الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الهجرة إلى الموت!

الهجرة إلى الموت!

د. فايز رشيد

” إن من أسباب هجرة الشباب العربي أيضاً: التناقضات الطائفية والمذهبية والإثنية التي بدأ النفخ في كيرها مؤخراً، فالعالم العربي وبمختلف أقطاره, لم يعرف يوماً هذه التناقضات, وفجأة احتلت سلّم الصراع, الأساسي التناحري في بلدان عربية كثيرة، إلى الحد الذي وصلت فيه إلى المرحلة الرئيسية في درجات التناقض.”
ــــــــــــــــــــــــ
تصاعدت وتائر الهجرة مؤخرا من الدول النامية بما فيها العربية إلى الغرب، آلاف يجوبون البحر وبتنظيم من المهربين ينقلونهم في قوارب صغيرة، ويحمّلونها أكثر من طاقتها،فيكون الغرق نهايتها. العشرات إن لم نقل المئات من الرجال والنساء والأطفال يدفعون حياتهم في رحلة إلى المجهول, بعد أن يدفعوا للمهربين أموالاً هي حصيلة شقاء أعمارهم! عائلات بأكملها تغرق مع أطفالهم بهدف الهجرة إلى الدول الغربية. رحلة من العذابات القاسية والطويلة والمُكلفة وغير المضمونة النتائج. إن نجح الرّسو على شواطئ إحدى البلدان المٌهاجر إليها، تجمعهم سلطاتها وتضمهم إلى أمثالهم في معسكرات كحظائر الغنم… وتكون العذابات والمساومة. يبقون سنوات في هذه المعسكرات الى أن تنظر سلطات البلد المعني في إعطائهم حق اللجوء إليها، هذا إن لم تقم بتسفيرهم إلى بلدانهم الأصيلة.
مؤخرا: منذ فترة قريبة غرقت سفينة على متنها 800 مهاجر بسب اصطدام سفينتهم بسفينة أخرى في عرض مياه المتوسط!. كما أعلنت المنظمة الدولية للهجرة: أن أكثر من 1750 مهاجرا قُتلوا في المتوسط منذ بداية العام الحالي 2015 وهو عدد أكبر 30 مرة من حصيلة الفترة نفسها من عام 2014 المنصرم. أعربت المنظمة في بيان صادر عنها عن مخاوفها أن يصل الرقم للعام الحالي إلى 30 ألفا على ضوء تزايد الهجرة هذا العام بشكل كبير!.
نشأت في أوروبا والدول الغربية عموماً, العديد من الأحزاب القومية الشوفينية, التي تعمل على محاربة الأجانب المقيمين فيها،فكيف باللاجئين الجدد؟!أصبح من الصعوبة بمكان إعطاء الهاربين إلى هذه الدول, حق اللجوء إليها…هذا الذي يتم تحت مبررات عديدة. في كثير من الأحيان تقوم سلطات هذه البلدان بتسهيل هجرة جنسية معينة إليها. الحالة المحددة التي نقصدها هي: تسهيل هجرة الشباب الفلسطيني سواء منهم من يعيشون في فلسطين أو الذين يقيمون في الشتات. هذه الهجرة تحديداً تتم من أجل أهدافٍ سياسية, فالذين يعيشون على الأراضي الفلسطينية يتم التسهيل لهم من أجل إفراغ فلسطين من العنصر الشبابي الحيوي. أما الذين يقيمون في الشتات فيأتي بهدف : إنقاص عدد المطالبين بحق العودة إلى الأرض الفلسطينية. لذلك فإن سفارات وقنصليات الدول الغربية في رام الله وفي العديد من العواصم في البلدان الأخرى, عربية وغيرها, تقدم التسهيلات والإغراءات للشباب الفلسطيني من أجل الهجرة.على هذه القاعدة هاجر عشرات الآلاف من فلسطينيي لبنان وفلسطيني من الأرض الفلسطينية المحتلة. وحتى اللحظة، فإن عشرات الآلاف من فلسطينيي سوريا تمكنوا من الوصول إلى هذه البلدان … ولا يزال موسم الهجرة مستمراً.
