الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أين تكمن أهمية “الاتفاقية النووية”؟

أين تكمن أهمية “الاتفاقية النووية”؟

جواد البشيتي

“الاتفاقية الأولية (الإطارية) النووية” بين الولايات المتحدة (وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين) وبين إيران لا تكتسب أهميتها الاستراتيجية من سطورها؛ وإنَّما مِمَّا بين سطورها؛ فأين تكمن هذه الأهمية؟
“الجوهر النووي” لهذه الاتفاقية يمكن بسطه على النحو الآتي: إذا أرادت إيران لسببٍ ما (في سنوات التزام الاتفاقية) صُنْع قنبلة نووية فإنَّ الاتفاقية لا تَمْنَعَها، ولا تُعْجِزَها عن ذلك، تمامًا؛ لكنَّها (أيْ الاتفاقية) تَضَمْن عَجْز إيران موضوعيًّا عن صُنْعِها في زمن يَقِلُّ عن 12 شهرًا؛ وهذا زمن كافٍ (من وجهة نظر الولايات المتحدة في المقام الأوَّل) لـ”حِراكٍ (قد يكون عسكريًّا)” يُحْبِط هذا السعي الإيراني؛ فإيران، بموجب “الاتفاقية”، تحتفظ ببرنامجها النووي، مُقَلَّصًا، مُدجَّنًا، مُراقَبًا دوليًّا مُراقَبَة صارمة، وبما يَضَمَن بقاءه مدنيًّا، لتوليد الكهرباء في المقام الأوَّل؛ ومع ذلك، ليس في “الاتفاقية” ما يَحول بين إيران وبين أنْ تَشُقَّ لها طريقًا إلى صُنْع قنبلة نووية، يَسْتَغْرِق صُنْعها (إذا ما أرادت ذلك، وقرَّرت) زمنًا لا يَقِلُّ عن سنةٍ واحدةٍ؛ وفي هذا يكمن “الجوهر النووي” للاتفاقية، وتكمن أهميتها.
تخيَّلوا شخصًا يريد صُنْع سلاحٍ نوويٍ، ولديه من القدرات التقنية ما يسمح له بصنعها؛ لكن ليس الآن؛ وإنَّما بعد بعض الوقت. وتخيَّلوا، أيضًا، أنَّ هذا الشخص لا يملك الآن من المال ما يكفي لإنجاح سعيه هذا. إيران هي هذا الشخص الذي يتوقَّع الآن أنْ يأتيه المال الذي يريد ويكفي من طريق بَيْعِه “التجميد” لمساعيه النووية العسكرية بثَمَن جيد هو “الانتعاش الاقتصادي”. إنَّه (في افتراضٍ، أو تَوقُّعِ، ما) ما أنْ يَسْتَجْمِع هذا المال حتى يشرع يُموِّل مسعاه النووي العسكري، مُنْهِيًا “التَّجْميد”!
مِنْ قَبْل، كم بدا صعبًا عصيًّا حلُّ وتسوية نزاع الولايات المتحدة وإيران، والذي مداره البرنامج النووي الإيراني “المشبوه”؛ وكم مرَّة قُرِعَت طبول الحرب، وبدا طرفا النزاع على شفير حُفْرةٍ من حربٍ تأتي نيرانها على الأخضر واليابس، إقليميًّا، وإنْ استعصت الإجابة القاطعة الحاسمة عن سؤال “مَنْ ينتصر؟” على كلِّ المعنيين بأمرها؛ ومع ذلك، وعلى ما ثَبُتَ وتأكَّد الآن، لا أسهل، ولا أيسر، من تسويةٍ تسمح لكليهما بادِّعاء “نَصْرٍ (سياسي)”، أحرزه في “معركة التفاوض”.
كلاهما ادَّعى “النَّصْر”، مُنازِعًا الآخر فيه؛ لكنَّ هذا لا يعني أنَّ أحدًا من محترفي عبارات المجامَلَة الدبلوماسية لن يُحدِّثنا عن “المُنْتَصِر الآخر (والحقيقي)”، ألا وهو “السَّلام (والعقل والحكمة.. والدبلوماسية، التي يرى أربابها في كلِّ حربٍ فشلًا لها)”.
لكن، ما هو “النَّصْر”، وما هو، على وجه الخصوص، هذا “النَّصْر” الذي يتنازعه الطرفان؟
“النَّصْر” على الخصم هو أنْ تتوصَّل إلى ما تريد منه أنْ يأتي به؛ وهذا مشروط (في الحتمية المنطقية) بأنْ تَعْرِف أوَّلًا ماذا تريد (منه). و”الإقناع (أيْ محاولة إقناعه)” هو “المبتدأ”، ويجب أنْ يكون “المبتدأ”، في سعيكَ إلى تسوية النزاع معه؛ فإذا فشل “فَنُّ الإقناع”، والذي هو جوهر الجهد الدبلوماسي، لَجَأْتَ إلى مثيله في “الغاية”، مخالِفه في “الوسيلة”، ألا وهو “الحرب”، بصفة كونها “فَنَّ الإكراه”؛ و”النَّجاح الدبلوماسي”، قد يُتَرْجَم باتفاقية (متأتية من طريق التفاوض) قوامها تسوية، تَرْجَح فيه كفَّة مصالحكَ على كفَّة مصالحه، أو تتوازن وتتعادل فيها الكفَّتان.
“النَّصْر”، بمعناه هذا، وإذا ما وَزَنَّا الأمور بميزان المُعْلَن والظَّاهِر من أسباب وحيثيات وذرائع النزاع بين الولايات المتحدة وإيران، موجودٌ؛ وكلا الطَّرَفَيْن يستطيع ادِّعاءه؛ فواشنطن يُمْكِنها أنْ تَزْعُم في “خطاب النَّصْر” أنَّها خَرَجَت من النزاع “منتَصِرة”؛ لأنَّها عَرَفَت كيف تُلْزِم طهران عدم “عسكرة” برنامجها النووي، وتَحُول بين “دجاجتها النووية” وبين أنْ تبيض “قنبلة (نووية)”؛ أمَّا طهران فيُمْكِنها أنْ تَزْعُم في “خطاب نَصْرها” أنَّها خَرَجَت من نزاعها مع واشنطن “منتَصِرة”؛ لأنَّها عَرَفَت كيف تُرْغِم القوَّة العظمى في العالَم على التعايش مع برنامجها النووي المستقل “المدني، الكهربائي، السِّلمي”، وعلى الإقرار بحقِّها في “التخصيب”، بما يفي بالغرض، والذي هو، على ما أكَّدت غير مرة، إنتاج الطاقة الكهربائية، في المقام الأوَّل، وبما يقيم الدليل على أنَّها “عَدُوٌّ ديني (وأخلاقي) مبين” لكل سلاحٍ نووي.
النزاع بين الولايات المتحدة وإيران هو من النَّوع الذي ظاهره غير باطنه، وباطنه غير ظاهره؛ فلن تَقِف على ماهيته، وأبعاده الحقيقية، إذا ما اتَّخَذْتَ البيانات والتصريحات الرسمية للطَّرفين مرجعيةً له، أيْ لفهمه وتفسيره.
إنَّ إيران، ومُذْ اشتعل فتيل نزاعها (النووي) مع الولايات المتحدة، كانت عازمة كل العزم على برنامج نووي لا يتمخَّض عن قنبلة نووية؛ فهي لا مصلحة لها في سلاحٍ، ضرَر حيازته، أو السعي لحيازته، يفوق أضعافًا مضاعفة نفعه، إنْ كان له نفع. حتى الترسانة النووية الإسرائيلية، ولأسباب لا مجال لِذِكْرها وشرحها الآن، ليست بالأهمية التي يمكن أنْ تؤسِّس لدافع إيراني قوي إلى حيازة السلاح النووي؛ لكنَّ هذا لا يعني أنَّ طهران لم يكن لها مصلحة في بَثِّ الرُّعْب (النووي) في قَلْب إسرائيل، وفي قلوب آخرين؛ فإيران تريد أنْ تكون دولة نووية بـ “القوَّة”، في لغة الفلسفة، أيْ دولة لا تملك قنبلة نووية؛ لكن تملك برنامجًا نوويًّا بخصائص تسمح لها بصُنْع هذه القنبلة متى تشاء.
وأرادت، أيضًا، لأسباب تفاوضية، أنْ تَرْفع في نفوس خصومها الخشية من أنْ تكون القنبلة النووية نِيَّتها الكامنة في برنامجها النووي (السِّلمي).
ولقد اسْتَحْسَنت طهران أنْ تُلْبِس مصلحتها في عدم حيازة السِّلاح النووي شكل فتوى التحريم لهذا السِّلاح، صُنْعًا وحيازةً واستعمالًا.
والولايات المتحدة كانت متأكِّدة، مُذْ بدأ النزاع، أنَّ إيران لا تنوي، ولا تعتزم، صُنْع قنبلة نووية؛ لكنَّها نَظَرَت إلى هذا النزاع، ببدئه واستمراره وتفاقمه، على أنَّه أَمْرٌ لا بدَّ منه للتوصُّل، مستقبلًا، إلى “تَفاهُمٍ” مع إيران، تُعالَج فيه “الأسباب الحقيقية” للنزاع، والتي تتسربل بالبرنامج النووي؛ فإذا عُولِجَت بما يؤسِّس لعلاقة جديدة جيِّدة بين الطرفين، أعلن كلاهما على رؤوس الملأ “انتصاره”؛ وإنَّه لانتصار يحقُّ لكليهما نَسْبه إلى نفسه إذا ما نَظَرْنا إليه بعيون “المُعْلَن” من أسباب وحيثيات وذرائع النزاع.
ما هو الواقع الجديد الذي يمكن أنْ تؤسِّس له هذه الاتفاقية؟
الإجابة ستكون “يمنية” في المقام الأوَّل؛ ففي اليمن الآن يكمن خطر حرب إقليمية مع إيران؛ ولو وَقَعَت هذه الحرب فلن تَنْعَم إيران بالشقِّ الآخر من “الصفقة (أيْ الاتفاقية النووية)”، وهو “الانتعاش الاقتصادي”؛ فالحرب ستُلْحِق ضررًا باقتصاد إيران يفوق أضعافًا مضاعفةً الضرر الكبير الذي أَلْحَقَتْه به “العقوبات”.

إلى الأعلى