الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التفاوض بين الحاجة والمقاربة

التفاوض بين الحاجة والمقاربة

عادل سعد

مع تعدد الخصومات التي تضرب عميقًا البنية السياسية العربية، تظل الحاجة إلى طاولات تفاوضية واحدة من أشد الحاجات ضرورة الآن بالنسبة للأزمات السورية واليمنية والليبية والعراقية، بل وحتى بالنسبة إلى الحاجة الملحة القائمة في الوقت الحاضر من أجل إيجاد تفاهم ما لمواجهة الكثير من القضايا الأخرى التي تستحق التعاطي معها بروح المسؤولية الإقليمية المشتركة.
ومع مشروعية هذا التشخيص فإننا على صعيد أكثر من بلد عربي واحد نوظف إعلاميًّا سلسلة من الطروحات عن الاستعداد للالتقاء والتشاور للبحث عن حلول تضع حدًّا للخصومات المستشرية، لكن المشكلة تكمن في الأسبقيات المطلوبة بعيدًا عن أية مفاضلة بين هذه الحلول أو تلك.
إن ادعاء النيات الحسنة لا يكفي لإصلاح ذات البين، مثلما لا تكفي القناعة بأهمية التفاوض إذا لم تتصدرها مستلزمات التوقيت والتفويض، وكذلك مستلزمات لوجستية تبتعد قدر الإمكان من عروض الانتصار والهزيمة، وفرض الشروط قبل الاتفاق على جوهر المشكلة، وفي ظل تلك الأجواء لا ينقص الأوضاع العربية الادعاء بين الحين والآخر، أن الظروف لم تنضج الآن، وأن الانتظار للدخول في صفقة ما لا بدّ منه، مع أن انتظارًا من هذا النوع المحكوم بالتصعيد الدموي الميداني الحاصل لا يمكن له إلا أن يعقد المشهد ويدفع إلى انتظارات أخرى في الوقت الذي يتراكم به عدد الضحايا واستمرار تفاقم شهيات الانتقام والثأر.
ويحضرني هنا في المشهد العراقي عنوان جاء بلافتة تقول (نحو استرتيجية وطنية للاستقرار الوطني) يعتمد أنشطة وبرامج معقدة لتحقيق ذلك من خلال طاولات حوار وحملات إعلانية وزيارات إلى مؤسسات صنع القرار واستخدام المواقع الإلكترونية والصحف والإذاعات وشبكات التلفاز للترويج إلى هذه الحملة، وتشاء المسؤولية أن أكون أحد المكلفين بالكتابة عن الموضوع مع أن كل ذلك سهل التحقيق لأن الماكينة الاجتماعية والإعلامية ليس بمقدورها أن تمتنع من المساهمة في الحملة لاعتبارات أخلاقية، وإلا تجعل حالها بعيدة عن هذا العنوان الذي لا يمكن لأي مواطن أن يقف ضده، ولكن ومن خلال المثل العربي الذي يقول (جمل بنيه وجمال بنيه) لا تستقيم قيمة للتأكيد على الاستقرار الوطني في العراق إذا لم تتوفر على الطاولة مصداقية في البحث عن الحلول وإلا يصبح التوجه من هذا النوع مجرد عبث واستهانة بالواقع، ويبقى حالنا حال ذلك الطفل الذي كان يجلس على شاطئ بحر وأخذ يغرف من مائه ليضعه في جوف لعبة كانت بيده، وقد سأله أحد الفلاسفة الذي كان مارًّا بالمصادفة هناك ماذا تفعل، قال له أريد أن أنقل كل ماء هذا البحر إلى لعبتي، لقد غيرت هذه الإجابة كل قناعات ذلك الفيلسوف وبدأ يعيد النظر بأسبقياته، فهل لنا في العراق، أو في بلدان أخرى أن نعيد النظر بما نحن عليه؟ هل لنا أن نسأل أنفسنا ماذا ينبغي أن نقدم للآخر من عناصر جذب ليكون شريكًا في التفاوض، نحن بحاجة فعلًا إلى أخلاقيات تفاوضية تزيح عن الطاولة كل ما له علاقة بنتاج النكايات والتشفي والانغلاق والعزل وادعاء القدسية والتكيف مع المرارات.
لا يجوز الاستئثار بالحقيقة، لأن مسؤولية التواصل مع الآخرين تقتضي الشراكة فيها، وبالرغم من عدم وجود منظومة جاهزة تصلح للتطبيق في هذا الشأن، إلا أننا نظل مرهونين بالتكيف مع إطارات للمقاربة على وفق برنامج (هارفرد) للتفاوض الذي باعتقادي يصلح أن يكون أرضية عمل مشترك، فهو يدعو إلى أن يضع المفاوض نفسه في الطرف الآخر، وأن يحرص أن لا تأخذه المخاوف من هذا الطرف على أنها حقيقة، وفي هذا السياق أيضًا عليك لا تعتبر الطرف الآخر مسؤولًا عن مشكلتك واحرص على أن لا يفقد الطرف الآخر ماء الوجه بمعنى كرامته أثناء التفاوض، وأن تكون المقترحات ملائمة لقيم ومعايير الطرف الآخر، وأن تكون هناك مزاوجة بين التعرف على مشاعرك والتعرف على مشاعر الطرف الآخر، واسمح له أن يعبر عن مشاعره واستمع بإيجابية لها وتكلم عن نفسك ولا تتكلم عنه، إنها خريطة تحرك منصف لكنه معقد، وهنا ينبغي أن يكمن الذكاء السياسي اللازم.

إلى الأعلى