في أسباب الهجرة للشباب العربي إجمالا , والتي أخذت تتصاعد في الآونة الأخيرة, وبخاصة من العراق ولبنان وسوريا والدول العربية في شمال إفريقيا يمكن القول: بداية لو كانت الأوضاع في بلدان المهاجرين مستقرة بالمعنيين الاقتصادي والسياسي وبالضرورة الاجتماعي, لما حصلت الهجرة. فالبطالة بين الخريجين وضعف الرواتب إن وجدت الوظائف, وعجزها عن تلبية أهم القضايا الحياتية للشباب, كل هذه الظروف تدفعهم إلى الهجرة. في كثير من الأحيان يقدم الغرب تسهيلات كبيرة للكفاءات من الدول العربية, التي لا تقّدر كفاءة أبنائها، فيكون مستقرهم في البلدان الأجنبية ! فما أكثر الكفاءات العربية في الطب والهندسة وحتى في علم الذرة وغيرها من التخصصات الأخرى, التي تعمل في الدول الغربية . لو وجدت هذه الكفاءات ظروفاً مماثلة للعمل في بلدانها, لاستقرت فيها. ولكن للأسف: فإن العديد من الدول العربية أصبحت طاردةً لأبنائها. بالمعنى السياسي فالحروب والأحداث الداخلية في هذا البلد العربي أو ذاك, هي بحد ذاتها عامل مساعد على هجرة الشباب منها. لذلك وفي أثناء الأحداث في العراق زادت الهجرة منه, ونتيجة للأحداث في سوريا زادت نسبة المهاجرين منها, وهكذا دواليك.المسألة الأهم من كل ما سبق: هي شعور المهاجر العربي بأنه ليس ذا قيمة في بلده. من حيث الحرية التي هي عامل حاسم في التقليل من الهجرة, تماماً مثل ممارسة الحياة الديمقراطية وافتقادها , مما يؤثر على زيادة أسباب الهجرة.
بالنسبة لهجرة الفلسطينيين في الشتات, فإن وضع العراقيل أمام العمل للفلسطيني ( فمثلاً في لبنان يُحظر على الفلسطيني العمل في (72) مهنة ووظيفة)، وهذا بحد ذاته دعوة إلى الهجرة، ولذلك ولأسباب أخرى أيضاً, فإن العديدين من الشباب والخريجين الفلسطينيين, وعندما لا يجدون عملاً في هذه الدولة العربية أو تلك فإنهم يُدفعون دفعاً إلى الهجرة،وبخاصة أن العائلات الفلسطينية في الشتات تعتمد في سد تكاليف متطلبات حياتها على رواتب أبنائها المتخرجين في الجامعات، بالفعل فإن الفلسطينيين ونتيجة لظروف وأسباب كثيرة يفتقدون إلى مصادر دخل أخرى, فأيضاً التملك للفلسطيني في العديد من الدول العربية الموجودين على أراضيها, غير مسموح به.
للأسف نتيجة للخلافات البينية العربية فإن هناك افتقاداً للتنسيق بينها فيما يتعلق بملء الوظائف التي تحتاج إليها هذه الدولة أو تلك. أيضاً فإن الوطن العربي غني بثرواته الكثيرة, لكن مجال التصنيع فيه قليل إلى الحد, الذي يستورد فيه العالم العربي كل السلع، ولو كانت هناك خطة تصنيعية تكاملية عربية, واستيعاب للكفاءات من الأقطار الشقيقة الأخرى, لما هاجر شاب عربي واحد إلى الغرب، فرغم الثروات ورغم مساحات الأرض الكثيرة والواسعة (في السودان على سبيل المثال لا الحصر). لذا, فإن الوطن العربي يعتمد على الغير في استيراد الاحتياجات الحياتية. ولو أخذنا دولة مثل الصين أو كوريا الجنوبية وغيرهما, فمن الصعب ان يخلو بيت عربي من أحد منتجات هذين البلدين رغم فقرالمثالين المدقع في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الزمني الماضي. إن بلداً مثل الصين أصبحت عملاقاً اقتصادياً على الساحة الدولية, تنافس أعرق الدول في التصنيع, وفي الكثير من القضايا الاقتصادية, وهي دولة دائنة (وليست مدينة) للعديد من دول العالم.
