الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نصان من مسرح الالتزام والأيديولوجيا

نصان من مسرح الالتزام والأيديولوجيا

علي عقلة عرسان

” يروي أربوزوف في مسرحيته “المطر والحياة” قصة شابين، يجسم من خلالهما طموح الشباب، وتسابقهم لخدمة الجماعة، وللتفوق العلمي، وتحقيق مستوى أفضل في جميع جوانب الحياة الخاصة والعامة.. وعلى الأخص في مجالات الإنتاج، وعلاقات الفلاح بالأرض والمحصول، وعلاقة الإنسان بالإنسان.”
ــــــــــــــــــــــــ

يعتبر ألكسي أربوزوف من أشهر كتاب المسرح في الاتحاد السوفييتي السابق، بدأ الكتابة للمسرح في ثلاثينيات القرن العشرين، وقد جهد كثيراً لتجديد المسرحية الحديثة، وهو صاحب هوايات منها: أنه لا يفوّت أي مباراة رياضية، ويحب الجمال الجسماني والروحاني.
يقترب مسرح أربوزوف من مسرح تشيخوف، حيث أن الجو العام في مسرحه لا يقل أهمية عن الحوادث المسرحية التي يقدمها تشيخوف، وهي ميزة مشتركة بين مسرح المؤلفين. من مسرحيات أربوزوف: “تانيا”، وقد كتبها عام 1939 وهي مسرحية شعبية جداً، ومنها أيضاً مسرحية “قصة في أركوتسك 1959″، و”مارا الطيبة كتبها عام 1964، و” المطر والحياة”، و” أنشودة لينينغراد”.
قصة مسرحية أنشودة لينينغراد بسيطة وإنسانية. ففي أثناء حصار المدينة التي حاصرها الألمان في الحرب العالمية الثانية، تحطمت البيوت، وقل الزاد بل أصبح نادراً، ولم يعد في المدينة أثر يشجع على الحياة، ولا دوافع للعيش والبقاء سوى إيمان الإنسان بضرورة الصمود والمقاومة والتحدي من أجل البقاء والحياة الكريمة والتصدي للعدوان.
وبين أنقاض المدينة المهدمة، نتعرف على بعض العناصر من الشباب: فتاة لجأت إلى بيت أقل تهديماً من غيره، وبدأت تحرق أثاثه لتدفع عنها غائلة البرد، يلفها الخوف والحزن والوحدة، وفي غمرة أحزانها يدخل إلى قلب عزلتها شاب، هو أحد أفراد الأسرة التي كانت تسكن البيت الذي لجأت إليه. يتعرف على الفتاة.. تنشأ بينهما علاقة إنسانية تنقلب إلى حب.. ولكن الصديق مارات الشاب يميل إلى الكذب، وإلى تصور حوادث البطولة، ونظرته الصبيانية تجعل الأمور معقدة أحياناً. وينضم إلى هذا الثنائي شاب آخر، يميل إلى نظم الشعر، ويعتقد أنه سيوفق في ذلك ويصبح شاعراً. يشاركان في الحرب.. ويعود مارات، بعد أن حقق انتصارات كثيرة، ليجد أن صديقه الشاب الشاعر قد تزوج الفتاة التي أحبها هو، وأنه أي الشاعر، بدأ بنشر أشعار له بعد أن فقد في الحرب أحد ذراعيه وأصبح محل عطف الفتاة وليس موضع حبها الأول. وعلى المدى تكتشف الفتاة أنها لا تعيش حياتها فعلاً مع زوجها الشاعر الفاشل، وأنها تحب مارات، ولكن هذا الحب يصطدم بالزوج الذي تستدعي حالته الرثاء، ويستحق العطف.
وتبدأ معاناة الأطراف الثلاثة من هذا الوضع.. وأخيراً يقرر الزوج – بعد أن اكتشف حب الفتاة لصديقه مارات ـ يقرر هجر بيت الزوجية وترك الفتاة لمارات الذي يحبها فعلاً وتحبه.
