الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / البحث عن عمل ومشكلاته

البحث عن عمل ومشكلاته

يعد البحث عن عمل من اهم المحطات في حياة الفرد, وخاصة بعد ان ينهي مرحلة الاعداد والدراسة والتدريب, وان العمل المناسب للشخص المناسب, والذي يتماشى مع رغباته وميوله هو الأكثر اهمية للفرد لانه يشكل انطلاقه جيدة فيها يستغل الفرد كل قدراته ومهاراته في العمل المناسب, وبالتالي يرضى عن ذاته وعن عمله.
هذا وتعتبر مشكلة الباحثين عن عمل مشكلة اقتصادية ومشكلة نفسية واجتماعية، كما لها آثارها على الصحة الجسدية للفرد, خاصة وان جيل الشباب هو جيل العمل والانتاج وجيل القوة والطاقة والمهارة والخبرة, وإن تعطيل تلك الطاقة الجسدية والعقلية بسبب الفراغ أي بسبب عدم توفر فرصة للعمل وخاصة بين الشباب، فهذا يؤدي الى أن ترتد تلك الطاقة على الباحث عن العمل لتهدمه نفسياً مسببة له مشاكل كثيرة متنوعة.
كما ان باحث العمل يبحث عن العمل ويأمل ان يجد المكان الوظيفي الذي يوظف فيه ما تعلمه من مهارات علمية ومهارات متخصصة في مجاله الذي تخصص فيه وايضا تظهر قدراته, في سعي منه لان يحقق ذاته ويصل الى احلامه وتوفير الحياة الكريمه له ولاسرته. وفي المقابل فإن سوق العمل يبحث عن الموظف او العامل الفني المدرب وذوي الخبرة الذي يمكن له ان يساهم في العمل وبانتاجية عالية من شأنها ان تحقق اهداف المؤسسة سواء أكانت عامة او خاصة. والتعليم يوفر للمتعلم الفرصة العلمية المناسبة لصقل قدراته الفكرية والعلمية والتطبيقة في مجال ما تخصص فيه الفرد.
ولكن المشكلة او الاشكالية هنا هي ان الفرد ربما يدرس او يلتحق بالتخصص الدراسي الذي لا يتماشى من ميوله او ربما لا يتماشى مع قدراته, وهذه اشكالية يحتاج الفرد خلالها ان يُزود بالارشاد والتوجيه المهني ليحسن اتخاذ القرار المهني المناسب له.
وهناك اشكالية ثانية وهي ان سوق العمل قد يكون مشبعا في بعض التخصصات, ولكن الطالب درس من هذه التخصصات في الجامعة او الكلية لفترة ما بين 3-6 سنوات ثم يتفاجأ بان سوق العمل مشبع, ولم يعد بحاجة الى تخصصه, وربما يطول انتظاره باحثا عن فرص عمل, او قد يلجأ الى الالتحاق بعمل ما لا يتناسب مع تخصصه او ميوله او رغباته في سبيل تأمين مصدر دخل له ولاسرته.
وهناك اشكالية اخرى وهي تنبع من قوة تأثير الاسرة على الفرد ليلتحق بتخصص ما وربما لاشباع حاجات كانت عند الاب او الام, وهذا ينتج عنه معاناة دراسية ومعاناه بعد التخرج للبحث عن عمل ربما لا يرغب فيه.
والباحث عن عمل(Seeking work) هو الفرد القادر على عمل ولكنه لا يعمل ولا زال يبحث عن عمل, وبالمقابل هناك أفراد آخرين قادرين على العمل و لكنهم لا يبحثون عن عمل لأنهم في درجة من الثراء تجعلهم في غنى عن العمل، فهؤلاء أيضا لا يعتبرون عاطلين. وبحسب الاحصاءات الرسمية العالمية فإن العاطل عن العمل(الباحث عن عمل) يجب أن يكون عمره يتراوح ما بين 15 و 64 عاما و أن يتوفر فيه شرطان أساسيان وهما؛ أن يكون قادرا على العمل, وأن يبحث عن فرصة للعمل, ويجمع الاقتصاديون و الخبراء، وحسب توصيات منظمة العمل الدولية على تعريف العاطل بأنه ” كل من هو قادر على العمل، و راغب فيه، و يبحث عنه، و يقبله عند مستوى الأجر السائد، و لكن دون جدوى”.
وفي هذا السياق وجد أن القلق والكآبة وعدم الاستقرار يزداد بين الباحثين عن العمل، بل ويمتد هذا التأثير النفسي على حالة الزوجات، وأنّ هذه الحالات النفسية تنعكس سلبياً على العلاقة بالزوجة والأبناء، وتزايد المشاكل العائلية. وعند الأشخاص الذين يفتقدون الوازع الديني، يقدم البعض منهم على شرب الخمور و تعاطي المخدرات، بل ووجد أن 69% ممن يقدمون على الانتحار، هم من العاطلين عن العمل. و نتيجة للتوتر النفسي، تزداد نسبة الجريمة، كالقتل والاعتداء، بين هؤلاء العاطلين. بالاضافة إلى ضعف الانتماء للوطن، وكراهية المجتمع، وصولا إلى ممارسة العنف ضده، فضلا عما تمثله البطالة من إهدار للموارد الكبيرة التي استثمرها المجتمع في تعليم هؤلاء الشباب ورعايتهم صحياً واجتماعياً.
ومن الآثار النفسية و الاجتماعية والاقتصادية لمشكلة الباحثين عن عمل:
- تجرع مرارة الحاجة والعوز المادي والتي تؤثر على كرامة الإنسان ومن نظرته لنفسه وخاصة عندما يكون الفرد مسؤولا عن أسرة تعول عليه في تأمين احتياجاتها المعيشية.
-المعاناة من الفقر والحاجة والحرمان، وتخلف أوضاعهم الصحية، أو تأخرهم عن الزواج وانشاء الأسرة وعجزهم عن تحمل مسؤولية اُسرهم.
- الاثار السيّئة على الصحة النفسية والصحة الجسدية, حيث انّ نسبة كبيرة من الباحثين عن العمل يفتقدون تقدير الذات ويشعرون بالفشل، والاحساس بالدونية، والشعور بالملل وانخفاض في اليقظة العقلية والجسمية .
كما أنّ البطالة تعيق عملية النمو النفسي بالنسبة للشباب الذين ما زالوا في مرحلة النمو النفسي.
كما ان عدم المواءمة ما بين مخرجات التعليم والتدريب واحتياجات سوق العمل يمثل هدرا فى موارد التعليم والتدريب, وهدرا فى طاقات الشباب, إذ يسوقه تعليمه وتدريبه إلى البطالة فى أحيان كثيرة, وصعوبة لدى أصحاب الأعمال فى الحصول على المهارات المناسبة فتزداد الحاجة للمهارات الأجنبية بدلا من المهارات المحلية غير المتوفرة. وهنا لا بد من توفير التنمية بإطارها الشامل والمكون من الخبرة المكتسبة وصناعة المعرفة والمهارات التقنية التي يمتلكها رأس المال البشري من جهة, وعلى مدى الحكمة والعقلانية في توظيف الموارد المالية والبشرية من جهة أخرى لتحقيق الغاية النهائية للتنمية المتمثلة في تحسين جودة حياة الإنسان(Quality of life) .

د.عبدالفتاح الخواجه
دكتوراه الارشاد النفسي بجامعة السلطان قابوس

إلى الأعلى