الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نساء أخلصن للموتى و نساء غدرن بالأحياء

نساء أخلصن للموتى و نساء غدرن بالأحياء

د.أحمد القديدي

” الغريب الذي يثير دهشة كل ملاحظ أمين لمعضلات المجتمع التونسي هو أن جميع المرشحين للمناصب أو البرلمان من العلماني إلى الإسلامي ومن المثقف إلى المتعلم رفعوا شعار (مجلة الأحوال الشخصية خط أحمر) والمنطق السليم يقول إن هذه المجلة نص قانوني ككل القوانين قابل للتعديل والتطوير تماشيا طبيعيا مع ظهور الآثار السلبية للقانون”
ـــــــــــــــــــــ
أثار في نفسي حديث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن الأسرة المسلمة أفكارا و قناعات تشغلني منذ عقود وكتبت فيها الكثير فالرئيس التركي هو حاكم أول دولة مسلمة ارتكب فيها مصطفى كمال أتاتورك منذ العشرينيات أكبر عملية للتلاعب بجينات شعب كامل وتزييف تاريخه ومسخ هويته وتغيير كتابة لغته وتعويض لباسه التقليدي بالبدلة الإفرنجية والبرنيطة ومقاومة حجاب نسائه إلى درجة أن أكبر مناصر لأتاتورك وهو بورقيبة (رحمهما الله) ندد بالانحراف قائلا حين زار أنقرة في مارس 1965 أن طمس هوية الشعب التركي خطأ يجب إعادة النظر فيه. واليوم حين نسمع أردوغان نتأكد من أن الشعب التركي الذي إنتخب أردوغان هو بصدد مراجعة التدليس التاريخي بجرأة وبالتدريج ليعيد للمجتمع التركي أصوله المسلوبة وينتصر لهويته المنكوبة و هاهو الرجل عند وعده يبدأ بالقضية الأم أي منزلة المرأة في المجتمع المسلم ورسالتها التي شرفها بها الله تعالى في الإنجاب والأمومة واحترام الزوج وقبول قوامته وحفظ كرامته وحماية الأسرة لا التمرد على الفضائل والقيم باسم بهتان يسمونه بالمساواة الكاملة حتى في الميراث وهو محدد بنص القرأن وهذا ما رددته نوال السعداوي للواتي دعونها للمحاضرة في تونس هذه الأيام بعد أن شعر حتى وطنها مصر بأن أفكارها شاذة متطرفة! فهذه الدعوة للمساواة هي في الحقيقة دعوة لتغليب المرأة على الرجل أي إلى ايجاد مناخ حرب أسرية داخلية في كل بيت! وهي باطلة لأن الحقيقة هي إقرار العدالة المطلقة والربانية بين الرجل والمرأة لا إقامة مجتمع تتشبه الأنثى فيه بالذكر أو العكس. كما أثار أردوغان (وبعده وزير الصحة التونسي د.محمد صالح بن عمار) مأساة الاجهاض قائلين كل على حدة أنه إذا مورس بوحشية فهو جريمة قتل بترخيص ( و مع الأسف في بلادنا تونس لم تقع مراجعة قانونية لهذه الانحرافات التي ترتكب بكل حرية بل بكل تهور(فحاشا الحرية).
وهل أنا في حاجة إلى كشف النفاق الشائع والمعضلات المسكوت عنها في حين تعج محاكمنا يوميا بمئات الآلاف من قضايا الطلاق والحضانة والنفقة المطروحة بالسنوات أحيانا أمام السادة القضاة الذين رغم جهودهم الجبارة يستحيل عليهم أن يبتوا فيها في إبانها نظرا لكونها تتجاوز طاقة المحاكم و تفضلوا أيها القراء الأفاضل بحضور جلسات الأحوال الشخصية في أي محكمة تونسية فهي علنية لتكتشفوا آلاف الضحايا من النساء والأطفال وما برنامج (عندي ما نقولك) التلفزيوني سوى عرض عينات صغيرة من الفضائح اليومية وكل ذلك يجري في مجتمعنا التونسي باسم ما يسمى زورا بتحرير المرأة (تحريرها ممن ؟) ثم ما رأي النخبة الحداثية في المناظرة التي أجرتها الشركة الأميركية الفرنسية (هوت شوت بورنو) في أحد فنادق تونس لانتداب شباب توانسة من ذكور وإناث …. للتمثيل في الأفلام الخليعة فهل يدخل هذا في إطار حرية المرأة ؟ والعجيب أن حزبا يحمل شعار الإسلام أصدر بيانا يندد فيه بإيقاف أحد الإعلاميين على ذمة التحقيق الأسبوع الماضي في قضية لاتزال قيد البحث ولم يصدر هذا الحزب بيانا (على حد علمي) يندد فيه ب(كاستنج) الأفلام الإباحية وانتداب حفيدات السيدة أروى القيروانية زوجة الخليفة أبي العباس المنصور….لتمثيل أدوار الدعارة في شركة أميركية فرنسية …صرح مديرها المحلي أن شركته لبت دعوة السلطات التونسية وجاءت تستثمر في تونس وتساهم في تشغيل شبابها!!! يا للهول كما كان يقول فقيد المسرح العربي يوسف وهبي رحمة الله عليه.
منذ أن وعيت بمشاكل المجتمع الذي ولدت ونشأت فيه أدركت أن هناك تناقضات صارخة تؤكد لي ولكل راصد أمين للتحولات الاجتماعية أن المجتمع التونسي يشكو من خلل جوهري أو أساسي (مقارنة بالمجتمعات المسلمة الأخرى التي تعاني خللا عارضا أو طارئا أو قابلا للاصلاح) وذلك لسبب موضوعي وهو أن مجتمعنا التونسي هو الوحيد في العالم العربي والعالم الإسلامي الذي أصابته صدمة قانون يسمى مجلة الأحوال الشخصية المستورد بالكامل من القانون الفرنسي و المنظومة القانونية الأوروبية عموما و لم تمسسه يد التطوير والإصلاح و ذلك منذ صدوره في 13 أغسطس 1956 بتوقيع أخر ملوك تونس وبسعي من الزعيم بورقيبة مباشرة بعد عودته من المنفى وقبيل إلغاء النظام الملكي واضطهاد الأسرة الحسينية وسلب مصوغ العائلة المالكة بل وسجن المناضل الوطني الطاهر بن عمار أخر رئيس حكومة ملكية وصاحب اليد التي وقعت على وثيقة الإستقلال الداخلي تلك اليد التي سلموها لشرطي شاب يضع حولها الكلبشة غفر الله لبورقيبة هذه الأخطاء وهدى الله الذين يستعملون اسمه وصورته حتى لا يسقطوا في عبادة تماثيل الأموات حتى لو كانوا من ذوي الفضل على البلاد. وأنا لا أتنكر لمكاسب بورقيبة الحقيقية وعملت معه لكن مراجعة القوانين القديمة ومراجعة التاريخ بالحقائق وحسب تطور المجتمع عمل ضروري اليوم لعدم تكرار الأخطاء كما أني كنت من القلائل الذين قالوا كلمة الحق في حضرته وحضرة من جاء بعده الى سدة الحكم وتحملت الاضطهاد في عهده ولم أسكت عن الباطل كالشياطين الخرس بعد إصابة مجتمعنا بفقدان الذاكرة ! الغريب الذي يثير دهشة كل ملاحظ أمين لمعضلات المجتمع التونسي هو أن جميع المرشحين للمناصب أو البرلمان من العلماني إلى الإسلامي ومن المثقف إلى المتعلم رفعوا شعار (مجلة الأحوال الشخصية خط أحمر) والمنطق السليم يقول أن هذه المجلة نص قانوني ككل القوانين قابل للتعديل والتطوير تماشيا طبيعيا مع ظهور الآثار السلبية للقانون وهي ليست صنما أشبه باللات والعزة يطوف السياسيون حوله بالمباخر والتعاويذ لكسب أصوات النساء (ليس كل النساء لأن كثيرات من النساء ضحايا هذا القانون). وأعود إلى تفسير عنوان مقالي لأرفع تحية تقدير لإمرأة أعرفها توفي زوجها المحامي منذ عشرين عاما فظلت محجبة محترمة مع أولادها وأخلصت لروحه وحفظت عهده وذكراه ومن هذا الصنف الرفيع مئات الآلاف من حرائرنا التونسيات ثم أتحسر على امرأة أخرى سقط الدهر بزوجها (ماليا فقط ولفترة عابرة) بعد ثلاثين سنة من العشرة فاعتقدت عن خطأ أنه أصبح لا يساوي بصلة فألقت به في الشارع وتمردت على كل القيم والفضائل ولكن الله سبحانه العادل الحق رفعه وأعلى من شأنه ثم ردها هي أسفل سافلين وقد غرتها أيضا قوانين تونسية تغرر بالمرأة وبالطبع نجد من هذه المرأة أيضا عشرات الآلاف والله تبارك وتعالى هو أحكم الحاكمين كما ورد أيضا في سورة التين.

إلى الأعلى