إن العطف والتضحية يقدمان مساعدات كثيرة، لكنهما لن يصنعا السعادة الزوجية والحب بمعناه العميق.
في المسرحية نفس إنساني إيجابي، وفيها فرحة ترتفع وسط الخراب ودمار الحرب وإفلاس الكثير من النفوس .. وفيها تصوير لقدرة الإنسان على الحياة والحب والفرح، حتى وسط القنابل المتساقطة، والظروف السيئة، وفيها تأكيد على قدرة الإنسان غير المتناهية على أن يحول كل شيء إلى صالح الإنسانية وخدمتها، إذا صفا ذهنه وصحت عزيمته، واستخدم إرادته بإيمان.
إن قوة الحياة تتفجر وسط الظلام والدمار والحصار والطقس السيئ، لتؤكد قدرة الإنسان على أن يحول كل شيء إلى صالحه.. يرقص الإنسان وسط الحرب والخراب، ويستطيع أن يبتسم بثقة، وأن يتفاءل لأن المستقبل ملكه وهو من صنعه.
أما مسرحية آربوزوف المطر والحياة فمعظم حوادثها تدور في المزارع الجماعية، وتصور نضال المثقفين الشباب في تلك المزارع من أجل تحقيق انتصارات على الطبيعة، وفي الأرض، وداخل نفوسهم.. للوصول إلى حياة أفضل، وإنتاج أغزر، وعلاقات اجتماعية تضع الواجب في المقام الأول، وإلى أفراد مجتمع يقدمون العمل ومصلحة الوطن والجماعة على كل الاعتبارات الذاتية، والمصالح الخاصة، والنزوات العابرة، والعواطف الفردية والأنانية التي تتورّم أحياناً فيتورم معها الأشخاص ويصبحون عبئاً على سواهم بصورة ما.
يروي أربوزوف في مسرحيته “المطر والحياة” قصة شابين، يجسم من خلالهما طموح الشباب، وتسابقهم لخدمة الجماعة، وللتفوق العلمي، وتحقيق مستوى أفضل في جميع جوانب الحياة الخاصة والعامة.. وعلى الأخص في مجالات الإنتاج، وعلاقات الفلاح بالأرض والمحصول، وعلاقة الإنسان بالإنسان.
جرمان مهندس زراعي شاب، تخرج حديثاً من الجامعة، وله ميول ومواهب واضحة في ميدان الاختراع، وهاهي تانيا الطالبة في كلية الطب تترك دراستها لتصبح شريكة له في حياته، تقاسمه أتعابه وتشاركه العمل، وتقدم له قلبها وجهدها وحياتها، يدفعها إلى ذلك حبها الكبير له، وإعجابها الذي لا يحد بمواهبه، وثقتها بأنه لا بد أن يحقق شيئاً في مجال الاختراع. ولكن قلب جرمان متعلق بالاختراع، وبتحسين وسائل الإنتاج وأدوات العمل في المزارع الجماعية، ومتعلق أيضاً بماريا، إحدى مديرات المزارع الجماعية، حيث أحبها وتعلق بها أكثر من تانيا.
وتستمر تانيا في إنكار ذاتها، وتتفانى في تقديم كل عون لجرمان كي يصل إلى اختراع جديد، إنها تؤمن بمواهبه وتجعل من حياتها وطموحها ومواهبها كلها خادماً لموهبة جرمان، حتى تظهر نتائج عمله إلى الوجود، ففي ذلك خدمة للجميع. ويكمن وراء تصرفها وسلوكها حب عنيف تكنه لذلك المهندس الشاب، ضعفت أمامه الغيرة وكل العوامل المعطلة الأخرى.
ويتوصل جرمان إلى وضع تصميم “لحصّادة”، وترسم تانيا التصميم بكل ما تملكه من قدرة في الرسم. ويقدم التصميم إلى مجلس إدارة المزارع الجماعية، وينتظر جرمان وتانيا على أمل أن ينجح التصميم ويفوز بموافقة المجلس.
