الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سوريون من أجل الحياة و..

سوريون من أجل الحياة و..

علي عقلة عرسان

سوريون من أجل الحياة، سوريون من أجل الوطن، سوريون من أجل البناء، وسوريون من أجل البقاء.. هذا ما نحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى، مثل حاجتنا للخبز والماء والدفء والأمن والكرامة، ونحن في خضم المحنة التي تنهش أكبادنا وتشرد جموعنا وتودي بمستقبل أبنائنا وتحمل كثيرين منا فوق ما يحتملون، ولا نتكلم هنا عن تجار السياسة والأزمة، بل عن الناس الذين هم ملح الأرض ومعاني الوطن.. وهذا الذي نحتاج إليه مدخله الوعي بأبعاد الكارثة التي تطحننا وبأسبابها وكل بما يترتب على استمرارها. ومن نحتاج إليهم في هذا الوقت ولهذا الأمر: موجودون محجوبون، حاضرون مغيبون، يعج بهم الواقع المعيش ويحجبهم الوهم والخوف وطلب السلامة التي لا تتوفر لهم، وهم يدبون على الأرض دبيب الحياة في الجسد الحي وتدب بينهم الفتنة دبيب النمل في بيوتها وعلى طرقات رزقها.. فيخشون من ينبغي أن يخشاهم وينسون أنهم ملح الأرض وماؤها وأنهم القدرة على لجم العصاة ورجم الطغاة وإقامة صروح الحضارة في الحياة..!! سوريون على مستوى الأزمة والمحنة والمهمة، هذا ما نحتاج إليه اليوم وليس وجوه الشوم وأحداق البوم وعناترة البغي وحملة أدوات الموت وناشري الرعب وريح الفتنة وأنواع البغضاء في كل الأرجاء..!! سوريون على مستوى الوعي والرسالة والمهمة هذا هو المقدم اليوم على كل ما سواه، يقفون بوجه القتل والإرهاب والتآمر والظلم والاستبداد والفساد والعملاء والجهل والجهالة والجهلاء، وبوجه الطائفية القبيح والمذهبية الأقبح والعرقية التي هي خارج ما قدر الله وخلق ولطف، فالناس سواسية ومن ذكر وأنثى ومن..”.؟! ما نحتاج إليه سوريون يضعون حداً لتفعيل الموت بوجه تفتح الحياة، ويحدّون من فعل حمَلَة السلاح على من ينبغي أن يكونوا إخوة في السلاح، ويقفون في كل طريق ومفرق وخندق وساح لكل من يرى أنه منتصر على الشعب والوطن بالشعب والوطن، وكل من يرى أنه منتصر بالموت على الحياة ولا ينصر الحياة على الموت العبثي الذي يجتاح القرى والمدن وتفوح منه روائح الحقد والوحشية والإثم، ويمهد الطريق لمزيد من الموت والدم والإجرام والإثم والدمار.. ولكل ذلك الفعل المدان الذي حصد من أبناء سوريا وأبناء الأمتين العربية والإسلامية، في حرب همجية عبثية مستمرة، ما لو ذهب ربع عدده من الضحايا والجرحى والمعوقين والمشردين من أجل فلسطين وعلى طريق تحريرها وتحرير ما يحتله العدو الصهيوني من أرض وإرادة وقرار، لتغيرت الموازين والمواقف والآفاق، ولتغير الوضع فيها لمصلحة أهلها الأصليين، الشعب الفلسطيني الجبار بتضحياته الكبار، ولما جرؤ اليهود العنصريون القذرون على قتل جيل من أهلنا هناك بعد جيل، وضم أرض من أرضنا المقدسة بعد أرض .. وها هم اليوم يعملون على ضم ضفة نهر الأردن الغربية التي تمثل أرضها 25% من مساحة الضفة الغربية، وتمثل أكثر من تلك النسبة بكثير في نسب المياه والخصوبة والزراعة والإنتاج الزراعي.. إلخ، تعمل على ضمها إلى ما يسمى “إسرائيل”، بغطرسة مجرمين عنصريين وعنجهية لا مثيل لها في التاريخ .. ولتغيرت بذلك النظرة إلى الأمة العربية كلها بين الأمم، وإلى حقها في فلسطين بين الحقوق المضاعة في أروقة مجلس الأمن والأمم المتحدة؟!., نحن نحتاج اليوم إلى سوريين تهمهم سوريا وما تمثله عبر تاريخها الوطني ـ القومي ـ الاجتماعي ـ الروحي ـ الحضاري الطويل، من قيم ومواقف وثوابت وأصول.. وليس إلى سوريين مغامرين ومقامرين ومتكالبين على المنافع والمفاسد، يهتمون بمن يحكم وإلى أي مذهب ينتمي من يحكم، وبأي فريق ينتصر على فريق في الحرب المجنونة المذمومة الدائرة في الوطن وعليه وضد أبنائه وكل ما فيه، وكل ما يمثله للأمة العربية في تاريخها وللإسلام في أمجاده .. فأين أولئك السوريون المنشودون الذين يحتاج لهم الشعب ويتعطش لقدراتهم الخلاقة وطن هو وطن حضاري ثانٍ لكل إنسان؟ ولمَ لا يظهرون براياتهم البراقة وشعاراتهم المتألقة وجموعهم الباهرة ونداءاتهم القاهرة بقوة قصف الرعد يقولون قولتهم باسم الوطن وباسم حبه وحب الآخر الشريك فيه، شراكة الوجود والمصير عبر الشرط الإنساني والمصير الإنساني..؟!
