الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: على القاهرة ودمشق وبغداد رايحين .. شهداء بالملايين

شراع: على القاهرة ودمشق وبغداد رايحين .. شهداء بالملايين

خميس التوبي

في الحادي عشر من فبراير عام 2011م بتنحي الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك نتيجة الضغط الشعبي ورضوخ المؤسسة العسكرية لمطالب الشعب المصري، ومقتل الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي في العشرين من أكتوبر من العام ذاته، كانت الصورة ـ في الحقيقة ـ لا تزال تغطيها غشاوة نتيجة للدور الذي لعبته الماكينات الإعلامية الحاملة والموالية لمشروع إعادة تقسيم المنطقة في غسل الأدمغة للرأي العام العربي وتغييب الوعي العربي، وزرع الوهم في مخيلة السواد الأعظم من المواطنين العرب بأن ما سمي كذبًا “الربيع العربي” بدأت أزهاره تينع وثماره تدنو، وأنه سيكون فتحًا مبينًا على الأمة العربية وعلى الشعب الفلسطيني خاصة، وأن طريق عودة القدس وأقصاها الشريف أصبحت ممهدة، وأن الأماني والشعارات “على القدس رايحين .. شهداء بالملايين” والتي كانت تدغدغ الأحلام إلى حقيقة واقعة.
إلا أن أمة العرب وهي تدلف اليوم إلى العام الثالث على “ربيعها” المفترى تكتمل أمامها كل أجزاء صورة هذا “الربيع” لتصحو على واقع مرير وصادم ومغاير تمامًا نصًّا ومضمونًا لكل تلك الشعارات والأماني. قد تتبدل زوايا الرؤية وفق إرادة الواقفين وراء مشاهدها والراسمين لها، غير أن المشاهد المختلفة للصورة لا تكذب، بل تؤكد أن المنطقة ذاهبة إلى مستقبل مجهول ما لم تنتشلها معجزة، وما الدول المكتوية بعواصف “الربيع” سوى بداية تجريف المنطقة من جميع قيمها ومبادئها وسلوكياتها وأخلاقياتها وتسامحها وثرواتها الطبيعية والبشرية، وتجريدها من كافة مشتركاتها وجوامعها وقواسمها، وحرثها لإعادة زرعها بزرع تستطيبه شهية الزارعين من الطارئين عليها والأغراب وبأيدي حفنة من العملاء والمرتزقة والوكلاء، رأوا في عمالتهم وارتزاقهم سببًا في بقائهم واستمرارهم.
والفرية التي رُكِّبَتْ على متنها كذبة “الربيع العربي” هي تحقيق “الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية وحقوق الإنسان والدولة المدنية”، وهي مفاهيم لا يمكن قياسها إلا في ظل وجود كيان قائم مستقل ذي سيادة وذي بنية قانونية ودستورية، وبالتالي يتعذر قياس مستوى الحريات الممنوحة وتطبيقاتها الديمقراطية أو رفع هذا المستوى مع الممارسات غير الشرعية كالإرهاب والعنف وتعطيل مؤسسات الدولة، كما لا يصح شرعًا ولا يتفق عقلًا تدمير الدولة وتفتيتها وتهجير شعبها وإبادتهم بحجة إقامة الديمقراطية والحريات وتحقيق المطالب الشعبية. والمؤسف أن الواقفين وراء هذه الفرية استطاعوا أن يجدوا من ذوي النفوذ السلطوي والديني أو الدعوي طابورًا لهم، فاجتمع توظيف المال والتوظيف الديني لغسل الأدمغة، فجردوها من عقال فكرها، وحولوا أصحابها إلى قطعان تساق إلى الإهلاك والهلاك.
اليوم تتقدم مشاهد الصورة لحقيقة “الربيع العربي” الأحداث الجارية في كل من سوريا ومصر وليبيا والعراق، وما يزيدها وضوحًا وضع القضية الفلسطينية والحال التي وصل إليها الشعب الفلسطيني، حيث حجم التناقضات يبعث على الألم والحزن والغثيان في الوقت ذاته. فغير خافٍ ما تواجهه تلك الدول الأربع من تحديات أمنية كبيرة تهدد كيانها جراء حالة الفوضى والإرهاب التي تقف وراءها أطراف مدعومة من القوى الامبريالية الاستعمارية الغربية وبعض القوى الإقليمية المتحالفة والعميلة، وهي أطراف عبارة عن عناصر تتبنى أفكارًا لا سند لها من الدين أو الشرع، ولا تكترث بحرمة دم الإنسان، ولا تراعي أمن وأمان وطن يسعى إلى الاستقرار، في حين تسير مؤامرة تصفية القضية الفلسطينية وفق أجندتها المرسومة في الدوائر الصهيو ـ غربية بالتوازي مع التدمير الممنهج للدول العربية الفاعلة وذات الاتصال الجغرافي بدولة فلسطين المحتلة.
كم هو مؤلم أن يرزح المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين تحت سطوة التهويد والتدنيس وتُنتَهك حرماته، وتُهدَّد أساساته، ويُفتَك بالمصلين فيه، ويقذفون بالقنابل ويضربون ويعتقلون، وكم هو مؤلم أن تنبش قبور المسلمين وتحطم كما هو حال قرية الرملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكم هو مؤلم أن يتواصل التهام الضفة الغربية وتهويد القدس، ويستمر حصار أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني في قطاع غزة، وكم هو آلم وأوجع أن تجيش قطعان بالملايين من المغرر بهم والمغسولة أدمغتهم إلى العواصم العربية وخاصة العواصم الثلاث “القاهرة ودمشق وبغداد” لتقديم رؤوسها هدية على طبق من ذهب إلى العدو والمتآمر الأول كيان الاحتلال الصهيوني، وينبري دعاة الفتن لاستصدار فتاوى ما سمي “الجهاد” ضد الأهل والأصحاب والإخوة والأحباب وأهل السلام والإسلام، في حين شعب فلسطين يباد، ويتلقى أهل “النفير والجهاد” السلاح والعلاج من وعلى أيدي قتلة الفلسطينيين ومجرمي الحرب الصهاينة، وكم هو آلم وأوجع أن يكون شعار الأمة العربية اليوم “على القاهرة ودمشق وبغداد رايحين شهداء بالملايين” بدلًا من “على القدس رايحين شهداء بالملايين”.

إلى الأعلى