الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / هل يريد التحالف الدولي القضاء على داعش .. فعلا؟
هل يريد التحالف الدولي القضاء على داعش .. فعلا؟

هل يريد التحالف الدولي القضاء على داعش .. فعلا؟

مقدمة:
إن الأحداث الدموية الجارية في المنطقة وكافة أوجه الفتنة والإرهاب التي تنفذ بأشكال مختلفة سواء كان من جماعات أو منظمات أو دول يجعلنا نعي جميعا أننا نمر اليوم بمرحلة تاريخية حرجة هي الأخطر بكل المقاييس. جرائم شنيعة وفضائع ترتكب ولا يكلف أحدا نفسه حتى عناء تبرير الأمر وآثاره، أو تحمل تبعات ذلك القتل، بل أن هناك من يبررون كل تلك الجرائم المشينة ويضفوا عليها صفة الشرعية الدينية، إما لأسباب طائفية بحتة، أو من أجل غايات حزبية ضيقة، وإما لتحقيق مصالح سياسية صرفة.
ـــــــــ
أدانت السلطنة كافة الحوادث الإرهابية التي تنفذ على أيدي تنظيم داعش الإرهابي، ودعت إلى تضافر الجهود في مواجهة هذه العمليات الإرهابية، وجاء على لسان معالي يوسف بن علوي، الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، أن السلطنة تدين كافة الأعمال الإرهابية واللا إنسانية التي ترتكبها الدولة اللا إسلامية.
الحقيقة المؤسفة هي أن الهجرات الجهادية طالما اتَّقَدَت وتَأَجَّجَت بطاقات الشباب الخليجي المتدين بطبيعته الذي غرر به التطرف وانساق وراء الدعاوي الجهادية العالمية المشبوهة وإقامة دولة الإسلام، سواء في أفغانستان أو في العراق أو أخيرا في سوريا ثم في العراق مجددا. حقيقة مرة لا يمكن تجاهلها أيضا وهي أن تحركات داعش في المنطقة تحققت بدولارات بعض دول منطقتنا التي رعت هذا التنظيم المقيت بهدف ضرب جماعات محددة وتمزيق جسدي سوريا والعراق، وكذلك هو الحال في مشاهدتنا لما يحصل في اليمن.
من الخطأ الاعتقاد أن الصراع الطائفي هو الدافع الأساسي لالتحاق شبابنا الخليجي بتنظيم داعش، حيث أن هذا السبب هو الأقل فكرا لقيادة ذلك التنظيم. يأتي التحاق الشباب بداعش بحثا عن وجاهة لم يجدها في مجتمعه، فمن يلتحق بذلك التنظيم ويبرز قوته وقسوته وقدرته على جز رؤوس البشر يمنح لقب أمير ويرأس بضعة مارقين ويعتبر هذا اللقب من الألقاب ذات الوجاهة بدولنا الخليجية، أما الأموال فإنه يبعثرها بين يديه كيفما يشاء. للأسف إن أكثر الشباب المسلم لا يفرقون بين الهداية للتدين وبين التجنيد للعمل الجهادي والتنظيمات المتطرفة. ومع تزايد تأثير دعاة تويتر بدأت بالفعل تتشكل نسخ محلية للتنظيم في بعض دول الخليج كما تجددت المخاطر مع تشكل شبكات لتجنيد الشباب في منطقتنا للقتال في صفوف داعش وجبهة النصرة في سوريا على وجه التحديد. إن الشبكة الإلكترونية الواسعة لهذا التنظيم استطاعت إختراق الشباب في الخليج العربي ونحمد الله أن سلطنة عمان، هي الدولة الوحيدة في منطقة الخليج – بحسب التقارير الموثوقة – التي لا تصدر مواطنين للمحاربة في صفوف تنظيم داعش.