وتساهم “ماريا”، رئيسة إحدى المزارع الجماعية، الفائزة بالجائزة الأولى في إدارة المزارع، تساهم في دعم جرمان الذي لم يكن يخفي عنها حبه لها وإعجابه بها. وعندما يفوز التصميم الذي وضعه جرمان لآلة الحصاد بموافقة المجلس، ويتقرر أن تجرى التجارب العملية على الحصادة في مزرعة “ماريا”، يقيم المهندسون والعمال الزراعيون في المزرعة حفلاً صاخباً احتفاء بجرمان ونجاحه الباهر. وفي الحفل يلقي أحد زملاء جرمان كلمة يهنئه فيها، ويلقي جرمان كلمة يعترف فيها بأفضال “ماريا” ويتوجه بالشكر لها وحدها، وهنا تحس تانيا زوجته بأنه طعنها في الصميم، وبأنه لا يشاركها حياته فعلاً، وبأنه لا يحبها مطلقاً. فقد ضحت بكل شيء في سبيل خدمة مواهبه وإبرازها، وتركت الدراسة من أجله، وكرست نفسها لخدمته، لكنه لم يعترف حتى بجميلها عليه وتعبها معه.
وتسمع في أثناء وداع جرمان لماريا حديث إعجاب، وغراماً يبثه جرمان لماريا، مبدياً استياءه من أن تانيا تركت دراستها وأنه لا طموح لديها.. فتقرر تانيا أن تترك جرمان، وأن تعود إلى الدراسة، وتحيا حياتها الخاصة.
وفعلاً تترك البيت، وتكون حاملاً من جرمان من دون أن تخبره بالأمر، وتقوم بالدراسة والعمل في الوقت ذاته، وتعيل الطفل الذي وضعته بعد فترة، وتتابع دراسة الطب في ظروف قاسية جداً، حتى تحصل على الشهادة. أما جرمان فيتزوج من ماريا ويعملان في مزرعة معاً.
ويصاب ابن تانيا بالتيفوئيد، ولا تجدي عنايتها به شيئاً، فيموت الطفل، ويترك هذا الحادث أثراً مؤلماً وعميقاً في نفسها الطبيبة.. فقد كانت تعلق آمالاً كباراً على هذا الطفل، وتفكر بأنه سيعيد إليها جرمان، أو بأنه على الأقل سيسد فراغ حياتها من بعده. وينقلب حزنها العميق إلى ثورة إيجابية بناءة، فها هي تتحدى كل هذه العقبات والصعاب، وتجتهد كي تنتصر على جرثوم التيفوس، لتخلص كل الأطفال والمرضى من شره، وتمنحهم حياة آمنة من هذا المرض. إن حزنها على ابنها يوركا يتحول إلى دأب، وعمل، وسعي لإتقان علوم الطب، وللتغلب على كل أنواع المرض، إن هي استطاعت.. إنه التحدي الإيجابي الذي تغلب على القنوط.
وتختار تانيا، بعد تخرجها أن تخدم في إحدى المزارع الجماعية كطبيبة، وتقضي معظم وقتها في تقديم العون للمرضى، لا يعيقها عن ذلك إرهاق أو جو سيئ، أو ألم دفين. وتتعرف في المزرعة التي تعمل فيها على ألكسي الذي يعجب بها كثيراً، ويبدو لها كنجم في سماء حياتها ظهر بعد طول ظلام، ولكنها تحاول أن تغالب عواطفها، وأن تستمر في خدمة الأطفال والمرضى.. والحقيقة أن حب جرمان ما زال شمعة تحترق في قلبها، أو تحرق كل جنين لحب سواه.
