السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: ثورتان هزتا العالم

باختصار: ثورتان هزتا العالم

زهير ماجد

أحدثت الثورة البولشفية في مطلع القرن العشرين هزة عالمية، ساعدتها الحرب العالمية الثانية على ان تحول روسيا إلى اتحاد سوفياتي ثم تمددت باتجاه اوروبا فخلقت لها قاعدة عريضة دعيت بحلف وارسو، ومالبثت ان صارت قوة عظمى عاشت بعدها في سياستها الدولية على الحرب الباردة التي لم تكن حربا ولم تكن سلما، لكنها وصلت في نهاية المطاف إلى ان اصبحت مثار نقاش بين مؤيدين.
اما الثورة الإيرانية فقد جاءت في توقيت لم يكن متوقعا، استطاعت الكاسيتات ان تنشب كلمات الخميني في قلب حكم الشاه الذي لم يجد له مكان يعيش فيه يوم سيطر اعوان الخميني على الحكم. وبذلك دخلت التاريخ اول تجربة اسلامية في الحكم في العصر الحديث، وكان على العالم ان يتقبلها فلم تستطع سيدته الولايات المتحدة هضم التغيير والمغيرين فكانت القطعية وكان الحصار الذي لم تنتفع فيه اميركا، بل ادى إلى جمهورية اسلامية قوية البنيان متراصة تعوم على العلوم وتنجح في تجربة التسيير الذاتي التي تفوقت على يوغوسلافيا في عز قوة تسييرها الذاتي وعلى الجزائر التي فشلت فيه …
بعد خمس وثلاثين سنة من عمر ايران الاسلامية ثمة تبدلات جمة احدثتها في السياسة الدولية العالمية .. فبقدر ما اقتربت إلى حد التلاصق بالقضية الفلسطينية، اوجدت لها فهما جديدا لمعادلة الصراع مع اسرائيل كأن تجعل له نواة اسمه حزب الله، ثم بنية مؤلفة من سوريا كقاعدة له، لكن الفكرة حوربت منذ مطلعها عبر الحر مع العراق والتي استمرت ثماني سنوات تجرع فيها السم الخميني حين اعترف بالهزيمة كما قال .. وكان على المنتصر العراق ان يغرف من انتصاره صورة قدير في المنطقة الا أنه انهمك بجو آخر حين اجتاح الكويت فأسقطته اللعبة الدولية، وعليه كان على الجمهورية الإسلامية ان تعيد بناء عالمها المحاصر بقوة ذاتية أوجدت له قاعدة علمية متقدمة وصورة اقتصادية ليس فيها اي تشويش كما حصل للزعيم الكوبي فيدل كاسترو في بداية الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة عليه.
ليس جديدا القول ان المتغير الايراني اوجد حراكا في منطقة الخليج، ثم في منطقة الشرق الأوسط، واعطى مكانة لمشروعه السياسي الذي كانت وجهته اسرائيل وشعاره زحفا نحو القدس، وقد فهم الاسرائيلي ذلك الموقف منذ لحظاته الاولى، وتعمق في حروبه المتواصلة مع حزبه الله وتم تثبيت الفكرة نهائيا بعد حرب العام 2006 .
كانت الثورة الايرانية بمثابة زلزال لم تتوقف ارتداداته في محيطه خصوصا والعالم عموما الذي جاهر إلى جانب الولايات المتحدة وماشاها في خياراتها ازاءه .. وحين انعدمت الوسائل لم يكن هنالك بد من خيار تغيير الأسلوب الغربي معها، خصوصا عندما ثبت لهذا الغرب ان ايران النووية ليست إلا من اجل التكنولوجيا، وانها لو ارادت سلاحا نوويًّا لاشترته من السوق الذي كادت فيه الفوضى قد ضربت ضربتها بعد انهيار الاتحاد السوفاتي او ربما من خلال تجربة كوريا الشمالية.
لأول عام منذ قيام الجمهورية الإسلامية الايرانية يشعر الايرانيون انهم كسبوا معركة النووي وحققوا خروجا على الفهم الغربي له .. بل انهم نحو فكفكة الحصار الذي أضر كثيرين فيما قدم النفع لها .. لقد صار هذا الحصار بالنسبة إليها نعيما لتقدم تجربتها الذاتية، تماما كما فعل ستالين حين نفذ الجدار الحديدي على دولته فجعلها بعد مدة دولة عظمى.
سوف لن يتوقف المشروع الايراني السياسي مهما حصل وتبدل، هو صنع لأبعد من لحظته ومن سنواته ومن مكانه، وسيظل قائما رغم أفقه الصعب، لكنه يمتلك دائما المحاولة التي هي خير من الصنمية.

إلى الأعلى