إن صناعة أي منظمة أو حركة يحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد وتوفير البيئة الحاضنة لها ودعمها بالأموال بهدف استقطاب الشباب وتوفير المنظرين والدعاة لها قبل كل ذلك، حتى تصبح حركة لها مريدوها وتفصح عنها أدبياتها وحضورها في المحافل المحلية أو الإقليمية، أو تعلن عن أعمالها التي تتبناها في الأعلام بكافة مستوياته وتنوعاته. لكن للعجب، سرعان ما ظهرت داعش بهذه الكيفية ولابد من التساؤل كيف اجتمع هؤلاء من مختلف أصقاع الأرض؟ وكيف ذللت لهم العقبات بالوصول إلى سوريا؟ وفي أي معسكرات تدربوا وأين؟ ومن قام بتوفير المعدات القتالية واللوجستية لهم؟ وكيف تم إدخالها لهم وكأن الحدود ألغيت والمخابرات الدولية والجيوش وحرس الحدود حلت؟ هل باستطاعة عاقل أن يصدق أن تنظيما نشأ بهذه السرعة وهذه القوة دون أن تكون خلفه دول تدعمه وتسلحه وتبرمج له؟ وهل يستحق داعش فعلا هذا الحشد الدولي كله وتلك المؤتمرات للقضاء عليه أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟
داعش ليست أسطورة أو وليدة صدفة أو نبتة شيطانية زرعها المجهول ثم انصرف لحاله، ولكنها نبتة إنسانية زرعها بشر نعرفهم ويعرفوننا، لهم أسماء واضحة ومسميات لا يمكن الخلاف حولها، نعرفهم بطريقتهم المعهودة في الحديث وبسلوكهم في عالم السياسة، فهم أصحاب فقه سياسي لا يمكن الخلاف حوله. هي الآن بكل جدارة جيش سايكس بيكو السري بلا استحياء تتمخض ناراً وحديداً والنفط سيد المشهد الأشهر. ولعل الهدف الأهم والأبرز لأميركا وبعض الدول الأوروبية هو تقسيم وتقزيم المنطقة العربية وإدخالها في صراعات وفوضى لصالح الجارة الدخيلة إسرائيل، وقد استخدمت الجماعات والتنظيمات الدينية كأدوات في ذلك، في مناسبات منها ما يسمى ربيع الثورات العربي.
ربما يكون رد الفعل الدولي الهزيل على سيطرة داعش على مناطق في العراق وسوريا في البداية دليل على أن هناك دولا تلعب على فكرة الإستفادة من وجود التنظيمات الدينية، فرد فعل أميركا على نشاط “داعش”" وسيطرتها كان دون المستوى، فضلا عن كونه كان متأخراً، وأميركا هي المستفيد الأول والأخير من دعم هذا التنظيم. أقصد هنا أميركا ومن لف معها في دائرة المصالح الواحدة، فأميركا لها وكلاء في المنطقة يعملون لحسابها. إن معظم قادة داعش هم ممن كانوا في المعتقلات الأميركية في العراق وأفغانستان وقد أطلق سراحهم دون أعلام الحكومة العراقية أو الأفغانية بذلك، أو في المعتقلات السرية التي كانت تحت إدارة المخابرات الأميركية في أوروبا أو دول العالم الثالث وتلقوا تدريبات في المناطق القبلية في باكستان والوعرة في أفغانستان.
ووفقا لموقع “ذي إنترسيبت” الأميركي الذي يدير جبهة عريضة للتحريات الصحفية، وفي تسريبات نقلها عن الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأميركية إدوارد سنودن قال فيها إن الوكالة وبالتعاون مع نظيرتيها البريطانية أم 16 والموساد الإسرائيلي، مهدت لظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام داعش، وتعاونت أجهزة مخابرات الثلاث دول لخلق تنظيم إرهابي قادر على استقطاب المتطرفين من جميع أنحاء العالم في مكان واحد في عملية يرمز لها بـ “عش الدبابير”. وأظهرت وثائق مسربة من وكالة الأمن القومي أنها قامت بتنفيذ خطة بريطانية قديمة تعرف بـ “عش الدبابير” لحماية إسرائيل تقضي بإنشاء تنظيم شعاراته إسلامية يتكون من مجموعة من الأحكام المتطرفة التي ترفض أي فكر مغاير.