وتدعى في أحد الأيام إلى معالجة طفل في مزرعة مجاورة، ويكون هذا الطفل هو ابن جرمان واسمه يوركا أيضاً. وتلتقي بجرمان بعد غياب طويل، وتدرك كم يحب طفله وزوجته ماريا، فتفقد الأمل في أن تستعيده، وتقرر أن تتزوج ألكسي، لتقضي على وحدتها وتخدم الحياة ونداء الأمومة في داخلها.. فتنجب، وتعتني بالصغار، وتقدم حبها لرجل في مزرعة جماعية تنتج، وتتعاون فيها المعارف والطاقات والقوى والقلوب والإرادات على تحسين وسائل الإنتاج وزيادته، وعلى تمتين الارتباط بالأرض وخدمتها، كي يفيض عطاؤها على الإنسان خيراً وفيراً.
إن أربوزوف يعطينا مثالاً نادراً للتضحية والطموح الخلاق الذي يحول الصدمات العاطفية إلى تحديات إيجابية تستنفر في النفس البشرية طاقات العمل، لتحسين المستوى الاجتماعي والاقتصادي والخلقي للإنسان، وتساعده على تصعيد غرائزه حتى تصبح طاقات ابداعية فعالة تقدم للإنسانية جمعاء خدمات في ميادين الطب والهندسة والزراعة والإنتاج.
إن تانيا في مسرحية “المطر والحياة”، تعطي صورة مشرقة للفتاة التي جعلت من موضوع حب فاشل وعلاقة زوجية متصدعة.. منطلقاً لبناء الذات، والتغلب على بؤس العاطفة، وأنموذجاً لتصعيد الغرائز البشرية للوصول إلى أهداف ونتائج طيبة، تحقق للإنسان تقدماً وخدمات عظيمة.
لقد ذابت الفردية في إطار الجماعة، ولم تلجأ تانيا إلى المكيدة، ولم تنطو على نفسها فتصبح عالة على المجتمع، مريضة الروح مشلولة القوى، تعيش قصة أحلام بعيدة المنال، وتحقق في الخيال والحلم ما لم تستطع أن تحققه في الواقع.. بل عرفت طريق الإبداع والحب الحقيقيين، وأهمية العمل، فأنتجت، وأحبت شعبها، وأطفال الناس، وأرضها.. فسَمَت نفسُها واهتدت إلى طريق العمل، فأوصلها ذلك إلى حب قوي سليم ودائم، واهتدت أيضاً إلى العلم، فحققت عن طريقه سعادة دائمة، وراحج داخلية، وإنتاجاً يضمن للإنسان حياة أفضل.
إن آربوزوف يقدم بطولة مسرحية إيجابية، كانت مما يستحبه المجتمع، وتؤكده الأفكار السائدة، وتض عليه السياسة.. ولكن المعالجة العامة للموضوع، لا سيما من حيث التكوين النفسي والروحي للإنسان تتسم بمثالية فائقة، أما المعالجة الفنية فقد جعلت المؤلف يفتعل حوادث أحياناً ليصل بشخصياته إلى ما يفرضه عليها وليس إلى ما يُفترَض أن يقوده إليها بناؤها الفني. أما حوار آربوس فيبدو خالياً من لمسات روحية وفكرية عالية، ويعكس حركة النص التي يشوبها نقص في الاقناع، التزاماً بواقعية كانت تطلب ذلك وتتطلبه، وبأيديولجية ذات هيمنة على الإبداع وحرية التفكير والتعبير، وأدب ملتزم ينبغي أن يحقق معايير الواقعية الاشتراكية، التي ترى أن الإنسان خيِّر بالطبيعة ولكن الظروف والواقع والوقائع قد تنمي الشر والمرض في نفسه، بعكس الواقعية الغربية التي كانت ترى أن الإنسان شرير بالفطرة ولكن الواقع والقوانين والمجتمع يحدان من شروره.. وهو ما مثلته آراء الفيلسوف البريطاني هوبز، في تلخيص مكثف يقول: “الإنسان للإنسان ذئبٌ ضارٍ”.

إلى الأعلى