لا ينبغي أن ينتظِر أولئك المنشودون الموجودون أن يتوفر المناخ الملائم لظهورهم لكي يظهروا بل عليهم أن يخلقوا ذلك المناخ بظهورهم، وأن يشقوا التربة القاسية كما تشق البذرة الخلاقة تربة الأرض لتظهر وتكبر وتزهر وتثمر، فتسر الناظرين وتطعم الجائعين وتسبح بحمد الله خالقها وناذرها لما هي عليه ومن أجله..!! إن على أولئك السوريين أن يظهروا ليوقفوا القتل وكل أنواع العنف والشر والبؤس، ليخرسوا الرصاص، وينطق العقل، وتعرِّش الحكمة، ويقبع صغار النفوس ومن يفتك بهم الصَّغار في مواضعهم المناسبة لهم من دون تطاول.. إن عليهم أن يظهروا صفوفاً متراصة بعد صفوف متراصة، يغص بها المدى الواسع في أفق الوطن الرحب وأن يكنسوا اللصوص والانتهازيين والخونة والمأجورين لينظف الوطن ويطيب العيش في ربوعه، وأن يأخذوا على أيدي الحمقى والفوضويين والمجرمين ليسلم من بقي من الشعب وما بقي من البلد، وليبدأ البناء على أسس صلبة، بعد تضميد الجراح وإعادة المشردين من أبناء الشعب إلى ديارهم، والتلاميذ والطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم، والعقل إلى الرؤوس والاطمئنان إلى النفوس.
لقد طالت المحنة، وطالت الغربة، وطالت المعاناة، وانحط شأن الإنسان منا بين الناس حتى ليخجل من نفسه جراء ما أصاب شعبه ووطنه وأناسه.. ولقد تاجر بالسوريين والسوريات ” القريب والبعيد” حتى ليدمى القلب من القريب والبعيد ويسأل النفس بأي ذنب قتلت وأهينت، ويسأل المسؤول عن الأنفس إلى أين وصلنا ولماذا وما هي ماهية الطريق؟!.. إننا ما زلنا ننزف في القرى والحقول والمدن وعلى أزقة البلدان والشعوب، ولا نعرف متى يتوقف النزف الذي هو سوريا الجريحة وجرح الأمة في سوريا في نهاية المطاف؟!.. ألا فليظهر الخيِّرون من السوريين لتبدأ مسيرة الوعي والأمن والإعمار والكرامة والمساواة، مسيرة المواطَنة المتكافئة، مسيرة الحرية بمعناها الحق ومواصفاتها الوضعية الصحيحة، حيث تنتهي حدودها عندما تبدأ حرية الآخر، وحيث هي محكومة بالمسؤولية الأخلاقية وسلم القيم وسلامة الوطن وبما يتوافق عليه الناس عبر الشرائع والتشريعات على اختلاف مستوياتها!؟ .. ألا فليظهر السوريون المنشودون بمشاعل النور ليبددوا العتمة والظلم ومسارات الفوضى والجهل والغلو والخبث والخوف والإرهاب الأعمى والرعب والدمار، فليظهروا على حساب المذهبيات الضيقة والعصبويات الطائفية والعرقية الملوثة بالدم والمقت، تلك التي تخرِج الإنسان من دائرة العقيدة السمحة، “الإسلام بمعانيه السامية ومبانيه الواضحة”، وتحشره في أزقة التعصب العفنة والتطرف المقيت، وتنتزعه من المدى الإنساني الرحب الذي ارتضاه اللاهوت داراً للبشر كافة لتدخله من أبواب الضيق في المدى الفئوي الانغلاقي الذي ارتضاه أضيق ما في الناسوت من قصور داراً للبشر تعج بالتعصب والشر.
