السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الشفافية والإفصاح والمساءلة ..استلهامات من نهج (قابوس)

الشفافية والإفصاح والمساءلة ..استلهامات من نهج (قابوس)

محمد عبد الصادق

”.. السلطنة كانت من الدول القلائل التي تنبهت مبكراً لوضع آليات للرقابة والمساءلة، فمع إشراقة عصر النهضة المباركة في عام 1970م أنشئت دائرة تدقيق الحسابات بالمديرية العامة للمالية، التي سرعان ما استقلت وأسندت إليها مهمة الرقابة المالية على الأجهزة الإدارية للدولة، ورصد الملاحظات، وإصدار تقارير سنوية، إلى أن صدر مرسوم سلطاني بتحويلها إلى مديرية عامة لتدقيق الحسابات،”
ـــــــــــــــــــــ
يظن البعض أن الحرية الاقتصادية، ومنح الفرصة للقطاع الخاص للانطلاق والعمل بجانب القطاع العام، وترك السوق لآليات المنافسة وسياسات العرض والطلب، تعني غياب الرقابة والمساءلة؛ لكن الواقع عكس ذلك الظن ويجافي هذا الاعتقاد، فالعالم تغير ولم يعد هناك فرق بين القطاعين العام والخاص، في الخضوع لآليات الرقابة على المال الخاص والعام، فدول العالم وضعت أنظمةً وقوانين لرقابة الشركات الخاصة، والتأكد من التزامها بمعايير الإفصاح والشفافية ومن تقديمها ميزانيات حقيقية؛ يظهر من خلالها التزامها بأداء الضرائب وسداد الجمارك، والتزامها بحقوق العمال، والمساهمين، وغيرها من الاشتراطات اللازمة لتلبية معايير السوق النظيف، الخالي من التحايل أو التلاعب بحقوق أيٍ من الأطراف أصحاب المصلحة.
وكلنا يتذكر اعتصامات “وول ستريت” حي المال بأميركا التي اندلعت تأثراً بأحداث الربيع العربي في يناير 2011م ، احتجاجاً على الفساد المتفشي في الشركات الأميركية متعددة الجنسيات، نتيجة التوحش الرأسمالي، الذي أدى لاستفادة شريحة ضيقة من أصحاب الأعمال والمديرين التنفيذيين وموظفي الإدارة العليا بالشركات والبنوك الكبرى، على حساب بقية الأطراف (العمال وصغار الموظفين، وحملة الأسهم والمستهلكين)، وهو الأمر الذي أدى لانهيار البورصات واضطراب الأسواق المالية، وإفلاس مئات الشركات والبنوك الأميركية، وأدى لتسريح آلاف العمال في أميركا في ذلك الوقت، وامتد تأثير الأزمة حينئذِ إلى أوروبا، وافترش الشباب الفرنسي واليوناني والإسباني الطرقات في باريس وآثينا ومدريد في محاكاة للشباب التونسي والمصري للتعبير عن الرغبة في التغيير، والمطالبة بالإصلاح والعدالة الاجتماعية.
هناك واقع جديد يعيشه العالم الآن حتم وجود نظام (للرقابة الذاتية يسمى: الحوكمة) وهي آلية فاعلة تساعد الدول والحكومات في حماية الحرية الاقتصادية وتضبط التنافسية، وتمنع الاحتكار وتحارب الفساد والمفسدين، وهي الآفات التي تهدد البنيان الاقتصادي العالمي، وتدفع كثيراً من الدول للعودة للاقتصاد الموجه وفرض أنظمة حمائية، وتتوسع في الدعم، بل وصل الأمر ببعض الدول للعودة لنظام التأميم والتضييق على القطاع الخاص، تحت ضغط الشارع الساخط على ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وعدم وجود آليات واضحة للمحاسبة ، والرقابة على أداء الشركات وانضباط الأسواق.
والرقابة أو الحوكمة اليوم ليست ترفا أو نظرية فلسفية بل أصبحت ضرورة بقاء لأي كيان اقتصادي يريد النمو والاستمرار فالمستثمرون يسعون إلى الشركات التى تتمتع بهياكل حوكمة سليمة، حتى يطمئنون على نجاح إدارة الشركة داخلياً، و حماية المصالح والاستثمارات المالية للمساهمين مع وجود الشفافية والإفصاح الكامل عن كل ما يتصل بنتائجها المالية فى الوقت المناسب لتفادى الأزمات المالية الناتجة عن الفساد وسوء الإدارة.