وثائق سنودن أشارت إلى أن الحل الوحيد لحماية إسرائيل يكمن في خلق عدو قريب من حدودها، لكن سلاحه موجه نحو الدول الإسلامية الرافضة لوجوده. وأكدت التسريبات أن أبا بكر البغدادي خضع لدورة مكثفة استمرت لمدة عام كامل وتم تدريبه عسكريا خلالها على أيدي عناصر في الموساد بالإضافة إلى تلقيه دورات في فن الخطابة ودروسا في علم اللاهوت. موقع ذا انترسبت يضم مجموعة مشهورة من صحفيي التحقيقات والتحريات الأمريكيين الذين يتابعون قضايا الأمن القومي، مثل الكاتب الصحفى الأميركى جلين جرينوالد الذي تعاون معه إدوارد سنودين في نشر قضية التنصت الإلكتروني الأميركية على صفحات جريدة الغارديان البريطانية، وهناك أيضا لورا بورتيس، مخرجة الأفلام الوثائقية التي أخرجت فيلم وثائقي حول إدوارد سنودن، الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأميركي، واختارتها جمعية المخرجين الأميركيين على اثره كأفضل مخرج للأفلام الوثائقية لعام 2014، والمحقق الصحفي جيرمي سكيهال، الذي يعد من أبرز الصحافيين الأميركيين المستقلين وأحد الكتاب السياسيين بامتياز والذي كتب عن الحروب الأميركية الأخيرة، ومؤلف كتاب “بلاكووتر” الذي يفتش في دفاتر أخطر منظمة سرية في العالم. وتجدر الإشارة إلى أن موقع “ذي إنترسيبت” انفرد بنشر وثائق سرية تظهر تعاون أميركا وإسرائيل الوثيق في حروب المنطقة.
من جانبه، قال المحلل الإيطالي وخبير الجغرافيا السياسية، مانليو دينوتشي، إن حلف شمال الأطلسي الناتو دبّر في العام الماضي إنقلاب أوكرانيا وحملة داعش في العراق وسوريا خلسة لإحياء سيناريو الحرب الباردة ولتصبح الولايات المتحدة القوة التي لا غنى عنها. وأضاف دينوتشي، في مقال له نشر في موقع شبكة فولتير الفرنسية “ReseauVoltaire” الذي يُروج لحرية التعبير والعلمانية، أن عام ٢٠١٤ كاد أن يكون بالنسبة للولايات المتحدة والناتو عاما أسودا خصوصا إذا تحقق اثنين من السيناريوهات، أحدهما أن تكون أوروبا بلا حروب، أما السيناريو الآخر فهو أن يظل الشرق الأوسط الكبير، يعيش فشل حرب الولايات المتحدة والناتو في سوريا، ويواصل العراق التباعد عن واشنطن والتقارب مع الصين وروسيا.
وتابع قائلا أن واشنطن باتت تشعر بالحاجة الملحة لايجاد مهمة جديدة للناتو، وجاءت المهمة في الوقت المناسب بإنقلاب ميدان الاستقلال في كييف بأوكرانيا الذي تم الإعداد له بوسائل عدة من بينها تدريب قوى أوكرانية تؤمن بالنازية الجديدة، وبالتالي خلق مجابهة جديدة مع روسيا. وأوضح أن تنظيم داعش الذي تم الإعداد له منذ فترة طويلة من خلال تمويل وتسليح جماعات إسلامية متطرفة كان بعضها يتم تصنيفه على أنه تنظيمات إرهابية منذ حرب الناتو ضد ليبيا للإطاحة بالقذافي، سمح لقوات الولايات المتحدة الناتو، بالتدخل في سوريا لتدميرها وليس تدمير داعش، وإعادة احتلال العراق. وأشار المحلل إلى أن الناتو أقر المهمة الجديدة من خلال قمته في ويلز ببريطانيا في سبتمبر من العام المنصرم لتبدأ خطة إعادة تنشيط الناتو الهادفة إلى الرد بسرعة وحسم على التحديات الجديدة ضد الأمن، الناجمة عن كل من العدوان العسكرى لروسيا ضد أوكرانيا وتزايد التطرف والصراع الطائفي في الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا.
من المستغرب حقا أن الحاخام الإسرائيلى نير بن إرتسي وفي إحدى عظاته الأسبوعية قال، إن الرب سلط تنظيم داعش على الدول والأمم التى تريد السيطرة على أرض إسرائيل والقضاء على اليهود فى أنحاء العالم على حد زعمه، ومضيفا أن إنتشار داعش فى المنطقة العربية وإنضمام أوروبيون إلى التنظيم، بل توجيه ضربات فى أوروبا، يهدف فى الأساس إلى تهجير اليهود إلى إسرائيل، لذا يعتبر تنظيم داعش حاميا لليهود.