إن من أسباب هجرة الشباب العربي أيضاً: التناقضات الطائفية والمذهبية والإثنية التي بدأ النفخ في كيرها مؤخراً، فالعالم العربي وبمختلف أقطاره, لم يعرف يوماً هذه التناقضات, وفجأة احتلت سلّم الصراع, الأساسي التناحري في بلدان عربية كثيرة، إلى الحد الذي وصلت فيه إلى المرحلة الرئيسية في درجات التناقض. بمعنى أنها أصبحت التناقضات الأهم في هذا البلد العربي أو ذاك, بمعزل عن أن التناقض الرئيسي هو بين العالم العربي وبين العدو الصهيوني. للأسف وصلت هذه التناقضات إلى مرحلة خطيرة, حيث أصبحت تهدد بعض الدول العربية بالتفتيت والتقسيم بعد الاحتراب الداخلي فيها.إن هذه التناقضات تعتبر بيئة خصبة لهجرة الشباب من العديد من الدول العربية.
لعل من الأسباب أيضاً ارتفاع نسبة درجات القبول في الجامعات العربية لدراسة هذه الفرع العلمي أو ذاك، الأمرالذي يدفع بالشباب العربي إلى الدراسة في الخارج. في حالات كثيرة يبقى معظم هؤلاء الشباب في الدول التي تخرجوا فيها، وبخاصة في ظل الإغراءات الكثيرة التي تُقدّم من هذه الدول, للكفاءات بينهم! لماذالا يوجد كم من الجامعات في بلداننا العربية تكون قادرة على استيعاب كل الطلبة العرب من المحيط إلى الخليج؟ لماذا يذهب عشرات الآلاف من الطلاب العرب سنوياً للدراسة في الخارج؟ هذا لا يعني الانغلاق على الذات ,وعدم التعامل مع الثقافات والعلوم الأخرى، بل العكس من ذلك… ففي حالة توفر العدد اللازم من الجامعات التدريسية, فإن الاحتكاك والتبادل العلمي مع العالم يزداد, والعكس بالعكس.
إن العديد من الأسباب أيضاً تكمن وراء الهجرة, وذلك بحاجة إلى بحث وليس مقالة سياسية. إن من أخطر الهجرات هي هجرات العقول والأدمغة (وإليكم بعض الأرقام التي ثبتها الباحثان: أمجد عبدالله المنصوري إضافة إلى د.عبد العالي الدايخ في بحثهما المشترك :هجرة العقول العربية, والذي نشرته مؤسسة الفكر العربي): يهاجر حوالي 100 ألف من أرباب المهن وعلى رأسهم العلماء والمهندسون والأطباء والخبراء كل عام من ثمانية أقطار عربية هي لبنان, سوريا ,العراق ,الأردن, مصر, تونس, المغرب, الجزائر. كما أن 70% من العلماء الذين يسافرون إلى الدول الرأسمالية للتخصص, لا يعودون إلى بلدانهم.منذ عام 1977 ولحد الآن هاجر أكثر من 750 ألف عالم عربي إلى الولايات المتحدة. إن 50% من الأطباء و 23% من المهندسين و15% من العلماء من مجموع الكفاءات العربية, يهاجرون إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا ، يسهم الوطن العربي في ثلث هجرة الكفاءات من البلدان النامية ,خصوصاً أن 54% من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج, لايعودون إلى بلدانهم. يشكل الأطباء العرب العاملون في بريطانيا نحو 34% من مجموع الأطباء العاملين فيها. تجتذب ثلاث دول غربية غنية هي:أمريكا بريطانيا وكندا نحو 75% من العقول العربية المهاجرة.
وبعد : ألا يكفي هذا؟؟؟!!. نسوق ذلك دون تعليق… فالأرقام وحدها تتحدث عن هول المصيبة!.

إلى الأعلى