والسلطنة كانت من الدول القلائل التي تنبهت مبكراً لوضع آليات للرقابة والمساءلة، فمع إشراقة عصر النهضة المباركة في عام 1970م أنشئت دائرة تدقيق الحسابات بالمديرية العامة للمالية، التي سرعان ما استقلت وأسند إليها مهمة الرقابة المالية على الأجهزة الإدارية للدولة، ورصد الملاحظات، وإصدار تقارير سنوية، إلى أن صدر مرسوم سلطاني بتحويلها إلى مديرية عامة لتدقيق الحسابات ، وفي 22/11/1999م صدر مرسوم سلطاني بتعديل المسمى إلى جهاز الرقابة المالية للدولة كجهاز قائم بذاته، ويهدف الجهاز إلى حماية الأموال العامة للدولة والأموال الخاصة التي تديرها أو تشرف عليها، والتثبت من مدى ملاءمة أنظمة الضبط والرقابة الداخلية وسلامة التصرفات المالية والإدارية.
كما يقوم الجهاز بالتأكد من عدم وجود تضارب للمصالح ومنع المخالفات المالية والإدارية، وبيان أوجه النقص أو القصور التشريعي، واقتراح وسائل علاجها، بالإضافة للتأكد من الالتزام بمعايير الشفافية والإفصاح في التصرفات المالية والإدارية، كما يقوم الجهاز بالرقابة الوقائية والتأكد من حسن سير العمل وفقاً للقوانين واللوائح المنظمة.
وفي 9نوفمبر 1998م أنشئت الهيئة العامة لسوق المال، وهي جهة حكومية تشريعية ورقابية وتنظيمية تتولى مهمة الإشراف على بورصة الأوراق المالية والتأكد من التزام الشركات المدرجة في سوق رأس المال بمعايير الإفصاح والشفافية، وتتولى الهيئة منح التراخيص والإشراف والرقابة على شركات المساهمة العامة والشركات العاملة في مجال الأوراق المالية وشركات التصنيف الإئتماني، كما تقوم الهيئة بالإشراف على قطاع التأمين بالسلطنة.
وقد أكد جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في أكثر من مناسبة على أهمية الرقابة والمساءلة في بناء الدولة، فبمناسبة الانعقاد السنوي لمجلس عمان في 11/11/2008 قال ـ أعزه الله:( وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لما كان الأداء الحكومي يعتمد في إرساء وترسيخ قواعد التنمية المستدامة على القائمين به والمشرفين عليه فإن في ذلك دلالة واضحة على مدى المسؤولية الجسيمة المنوطة بالموظفين الذين يديرون عجلة العمل في مختلف القطاعات الحكومية. فإن هم أدوا واجباتهم بأمانة وبروح من المسئولية بعيدا عن المصالح الشخصية سعدوا وسعدت البلاد. أما إذا انحرفوا عن النهج القويم واعتبروا الوظيفة فرصة لتحقيق المكاسب الذاتية وسلما للنفوذ والسلطة وتقاعسوا عن أداء الخدمة كما يجب وبكل إخلاص وأمانة فإنهم يكونون بذلك قد وقعوا في المحظور ولابد عندئذ من محاسبتهم واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة لردعهم وفقا لمبادئ العدل الذي أرسينا عليه دعائم الحكم والتي تقتضي منا عدم السماح لأي كان بالتطاول على النظام والقانون أو التأثير بشكل غير مشروع على منافع الناس التي كفلتها الدولة ومصالح المجتمع التي ضمنها الشرع وأيدتها الأنظمة والقوانين ومن ثم فإننا نؤكد على أن تطبيق العدالة أمر لا مناص منه ولا محيد عنه وأن أجهزتنا الرقابية ساهرة على أداء مهامها والقيام بمسئولياتها بما يحفظ مقدرات الوطن ويصون منجزاته).
فقد وضع جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ إطارا واضحا لآليات الرقابة والمحاسبة للأجهزة الحكومية ووضع أساسا متينا للإدارة الرشيدة، وبين مساوئ الانحراف والوقوع في (المحظور) ـ ويندرج تحت هذه الكلمة كل مظاهر الفساد المالي أو الإداري وإهدار المال العام والتربح من الوظيفة أو المنصب أو استغلال النفوذ وحرص جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ على وجود أجهزة حقيقية للرقابة والمحاسبة وتفعيل الإجراءات القانونية لمعاقبة المقصرين والفاسدين وهو ما يتطابق تماما مع المبادئ التي تقوم عليها أنظمة الحوكمة والمساءلة ، وتسعى لتحقيقها منظمات الإفصاح والشفافية الدولية.

إلى الأعلى