تقرير بثته قناة CTV News التلفزيونية الكندية قال أن دراسة أجريت في جامعة الأديان Kent توصلت إلى نتيجة أن نمو الاسلام في أوروبا قد تراجع بمقدار 1.2 % منذ بداية الازمة السورية والاعلام الرسمي عن تشكيل داعش .وقال التقرير إن طبقاً للتوقعات السابقة فإنه كان من المفترض أن يصل عدد المسلمين في أوروبا في عام 2030م الى 58 مليون شخص، إلا أنه ونتيجة لتراجع ميول الأوروبيين لإعتناق الاسلام فإن هذا الرقم لن يتحقق. إدوارد سليم أستاذ جامعة Kent وأحد الباحثين في شؤون الأديان بالجامعة قال في مقابلة مع القناة أن الصورة الخشنة والنفسية المتوحشة التي رسمها داعش عن الاسلام الذي كانت نتيجة لمخططات إستخباراتية أميركية وبريطانية، يعد العامل الرئيسي في عدول الشعوب الأوروبية عن إعتناق الاسلام. وتابع قائلاً، إن قنوات مثل بي بي سي و سي ان ان و يورونيوز الفضائية مكلفة بأن تنقل تلك الصورة الخشنة وتبثها ويتوقع نتيجة لذلك أن يستمر معدل إعتناق الإسلام في أوروبا في التراجع . وجاء في التقرير أيضاً أن الدعايات الضخمة التي تقوم بها وسائل الاعلام الأميركية والأوروبية ضد الاسلام بذريعة الأعمال الوحشية لتنظيم داعش، أدى الى ظهور حالة من الكراهية للإسلام في العالم الغربي، في الوقت الذي يصرح فيه علماء أهل السنة بإدانتهم لجرائم داعش و أن ما يقوم به هذا التنظيم الإرهابي مخالف لتعاليم الاسلام.
ريتشارد أبو العافية، نائب رئيس مجموعة تيل جروب الأميركية للإستشارات قال أن تشكل حملة الضربات الجوية في العراق وسوريا التي تشنها الولايات المتحدة على رأس ائتلاف دولي، فرصة ذهبية لصانعي الأسلحة الأميركيين، مضيفا إلى إنها الحرب المثالية للشركات التي تتعامل مع الجيش وكذلك للمطالبين بزيادة الأموال المخصصة للدفاع، فحملة الضربات الجوية على تنظيم داعش تعني في الحقيقة نفقات بملايين الدولارات لشراء قنابل وصواريخ وقطع غيار للطائرات، وتؤمن حججاً إضافية من أجل تمويل تطوير طائرات فائقة التقدم من مقاتلات وطائرات مراقبة وطائرات تموين. وقال لورين تومسون من معهد ليكسينغتون الذي يقيم علاقات كثيرة مع الصناعات الدفاعية إن الشركات المتعاقدة الكبرى أحوالها كلها أفضل بكثير مما كان الخبراء يتوقعونه قبل ثلاث سنوات.
وأضاف، مع إندلاع الحرب وإحتدامها فإن تلك الشركات تجني أرباحا، ليس فقط بفضل العقود التي توقعها مع الحكومة الأميركية، بل كذلك بفضل عقود مع بلدان أوروبية أو عربية مشاركة في الائتلاف ضد تنظيم داعش تسعى لإعادة تشكيل مخزونها من الذخائر والاستثمار في قواتها الجوية، بحسب ما يرى المحللون. وفي إشارة لمدى الأرباح التي من المتوقع أن تجنيها شركات تصنيع الأسلحة، بدأت أسهم الشركاء الرئيسيين للبنتاجون في الارتفاع في البورصة منذ أن أرسل الرئيس باراك أوباما مستشارين عسكريين إلى العراق، وواصلت ارتفاعها لاحقاً مع بدء الضربات الجوية في مطلع أغسطس 2014.
