الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مخاض الأمم

مخاض الأمم

بما أن الشعوب مجموعات من البشر تحمل حركتها وتطورها بعض خصائص تطور الانسان كوحدة أساسية في تكوين الأمم. وفي حركة تطور البشرية عبر التاريخ يمكن ـ ولو ببعض التعسف ـ المقارنة مع حياة الانسان الفرد. مثال على ذلك ما تشهده بعض الدول العربية الآن من تطورات في إطار عملية تغيير بدأت قبل ثلاثة اعوام ويتوقع أن تستمر لمدة مثلها وربما أطول قليلا. وحتى لا يبدو الكلام مرسلا ونظريا تماما اقرب الى لغو الحديث، نشير الى ان منطلقنا هنا هو الحديث عما يجري في مصر والى حد ما تونس ايضا.
تسود الشارع المصري حالة من الاحباط المفهوم في فترة ما بعد حكم الاخوان، الذي لم يستمر بدوره طويلا، وتتويجا لفترة من “الميوعة” التي اعقبت الاطاحة بالرئيس لمصري الاسبق حسني مبارك في احتجاجات شعبية. وبعد اكثر من ثلاث سنوات الان، كانت الأغلبية من المصريين ممن فرحوا بالتغيير ـ سواء شاركوا فيه أو أيدوا الشباب الذين فجروا شرارته أو فقط انتظروا ما سيسفر عنه ـ تنتظر النتائج وتترقب ان تنعكس ايجابا على احوالها المعيشية. وربما كان الفصيل الأخير، الذي اصطلح في مصر على تسميته “حزب الكنبة”، الأكثر احباطا الآن رغم أنه لم يكن “منفعلا” تماما بعملية التغيير.
يشبه التاريخ المعاصر في مراحله المختلفة مراحل العمر، من طفولة وصبا إلى شباب وشيخوخة، دون ان يعني ذلك في مسيرة الأمم الوصول إلى وفاة فدورة حياة تسلم لأخرى مع احتمالات تداخل أحيانا. واذا اجتزأنا عملية التغيير التي تشهدها بعض دول المنطقة ومنها مصر في الأعوام الأخيرة فيمكن تشبيهها بعملية الولادة. وقد شهدت مصر في السنوات الأخيرة من حكم مبارك مقدمات الولادة من تقلصات متعبة جدا. لكن مخاض الأمم ليس كالبشر الفرادى، بل تتخلله انقباضات وانبساطات وتعب يؤدي إلى خمول ثم حمية دفع ـ حتى لو كانت الولادة طبيعية سلسة. أما إذا تعسرت، وهي في حالة مصر متعسرة ربما أكثر من تونس، فقد يشهد مخاض الأمم ما يشبه حمى النفاس وغيرها مما يحتاج إلى علاج، أو على الأقل راحة وسكينة حتى تستعيد الأمة العافية.
مشكلة المخاض المصري انه يأتي بعد فترة متأخرة، وكأنما اقتربت الأمة من “سن اليأس” عندما قرر نفر من ابنائها أن يغيروا حالهم للأفضل. ولأن الأغلبية من الناس في مصر تعودت في العقود الأخيرة على الانسحاب شبه التام من الحياة العامة وربما الاستكانة “لقضاء الله وقدره”، فلم يكن المخاض سهلا منذ البداية لأن كثيرا من “عضلات” الأمة ظلت “مرخية”. ولما وقع الواقعة، وتنحى رأس النظام اثر انهيار أجهزة الأمن التي كانت عماد الحكم، اشتدت كل همم الأمة متفائلة بتحسن أوضاعها. لكن احدا لم يكن مستعدا للاعتراف بوهن الجسد وقلة الحيلة وتردي الوضع العام ومناخ الولادة اجمالا. لا غرابة في شعب أغلبه منسحب ألا يتقدم لتحمل مسؤولية “التوليد”، لكن المشكلة وقد بدأ المخاض ان يستمر بتلك الحالة التي لا تساعد اطلاقا على سلامة العملية والخروج من تعبها حالة تسمى بالاستمرار.
يحتاج “وليد التغيير” إلى كل جهد، وإذا كان البعض تلقفه بالبخور والشعوذة حتى كاد يخنقه، فإن روح المستقبل في بقية الشعب المصري أنقذت الوليد. لكنه زاد وهنا على وهن، ويحتاج الآن إلى جهد أكبر كي ينتهي المخاض بسلام. تحتاج مصر إلى أكثر من رئيس قوي أوم حقن تقوية اقتصادية. تحتاج إلى إرادة للاستمرار والنمو وعزيمة على الشفاء والتحسن. وإذا كنا لا نملك ـ أقصد هنا الأغلبية المنسحبة الطابع ـ لا نعتبر أنفسنا طرفا في كل جهد المخاض الرئيسي، فعلى الأقل لنعضد من روحنا كي يتحمل باقي الجسد/الشعب عبء النهوض. وهنا يصبح اليأس والإحباط مرادفا للضغط على المريض كي يموت.
طبيعي أن هذا طموح لا يمكن الحديث عنه في خضم صراعات السياسة وبينما “حراك” التغيير يعتمل في المجتمع، لكنه في الوقت نفسه عامل مهم يتحمل عبأه من يقومون بأي دور له تأثير في الرأي العام. وللأسف الشديد، ليس في الإعلام المصري بمختلف مستوياته من يدرك ذلك أو يتعامل على اساسه. فشحنات التثبيط والتيأيس من التي يتلقاها المصريون من أنصار الإخوان ومعارضي الحكم الأسبق وما يتبعه تضاف إلى رد الفعل العكسي على محاولات إعلام تعبوي يسعى للترويج لوهم الإنجاز بمجرد الخلاص من آفة حكم الإخوان. ويقع القطاع العريض من الناس في مصر بين فكي هذا الشحن والشحن المضاد، ما يزيد من تعقيدات وضع المخاض غير الصحي تماما من الأساس.
يصعب مطالبة الإعلام في مصر الآن، في ظل حالة الاستقطاب المرضي التي يعيشها منذ يناير 2011، بالحياد والموضوعية وغير ذلك من المعايير المهنية. لكن على الأقل مراعاة حالة المخاض التي تمر بها البلاد في ظل ظروف ليست باليسيرة على أقل تقدير، فرفقا بالأمة وبمستقبلها الوليد.

د. أيمن مصطفى
كاتب وصحفي عربي

إلى الأعلى