الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الرئيس السابق لاتحاد الناشرين السوريين محمد عدنان سالم: صراع بين ورقي ألفْنا لمسَه وآخر رقمي افتراضي

الرئيس السابق لاتحاد الناشرين السوريين محمد عدنان سالم: صراع بين ورقي ألفْنا لمسَه وآخر رقمي افتراضي

دمشق ـ الوطن:
مع أن الكتاب الورقي لا يزال يحتفظ بمكانته وعشاقه، وأنه حتى هذه اللحظة لا يبدو مهدداً بالانقراض، ولا يزال كذلك مستنداً إلى تاريخه العريق الممتد إلى أكثر من خمسة قرون منذ ابتكار الطباعة بالحروف المتحركة؛ فإن الكتاب الإلكتروني – وقد انطلقت فكرته عام 1971 على يد ميشيل هارت الذي كان يطمح من خلاله إلى النشر المجاني للكتب المرجعية – لم ينطلق بصورة فعلية من الوجهة الاقتصادية قبل عام 2000 ثم أخذ يتطور بسرعة مذهلة تجعل من الصعوبة بمكان؛ تحديد ملامحه وأساليب إنتاجه ونشره وطرائق قراءته قبل أن يستقر على حال، ويؤكد محمد عدنان سالم مدير دار الفكر للنشر في حواره مع ” الوطن” أن العالم يمر الآن بمرحلة انتقال تشكل منعطفاً كبيراً في حياة البشرية، إذ يتم الانتقال من عصر الصناعة المادية، إلى عصر صناعة المعلومات، وتزخر هذه المرحلة بثورة المعلومات والاتصالات، الأمر الذي يسَّر سبل الوصول إلى المعرفة، وكسر الحواجز، وتم فيه تجاوز الحدود الجغرافية والأيديولوجية والثقافية. هذه الثورة وضعت لأول مرة في تاريخ البشرية القوي والضعيف، الغني والفقير، على عتبة سباق واحدة، إذ أن المعلومات مصدرها ومخزنها الفكر والعقل البشري، مشيراً إلى أنه وفي هذه الثورة نلاحظ أن أوعية المعلومات تتحرك من الورق باتجاه الشاشات والشبكات، ولهذا بات على الناشر العربي أن يبادر إلى امتلاك ناصية هذا التحول، والسيطرة على إنتاج الأوعية الجديدة، أي النشر الإلكتروني. مبيناً أنه كثيراً ما يشكك البعض بإمكانية هذا التحول، لكن عدنان سالم يعتقد أن لدينا عقولاً وإمكانيات حقيقية لدخول هذا العالم، إذ يكفي أن نرى أطفالنا في مقاهي الإنترنت ومحلات الحاسوب، ويكفي ملاحظة أن منازل أغلبية الناس أصبحت صديقة لجهاز الحاسوب، دون أن ينفي أننا نعيش الآن مرحلة انتقالية مثيرة، وصراعاً خفيّاً بين كتاب ورقي ألفْنا لمسَه وتقليب صفحاته، وكتاب إلكتروني رقمي افتراضي؛ لا ملمَس له ولا شكلاً معيناً، يتدفق بالمعلومات عن بعد مثل سيل عَرِم لا يعرف القيود ولا الحدود ولا السدود، مشيراً إلى أنه في الوقت الذي يبشر فيه أنصار الكتاب الإلكتروني بأنه البديل الحتمي للكتاب الورقي، وأن التعايش بينهما مؤقت مثل قطارين زمنيين يسيران في اتجاهين متعاكسين؛ ما يلبثان أن يتواجها ويتقابلا حتى يودع كل منهما الآخر، يذهب أحدهما إلى متاحف التاريخ ليستقر فيها، ويذهب الآخر إلى أجيال المستقبل ليكون طوع بنانها، في حين يرى الأوفياء للكتاب الورقي أن الحاجة إليه لن تنقضي، وأنه سيفاجئ العالم بعمر مديد يترافق فيه مع منافسه الجديد ذي الوسائط المتعددة الأكثر شمولاً وإغراء ليكون المرجع الأكثر ثباتاً ووثوقاً.
ميزات عديدة
ولا ينكر عدنان سالم أن الكتاب الإلكتروني يقدم ميزات عديدة لكل من الناشر والقارئ (المستخدم) والمجتمع (البيئة)، وكرئيس سابق لاتحاد الناشرين السوريين يذكر أن من مزاياه للناشر مثلاً انخفاض تكلفة النشر مقارنة بالكتاب الورقي، فلا حاجة فيه للورق ولا للمطبعة ولا للتجليد ولا للمكتبات ولا للمعارض، فضلاً عن الاستغناء عن المخازن وعن الشحن (بكل أنواعه) وتكاليفهما الباهظة؛ ما ييسِّر إصدار عدد كبير من العناوين ونقلها شبه المجاني لأنحاء العالم، مع سهولة التعامل مع موزّعي الكتاب الإلكتروني وشركات توزيعه المتخصصة مقارنة بغياب الموزعين للكتاب الورقي ومعاناة الناشر معهم في حال وجودهم، وسهولة إعداد الإصدارات الجديدة وسرعة إنتاجها، والتسويق الواسع والمبكر الذي يتخطى حواجز الرقابات وحدود الدول والمسافات الشاسعة ليصل إلى القارئ في أي مكان كلمح البصر، وإلغاء حالة إعادة الطبع، فالكتاب الإلكتروني لا نهائي العدد ولا يعرف النفاد.
السطو على الأعمال الإبداعية
ويبين عدنان سالم في الوقت ذاته أن للنشر الإلكتروني عيوباً، حيث لا يخلو النشر الإلكتروني من بعض السلبيات والمشكلات التي يخلفها، ففي الوقت الذي تقلصت فيه الأيدي العاملة اليدوية أمام الأيدي العاملة الفكرية نتيجة للدخول في عصر المعرفة، وأصبحت الأيدي العاملة الفكرية أشدّ احتياجاً إلى الحماية لمساعدتها على النمو والإبداع تزايدت نسبة السطو على الأعمال الإبداعية إلى 98% بعد أن كانت لا تتعدى نسبة 65% في عصر الكتاب الورقي، وتزايدت – بلا خجل- معضلة الانتهازية الفكرية والسطو على الأفكار، ينتحلها السطاة وينسبونها لأنفسهم من دون إشارة إلى المصدر، بالإضافة إلى أن انتشار الأجهزة الإلكترونية اللازمة لقراءة الكتب الإلكترونية لا يزال ضعيفاً، ولا تزال القراءة المتواصلة من الشاشة تسبب إرهاقاً كبيراً للعين.
الكتاب الإلكتروني ليس بخير
وبالعموم يوضح عدنان سالم أن واقع الكتاب الإلكتروني العربي الراهن ليس بخير، ويغلب على الكتب الإلكترونية العربية حالياً كونها مقرصنة من كتب ورقية، حيث يقوم القرصان بأخذ نسخة من الكتاب عبر الماسح الضوئي ويحول كل صحيفة إلى صورة، ويدمج الصور الصحائف بعملية واحدة في ملف ” بي دي إف” لتصبح كتاباً إلكترونياً؛ ونتيجة لعدم سيادة قوانين حماية الملكية الفكرية في أغلب أنحاء العالم العربي، فإن جميع أطراف عملية النشر (المؤلفون ودور النشر والموزعون) لا يفضلون خوض تجربة إصدار كتب إلكترونية؛ لأن مصيرها أن تنتشر بشكل مجاني بين القراء ويخسر الجميع، كما يشير إلى وجود إشكالية كبيرة في قارئات الكتب الإلكترونية عند استعمالها مع الكتب العربية، إذ لا تتعامل هذه القارئات مع الأحرف العربية، ما يجعل الكتاب الإلكتروني العربي محصوراً بشاشات الحاسوب دون إمكانية قراءته في الأجهزة الأخرى، باستثناء الكتب التي تؤخذ عن طريق الماسح الضوئي عن كتب ورقية، إذ تتعامل الأجهزة معها كصور وليس كحروف، وهذا يلغي عدة ميزات، منها مثلاً إمكانية البحث عن كلمة ما، وإمكانية طيّ الأســـطر بشكل مرن عند تكبير الحــــروف أو تصغيرها، مبيناً أن هناك أيضاً معاناة للكتاب العربي الإلكتروني مع القارئات، إذ إنها لا تقرأ اسم الكتاب بشكل سويّ أثناء استعراض قائمة الكتب المتوافرة في جهاز القارئ، مع عدم وجود متاجر تبيع أجهزة قراءة الكتب الإلكترونية في الدول العربية.

إلى الأعلى