الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / على الليبيين الاصطفاف في وجه داعش

على الليبيين الاصطفاف في وجه داعش

سلط الهجوم الإرهابي على المتحف الوطني في تونس في الشهر الماضي الضوء على التهديد الذي يمثله صعود تنظيم داعش في ليبيا. فثمة حاجة ملحة في الغرب بوجوب عمل شيء ما حيال العنف الذي يمارسه التنظيم وفروعه المنتشرة والتي تصل إلى أوروبا. وقد صوت مجلس الأمن الدولي مؤخرا على قرار بتوسيع الحرب ضد التنظيم لتشمل ليبيا، وإن كان من غير الواضح كيف يمكن تنفيذ ذلك.
يحاول بيرناردينو ليون المبعوث الأممي الخاص بليبيا منذ أشهر التوسط للتوصل إلى اتفاق بين الفصائل الليبية الرئيسية بهدفين: وقف إطلاق النار وتشكيل حكومة وحدة وطنية. ومن شأن ذلك الجمع بين مجلس النواب المعترف به دوليا في مدينة طبرق شرق ليبيا والذي يهيمن عليه المناهضين للإسلاميين وبين فجر ليبيا، وهو تحالف من الإسلاميين وجماعات مسلحة من مدينة مصراطة في غرب ليبيا ومجموعات مسلحة مرتبطة بالأقلية البربرية.
تتحرك المحادثات ببطء والقتال يتصاعد بشكل سريع. وتشن حكومة طبرق المدعومة من قبل مصر والإمارات العربية المتحدة حربا باسم الحرب ضد تنظيم داعش والإرهاب بشكل عام. في حين أن الهدف المعلن لفجر ليبيا هو محاربة عودة عناصر نظام حكم معمر القذافي.
ولن تنجح المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة طالما استمر القتال. ولن يكون هناك حوار فعال طالما لا تزال الفصائل المتحاربة سعيدة بالوضع القائم.
تتداخل وتتشابك أهداف إنهاء الحرب الأهلية في ليبيا وإضعاف تنظيم داعش. بالنسبة لكل إعلانات عملية التحرير الواردة بشأن بنغازي أو طرابلس التي تعلنها الجماعات المسلحة التي يقودها خليفة حفتر قائد الجيش الموالي لحكومة طبرق فشلت حتى الآن في تحقيق أي تقدم عسكري ملموس.
إن أوروبا وأميركا بحاجة إلى استراتيجية جديدة. فلا يمكنهما تحقيق أهدافهما في ليبيا حال كانتا في تعارض مباشر مع مصر والإمارات الحليفين الإقليميين المهمين. وفي نفس الوقت فإن القبول والسماح للمصريين والإماراتيين بتولي زمام المبادرة لن يحقق حلا سريعا. ولكن الحل يكمن في التوليف بين السياسة وقدرة عسكرية محدودة واستخدام اتفاقات رسمية وغير رسمية في الضغط على كل الأطراف من أجل السعي إلى حل سياسي.
وسوف يكون في صميم هذه الاستراتيجية الجديدة إقناع الفصائل الليبية بمحاربة تنظيم داعش بدلا من محاربة بعضهم البعض. فمن شأن ذلك معالجة المخاوف المصرية من صعود التطرف في ليبيا في الوقت الذي يتصدى فيه لتهديدين كبيرين لأوروبا هما: زيادة تهريب البشر عبر البحر المتوسط، وخلق مركز آخر للتطرف بالنسبة للشباب الأوروبي.
على الولايات المتحدة وأوروبا أن توضحا أن المساعدة العسكرية الدولية سوف يتم وقفها ولن يتم رفع حظر الأسلحة ريثما تظهر كل الفصائل الليبية أنها قد توحدت ضد داعش بدلا من قصف بعضهم لمدن ومطارات البعض الآخر. وسوف يمثل ذلك انطلاقة ملموسة مغايرة عن النموذج المعتاد، المشاهد في كل من العراق وأفغانستان، حيث أدى التدخل الدولي إلى وقوع آلاف الضحايا الغربيين قبل أن يتم اتخاذ قرار نهائي بنقل مسئولية القتال إلى المحليين.
قد يتساءل البعض: لماذا يجب على الفصائل المتحاربة أن تهتم بقتال تنظيم داعش كلها؟ مراد ذلك هو أن تنظيم داعش يشكل تهديدا وجوديا لكل الأطراف: فقد هاجم مقاتلوه كل من المناهضين للإسلاميين الموالين لحكومة طبرق في نفس الوقت الذي يصنف فيه الإسلاميون الأكثر تطرفا داخل فجر ليبيا هؤلاء على أنهم “مرتدين”.
وهذا التهديد الوجودي هو ما دفعهم لإجراء محادثات في الشهر الماضي. فضلا عن ذلك فإن مجلس الأمن قد أقر مؤخرا قرارين يوسعان بشكل رسمي الحرب ضد داعش من سوريا والعراق إلى ليبيا وأحال طلبات شحنات أسلحة إضافية لحكومة طبرق إلى لجنة العقوبات في الأمم المتحدة.
ومن شأن القرار أن يجعل الدعم العسكري والسياسي الخارجي مشروطا بمحاربة داعش وتشكيل حكومة وحدة وطنية. ولا تفتأ حكومة طبرق وحلفاؤها في المطالبة بدعم دولي (سواء في شكل تفويض أو إذن بشراء أسلحة) لأنهم، كما تظهر الأمور، ليس لديهم تفوق عسكري. فحملتهم متجمدة منذ أشهر على كل الجبهات الرئيسية: بنغازي وطرابلس ومنطقة إنتاج النفط في البلد.
ويمكن لاتفاق عدم اعتداء بين الفصائل المعارضة لتنظيم داعش أن يوفر بيئة مواتية بشكل أكبر لاتفاق سياسي يمكن أن تبدأ بعده مرحلة ثانية من التدخل الدولي.
فبعد التوصل إلى اتفاق لتشكيل حكومة وحدة وطنية وبناء على طلب الحكومة الجديدة، يمكن للمجتمع الدولي عندئذ نشر قوات دولية في مناطق معينة في ليبيا. فالإرهاب وعدم الاستقرار يمكن محاربتهم بشكل أفضل بحرس وطني وقدرات تحقيق قوية وسلطة قضائية عاملة. أما بناء جيش وطني فيمكن أن ينتظر. فليبيا لا تواجه عدوان خارجي ونزع الطابع العسكري عن البلد يتعين أن يكون له الأولوية.
إذا لم تغير أوروبا وأميركا مقاربتها في أقرب وقت، يمكن أن ينتهي المطاف بالغرب بدون قصد إلى الانحياز إلى حكومة طبرق في الحرب الأهلية الليبية. وعمل ذلك يمكن أن يؤدي إلى الحلقة المفرغة المعتادة من التدخل الغربي والتطرف وعدم الاستقرار الإقليمي. ومثل تلك النتيجة يمكن أن تشكل تهديدا أكبر على المدى البعيد.

كريم ميزران وماتيا توالدو ميزران باحث بارز في المجلس الاطلسي وتوالدو باحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية. خدمة نيويورك تايمز خاص “الوطن”

إلى الأعلى