمكنني اختزال هذه الأهداف في النقاط الآتية:
1.هجر الفصيحة تمهيداً للقضاء عليها، وما يتبع ذلك من فصل العرب عن تراثهم ودينهم.
2.نقل العامية من اللهجة المنطوقة المقصورة على الاستعمال (الوظيفيّ) في الحياة اليومية إلى اللغة المكتوبة المستعملة في التأليف والبحث والإدارة؛ أي جعل العامية لغة أدبيّة بدلاً من الفصيحة.
3.نشر اللغات الأجنبيّة واعتمادها لغة التعليم بغية السيطرة على العرب وجعلهم تابعين للاستعمار تبعيّة مطلقة.
الدعوة إلى العامية، في رأيي، قضية زائفة من حيث المحتوى، معادية من حيث الأهداف. وإنني أعتقد بأن هذه القضية تطوّرت من التمييز بين المحتوى والأهداف إلى اختلاطهما وسيادة الخوف العربي من العامية. أو قُل إنها تطوّرت من كونها قضية واقعيّة إلى كونها قضيّة افتراضيّة. ذلك أن روَّاد النهضة العربية الذين سبقوا الدكتور ولهلم سبيتا ـ المستشرق الألماني المتوفى 1883م صاحب كتاب (قواعد العربيّة العامّيّة في مصر) الصادر عام 1880 ـ أو عاصروه أو أتوا بعده لم يكونوا ينظرون إلى العامية على أنها وصمة عار، بل كانوا موقنين بأنها مستوى تعبيريّ منطوق مُستعمَل في الحياة اليومية، لا يفصله عن الفصيحة فاصل يُؤهّله للارتفاع إلى مستوى اللغة المستقلّة. كما كانوا يدركون أن فشوَّ الأمية سبب ازدهار العامية، ومن ثَمَّ راحوا يعملون على نشر التعليم وإيقاظ العرب. بل إنهم شرعوا يفحصون العامية لمعرفة ميزاتها ليستفيدوا منها في نشر الفصيحة. وما فعله عبد الله النديم في صحيفة (الأستاذ) مجرد مثال على وعي الظروف الموضوعية للفصيحة والعامية. إذ خصَّص باباً للعامية ليتمكّن قرّاء الصحيفة من متابعة الأفكار الإصلاحيّة. ونصّت نفوسة سعيد على أن عمل رفاعة الطهطاوي ويعقوب صنُّوع وج. زنابيري ومحمد النجّار لم يخرج عن هذا الوعي. فقد صرَّح محمد النجّار صاحب مجلة (الأرغول) التي ظهرت بمصر عام 1894، بعد استعماله الفصيحة والعامية معاً، أنه استخدم العامية؛ لأنها قريبة من متناول العامة الذين يريد تهذيبهم وتثقيفهم؛ ولأنه يريد أن يتدرَّج بأسلوبه من العاميّ إلى الفصيح، تبعاً لكون الأسلوب الفصيح هو الغاية التي ينشدها للتفاهم مع العامة.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى