الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / فلسطين ما بين الدولة الواحدة وثنائية الدولة

فلسطين ما بين الدولة الواحدة وثنائية الدولة

(الحلقة السادسة)
إسرائيل تسعى من خلال (القومية اليهودية) لإيجاد عوامل مشتركة بين (مجتمعها الفسيفسائي)
**
إن القول بـ (القومية اليهودية)، هي مسألة أساسية وضمانة من أجل الوجود نفسه بالنسبة لكل الإسرائيليين، الطامحين إلى تحقيق (الدولة اليهودية) على الأرض الفلسطينية.
والمطالبة والاعتراف الفلسطيني – العربي – الإسلامي، بالدولة ثنائية القومية، يحمل في مضمونه اعترافاً بالقومية اليهودية، بما يتضمنه ذلك من تحويل الديانة إلى عقيدة قومية، وبالمترتبات القائمة على هذا الاعتراف، إن بالحق التاريخي لليهود بالعيش على الأرض الفلسطينية، وبالتالي، الاعتراف بكافة الشعارات الصهيونية التي طرحت كدلائل على هذا الحق، بما تعنيه من نفي للذات، وحق هذه الذات في وطنها… أو بمجموعة المترتبات الأخرى بعيدة المدى: مثل الحق “للقومية اليهودية” بتهجير كافة اليهود من كل دول العالم إلى إسرائيل / فلسطين. أو مثلاً مثلما تخطط إسرائيل حالياً، بإعطاء اليهود في كل دول العالم، الحق في التصويت للانتخابات التشريعية الإسرائيلية للكنيست، مع ما يعنيه ذلك من نفي لوجود الآخر الفلسطيني على هذه الأرض.
الدولة ثنائية القومية تعني انتفاء مبدأ إسرائيلي قائم، ويجري العمل لتحقيقه على قدم وساق، وهو يهودية الدولة.
أما إن جرت عودة إسرائيلية وصهيونية عن اعتبار اليهودية كقومية، وتحولها مرّة أخرى إلى ديانة روحية، ففي هذه الحالة تنتفي صفة الثنائية القومية عن فلسطين، التي ستعود مرّةً أخرى إلى أصحابها الشرعيين.
وبالنسبة للعقبات الإسرائيلية الأخرى التي ذكرناها بالنسبة: للدولة الديموقراطية الواحدة، تظل هي نفس العقبات الإسرائيلية بالنسبة للدولة ثنائية القومية أيضاً، ومع الأخد بعين الاعتبار العناصر الجديدة حول اعتبار اليهودية “كعقيدة قومية”.
لقد حاولت إسرائيل منذ إنشائها القسري وحتى اللحظة، إيجاد صفات وعوامل مشتركة بين عناصر (مجتمعها الفسيفسائي) إن بمحاولة إيجاد (الثقافة الواحدة المشتركة) بين المهاجرين اليهود من دول مختلفة إليها، مروراً برفع شعار (اسرائيل)، التي صاغها الحاخامات في وقت لاحق، كأفضل طريقة يمكن اتباعها لربط تاريخهم بأقدم العصور، ولجعل عصر اليهود متصلاً بأقدم الأزمنة، وبذلك يكون تاريخ فلسطين، تاريخاً يهودياً. ولهذا، فإن الباحثين اليهود يتمسكون بكلمة (العبرية) ومصطلح (العبرانية التوراتية) كقرائن، تربط بين اليهود وبعدهم التاريخي في فلسطين… ، وصولاً إلى محاولات التزييف للآثار في فلسطين، والاعتداء وسرقة المحددات الثقافية التراثية الفلسطينية، ووصولاً إلى القول بمقولة (الأمة اليهودية). ولكن وبرغم كل المحاولات الإسرائيلية، ظل التناقض في إسرائيل بين اليهود (السفارديم) الشرقيين، وبين اليهود (الأشكناز) الغربيين واليهود، الذين ولد أباؤهم في إسرائيل (الصابرا)… والأبواب مفتوحة على صراعات أخرى جديدة بدأت بوادرها في الظهور: كصراع (اليهود الروس) مع كل اليهود الآخرين، والذين أسسوا حزباً هو (إسرائيل بيتنا) ومعظم أعضائه من المهاجرين الروس، وغير ذلك… وغير ذلك.
هذه الصراعات الطبيعية في (مجتمع) يتشكل من يهود من أصول عرقية مختلفة، فما هو الجامع بين اليهودي الأميركي والآخر الاثيوبي أو الهندي؟ نقول ذلك على سبيل المثال لا الحصر.
الإسرائيليون يفتقدون إلى كل العناصر الأخرى لتشكيل مفهوم “القومية اليهودية”: إن بالتراث، والتاريخ المشترك، والثقافة، والطابع الحياتي، أو العادات، واللغة وأخرى غيرها… أي أنهم يفتقدون (إلى الشفرة التي يمكن للفرد عن طريقها أن يعرّف نفسه في علاقته بالجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها، والتي عن طريقها يتعرف عليه الآخرون باعتباره منتمياً إلى تلك الجماعة).
ولذلك فإن إشكالية الهوية لا تزال قائمة في إسرائيل، وحتى اللحظة، فإن الخلافات بين الحاخامات لا تزال قائمة في إسرائيل حول تعريف: (من هو اليهودي)؟
قد تجد الدولة الثنائية القومية تأييداً من بعض الإسرائيليين، لكنهم لا يتعدون أن يكون أفراداً قلائل، تحركهم ضمائرهم وهم يرون الآثام والخطايا والمجازر، التي تقترفها دولتهم بحق الفلسطينيين والعرب، ويدركون عدوانية هذه الدولة على من تسميهم (مواطنيها) من العرب، ويرون تمييزها العنصري ضدّهم، فهم مواطنون من درجة ثانية… بل ثالثة ورابعة، حتى باعتراف المصادر الإسرائيلية القانونية، والبعض من المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم.
هؤلاء هم من اليسار في غالبيتهم. وممن تحركهم مبادئ العدالة والنبل والمساواة، لكنهم مثلما قلنا: أفراد قليلون لا ولن يؤثروا في طبيعة الدولة التي يعيشون فيها لا من قريب أو بعيد، هذه الدولة التي كلما مرّت على ولادتها السنون، تزداد تطرفاً، وتحقق الأحزاب اليمينية الدينية فيها والأخرى الفاشية، مزيداً من النجاحات في المقاعد للكنيست، الدولة التي يزداد على الدوام تأثير الجناح العسكري في سياساتها.
بالنسبة للجانب الفلسطيني:
البعض من الفلسطينيين يرون في طرح مبدأ الدولة الثنائية القومية (فكرة مثالية وهي جديرة بالبحث لأنها تساوي بين قوميتين)
وهي من وجهة نظر المؤيدين لها: تتعارض مع مبدأ إسرائيل الكبرى، وستتيح للفلسطينيين أخذ حقوقهم، وتصون وحدة أرضهم، ووحدة شعبهم، وتنمية ثقافتهم وهويتهم القومية.
بدايةً… فإن من المهم التوضيح، بأن المقصود في الدولة ثنائية القومية من حيث الأرض التي ستقام عليها، هي فلسطين التاريخية بحدودها المعروفة من النهر إلى البحر، ذلك أن البعض يتصور إقامة مثل هذه الدولة داخل الخط الأخضر، بعيداً عن أراضي الضفة الغربية وغزة!
وفي الرد على هؤلاء نقول: إن مجرد ورود هذه الفكرة في الأذهان تعني انتفاءً طبيعياً لفكرة الدولة ثنائية القومية، ذلك أنها تفصل بين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم الثلاثة: داخل الخط الأخضر، وفي الضفة الغربية وغزة، وفي الشتات… وهذا ما سيجعل من الصراع أمراً قائماً على الدوام، لأن الحل المطروح والحالة هذه، قد ينهي معاناة جزء من الشعب الفلسطيني مع استمرار معاناة الجزئين الباقيين.
ومن ناحية أخرى، فإن إقدام إسرائيل على مثل هذا الحل… يعني أنها في الوضع الأقوى في موازين القوى بين الجانبين، وأن لها حساباتها الخاصة في عدم ضم الضفة الغربية وغزة إلى هذه الدولة، مما يعني أنها تخشى العامل الديموغرافي، وإمكانية سيطرة الفلسطينيين في هذه الحالة… مما يشير إلى أن إسرائيل في ذلك الوضع هي بنفس مواصفات إسرائيل الحالية… بالتالي لن تُقدم على تشكيل الدولة ثنائية القومية.
ولو افترضنا جدلاً، قبول الجانب الإسرائيلي مستقبلاً، بإقامة الدولة ثنائية القومية على مساحة أرض فلسطين التاريخية… فإن ذلك سيعني للفلسطينيين هوية قومية جديدة هي القومية الفلسطينية، بدلاً من هوية قوميتهم الأصلية – وهي القومية العربية! بما يعنيه ذلك من استقلاليتهم المطلقة عن العرب، وهذا بدوره يتنافى مع فكرة الوحدة العربية والتكامل العربي، الذي يدعون إليه على مدى وجودهم، والذي يتنافى مع الميثاق الوطني الفلسطيني وقرارات الدورات المتعاقبة للمجلس الوطني الفلسطيني، والذي يتنافى أيضاً مع دساتير كافة الهيئات التابعة للإنجاز الوطني الفلسطيني الكبير، وهو منظمة التحرير الفلسطينية… والتي تؤكد كلها على الانتماء الفلسطيني للأمة العربية، وعلى دور هذه الأمة في معركة التحرير الوطني الفلسطيني.
“القومية” الفلسطينية، هي انسلاخ فلسطيني عن تاريخ، وبالضرورة تعني انسلاخاً عن الجغرافية، وعن التراث الثقافي وكل المكونات القومية العربية الأخرى…. ولذلك، هي تعني تشكيكاً بالحقوق الوطنية الفلسطينية في فلسطين التاريخية، لأنها تؤرخ لزمن جديد، بمواصفات جديدة بعيداً عن الأصالة والجذور والتاريخ.
فلسطين، قبل سايكس بيكو، كانت جزءً من بلاد الشام التي تضم إضافة إليها: كلاً من لبنان وسوريا وفيما بعد الأردن، ولذلك مهما حاول البعض إيجاد تاريخ (فلسطيني جديد)… فلن يستطيعوا، لأن هذا التاريخ مرتبط مع تاريخ أقطار عربية أخرى، ومع التاريخ العربي بشكل عام، والذي شهد هجرات مختلفة من أقسامه إلى بعض أجزائه الأخرى ضمن الوطن العربي الواحد.
القومية ليست مسألة إرادوية يصنعها الإنسان، فطيلة سبعين عاماً من وجود الاتحاد السوفيتي حاول قادته التغني بالقومية الجديدة (السوفياتية) وبشعار (الأمة) السوفيتية أيضاً… لكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل الذريع، وقد كانت تعيد إنتاج نقائضها التي تمثلت في زيادة الشعور القومي بين كل الشعوب التي شكّلت الاتحاد السوفيتي، والتي كانت مثل سوس ينخر جسد هذا الاتحاد… وتمثلت أيضاً في سرعة انفضاض الجمهوريات الأخرى عن روسيا بعد انهيار النظام المركزي في موسكو.
الطرح الفلسطيني للدولة الثنائية القومية هو من جانب: يعتبر تخلياً عن الحقائق التاريخية الفلسطينية، ومن جانب ثانٍ، يشكل اعترافاً بما يسمى بـ (التاريخ الإسرائيلي) لفلسطين، والأساطير التي بنتها الصهيونية لتبرير احتلالها للأرض الفلسطينية واقتلاع أهلها من وطنهم، وإقامة دولتها الإسرائيلية على طريق إقامتها لدولتها الكبرى.

إلى الأعلى