الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف : تجربة قاسية

أصداف : تجربة قاسية

وليد الزبيدي

ثلاثة أسابيع، ابتداء من فجر يوم العشرين من مارس في ربيع عام 2003 حتى عصر يوم الأربعاء المصادف التاسع من ابريل من العام نفسه، عاش العراقيون تجربة الحرب القاسية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان وآلام.
هناك حروب تنتهي بالنصر وتحتفل الأمم والشعوب بها، لتضمد جراح الحرب بكل ما فيها من خسائر بشرية ومادية، وحروب تنتهي بهدوء وتلتزم جميع الأطراف الصمت ، وحروب تفتح أبواب جهنم على البلاد والعباد.
أقفل الألمان واليابانيون أبواب الحرب إثر هزيمة الدولتين في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 ، استسلمت الدولتان، وكان لكل دولة تجربتها في بناء بلدها والانتقال لحقبة أخرى، فتم تقسيم المانيا إلى واحدة شرقية أصبحت من حصة الاتحاد السوفييتي والثانية غربية تسلمت مقاليد الأمور فيها الولايات المتحدة، وتم بناء جدار برلين الشهير ليمنع المستعمرين الجدد التواصل بين أفراد العائلة الواحدة والمنطقة الواحدة والبلد الواحد، وكان قدر هؤلاء أن يكون ذلك الجدار فاصلا بينهم، وطالما أنهم مهزومون فلا حول لهم ولا قوة، وأصبح من يقرر الواقع الذين ساندوا الحكام الجدد وتعاونوا معهم، ورزح الجدار على صدور الألمان حتى انهياره آواخر ثمانينيات القرن الماضي.
بعد انتهاء الحرب في العراق بدأت تظهر ملامح صورة جديدة في العراق، وجميع الذين تابعوا الأدبيات الأميركية وطروحات المعارضة العراقية في الخارج تلمسوا بعض ملامح تلك الصورة التي تحمل بين طياتها أكثر من جدار مماثل لجدار برلين، ولم يخف البعض طرح تقسيم العراق إلى ثلاث دول على أسس طائفية وعرقية، وكانت بعض الكتب والتقارير الأميركية قد لوحت بتلك الخيارات واضعة اياها في المقدمة، وكان من بين أهم من كتب بهذا الاتجاه جراهام فولر الباحث الأميركي الشهير الذي أصدر كتابا منتصف تسعينيات القرن الماضي وضع له عنوانا مثير للتساؤل، يقول، هل يقوى العراق على البقاء موحدا خلال العقد القادم، وعندما صدر الكتاب وظهرت معه مئات المقالات والدراسات كانت آلة الحرب تتهيأ لحرب العراق، ولم تتوقف غرف الاجتماعات في البنتاجون والبيت الأبيض ووكالة المخابرات الأميركية. بل كانت هناك العديد من اللجان التي تتدارس مفاصل المرحلة المقبلة، وآليات انبات بذور جديدة في أرض المجتمع العراقي وبما يهيء الأجواء وينضج الظروف ليتحقق ما ذهب إليه جراهام فولر في تساؤله عن بقاء العراق موحدا.
لم يعرف الكثير من العراقيين ماذا تحمل الأيام والأسابيع اللاحقة، وماذا في جعبة الأميركان وكيف سيكون حال العراق المنهك من الحصار الذي تواصل لأكثر من عقد.
لكن ما أدركه البعض أن العمل يجري في ذلك الوقت على قدم وساق لصناعة جدران مشابهة لجدار برلين في مجتمع بلاد الرافدين.

إلى الأعلى