علينا ألا ننتظر أن يهبط علينا الأمن الاجتماعي والسلم الأهلي بحُزم خضراء من السماء، فنحن من يجب أن يسعى ويعمل ويتوكل ويسأل الله العون ليصل إلى ما يريد من أمن وسلم.. لا تنتظروا من جنيف 2، إذا ما انعقد “بعد التي واللتيا واجتماعات الـ هي والأهيا”، توقفاً للحرب المسعورة والإرهاب الأعمى والتطرف المسموم والخطط المدبرة لإضعاف سوريا وتدمير قدراتها على النهوض، فمن يرفعون شعارات تلك الحرب ويضعون تلك الخطط يعبرون عن كيد وحقد لا حدود لهما.. ولا تنتظروا من جنيف 2 سِلماً يمتد مثل الندى في صباحات الصيف فوق الخلق والربوع والزروع فينعش الأنفس ويزود القلوب المكتوية بوهج الجمر بمظلات تقيها بعض الحر، فجنيف2 بوابة من بوابات الأمل والعمل، قد تثمر وقد تتحول إلى مماحكة سياسية مضنية لا تنتهي، وقد يتمنى من يُقبل عليها لو أنه لم يفعل، ومن دخلها لو يخرج منها، ومن يستطيب خبثها لو أنها تستمر الدهر الدهير.. بينما دمنا نحن في الأرض السورية هو الذي يسيل وعيشنا هو الذي يزداد نكداً ومرارة وتنغيصا في كل ساعة من وقت.. ولا تنتظروا من الدول الأخرى، الكبرى والصغرى، أن تبدِّيكم على نفسها ومصالحها، فلكل منها حساباته ولكل منها وسائله للوصول إلى ما يريد، ودمنا نحن السوريين بعض البضاعة وبعض الوسائل سواء أكنا ندري أو لا ندري، نريد أو لا نريد!! وبين تلك الدول من تتداخل حساباته وغاياته وأهدافه مع الأطراف التي تخوض خضم الأزمة السورية ونارها المحرقة، فكيف السبيل إلى خروج من نفق مظلم إلى نفق أقل إظلاماً في هذا المناخ الدولي، ونحن نرى دولاً تقبض ودولاً تدفع ودولاً تسيطر وأخرى تطمع .. وها هو أنموذج ممن يطمع ويقبض ويشعل النار وسيشعلها في عام جديد يحبل بمزيد من الدماء والفتن، ها هو الرئيس الفرنسي هولاند قد قبض ثمن مواقف ماضية وأخرى قادمة، وبين الدول التي ستتقاطر على جنيف 2 من سيقبض ممن يدفعه غيظه إلى أن يدفع ليبلغ مقاصده.؟!.. يا أيها السوريون لا تنتظروا أن تمطر عليكم السماء تفاهماً وسلماً وتعاوناً، فلن تصلوا إلى ذلك ما لم تسعوا إليه بجدية وإخلاص وصدق نية وسلامة طوية وتوكل على الله، وما لم يغير كل منكم ما بنفسه، والله سبحانه يعلم السر وأخفى، وقد قال في كتابه العزيز: {سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (10) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (11) الرعد. وعليكم ألا تتوقعوا ممن باع نفسه للشيطان لقاء دولارات وجنسية أو إقامة أو سلطة زمنية أو.. أو.. أن يلتفت إليكم ويرفعكم فوق نفسه ويعلي مصلحتكم على مصلحته، ولا أن يترك حلفاءه وأمراءه وسادة قراره ومصيره وما استقر عليه أمرهم من خلاله ليمشي معكم، إن تعارضت مصالحكم مع مواقفهم ومصالحهم، فهو ملك يمينهم، ومن يدفع يحكم؟! وعليكم أن تضعوا في اعتباركم أن من ارتكب بحقكم وبحق الوطن جرماً أو إثماً لا يمكنه إلا أن يلتفت إلى ما ينزغه في عمق تكوينه وفي سائر أحشائه، فالخوف سيبقى كامناً في نفسه من جراء ما فعل وما سولت له نفسه أن يفعل، فهو أسير رعب كما كان أسير شهوة ونزوة وثأر .. وهو يعلم أنه يعيش داعياً من دواعي التعصب والتطرف والثأر والسوء وعار ما فعل، ومن ثم سيحسب حساب نفسه وهواجسه وما يشغله، في أي موقع أو مكان كان، ومن ثم يتصرف وفق قاعدة “اللهم نفسي.. اللهم نفسي.”.. لا تنتظروا من أولئك وغيرهم أكثر مما تنتظرون من أنفسكم التي هي أدرى بكم وبما يفيدكم وينقذكم ويقيكم شروركم وشرور الآخرين الذين يتربصون بكم الدوائر.. هذه ليست دعوة إلى الشك المطلق بالآخرين ولا إلى رفض مطلق لهم، إنما هي دعوة للحذر الشديد والعمل الرشيد والأخذ بالحكمة الدارجة المجربة ” ما حكَّ جسمك مثل ظفرك”، ودعوة إلى العمل بأمل ومن دون تأخير.. فكرة النار تكرج، والدم يسيل، والقتل يستحر، والدمار يستمر .. وويل لابن آدم من شرين: شر نفسه وشر الخوف على نفسه، لأنه بذلك يفتح أبواب المحن ولا يغلقها.
والله من وراء القصد.

إلى الأعلى