من خلال معطيات الوقائع والسياسة التي اتبعها هذا التنظيم وأيضا الأهداف التي تبناها يتبين بشكل جلي بأنه يمثل أجندات غربية حيث يخوض معاركه في منطقة الشرق الأوسط استكمالا لمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تبنته الولايات المتحدة من خلال أنشاء تحالفات دولية غربية بقيادتها لنشر الديمقراطية وإسقاط حكم الأنظمة الشمولية والتي وصفتها بدول محور الشر، وتحققت الصفحة الأولى من إسقاط تلك الأنظمة في العراق وليبيا ومصر واليمن ولكنها لم تنجح في سوريا. ومن أهداف مشروع الشرق الأوسط هو العمل على تشظي دول المنطقة من خلال تغذية الصراعات الدينية والأثنية والعرقية والمذهبية والفكرية وتفتيتها إلى دويلات صغيرة قائمة على تلك الأسس تتنازع فيما بينها منشغلة بالصراعات المتراكمة من حقب مختلفة، وأيضا الحفاظ على أمن الكيان الصهيوني والقبول بها دولة يهودية تعيش جنبا إلى جنب الدول التي يعاد رسمها على أسس دينية ومذهبية في منطقة الشرق الأوسط، وبذلك تهيئ الأرضية للقبول بها. نعم الهدف الأهم والأبرز لأميركا وبعد الدول الأوروبية هو تقسيم وتقزيم المنطقة العربية وإدخالها في صراعات وفوضى لصالح الجارة إسرائيل، وقد استخدمت الجماعات والتنظيمات الدينية كأدوات في ذلك خلال عدة مناسبات، منها ما يسمى ربيع الثورات العربي على سبيل المثال لا الحصر.
ولا يخفى علينا أن العالم الغربي يمر بأزمة اقتصادية وضائقة مالية كبيرة دفعت أميركا وأوروبا إلى تسريح عدد كبير من العمال من وظائفهم وازدياد نسبة البطالة في دولهم وعدم استطاعة تلك الدول بتوفير فرص عمل جديدة لاستيعاب الباحثين عن العمل من رعاياهم أو اللاجئين إليهم من دول العالم الثالث، وقيام بعض دول أوروبا بإعتماد سياسة التقشف في النفقات مثل اليونان وايطاليا واسبانيا وقبرص إلا أنها جوبهت بتظاهرات واحتجاجات عنيفة من السلطات في هذه الدول. ولكي تتخلص هذه الدول الغربية بقيادة أميركا من هذه الأزمة الاقتصادية، عليها القيام بعمليات عسكرية ذات توجهات متعددة منها نشر الديمقراطية وإشاعة حقوق الإنسان ومحاربة الأفكار والمنظمات المتطرفة الإرهابية من خلال تعبئة الجيوش وعسكرة المنطقة وتمويل هذه الحروب بأموال خليجية لغرض تنشيط وإدامة الإقتصاد الغربي وتحريك عجلته العسكرية والمدنية، مما يخلق فرص عمل كثيرة ويوفر سيولة نقدية. وقد صرح الرئيس الأميركي أن الحرب على داعش قد تستمر ثلاثة أعوام على الأقل وتحتاج الى خمسمائة مليار دولار، وسوف يقوم بتمويلها دول الخليج.
لا نكون مبالغين عندما نقول إن سبب نشأة داعش كان مرتبطاً بالوجود الأميركي في الأساس، وبعض العرب احتضن المنظمة عندما كان مجرد تنظيم جنيني صغير وأميركا قدمت مبررات وجوده، والجميع عبث في أساس تكوينه. من الواضح أن أموال داعش تأتي من بعض الدول الخليجية وسبب تمويل دول خليجية لتعارض مصالح سياستهم مع نظام بشار الأسد في سوريا، إلا أن التمويل الأساسي يأتي من أميركا بهدف زعزعة النظام في الدول العربية وإثارة الفتن بين الشعوب. وأتسائل هنا، إذا كان بشار الأسد طاغيا، مَن البديل ولمصلحة من؟ إن الوطن العربى غير واع، فبعض الدول الخليجية تعمل للمصلحة الوقتية وليس من أجل الأمة العربية.
إن المساعدات الغربية وتربية الطفل المدلل داعش لم تمنع التمدد الإرهابي إلی الدول الأوروبية، و إن صح التعبير إلی الدول المؤسسة لهذا التنظيم. فبعد الاعلانات الغربية المتکررة عن دعم المجموعات المسلحة في سوريا، وقعت فرنسا و أوروبا بشكل عام في الفخ الذي لم تکن تتوقعه یوما، فقد اعتقدت أن تصدير المتشددين من أراضيها إلى الشرق الأوسط و أفريقيا ومساعدتهم فنيا وعسکريا وماديا علی کافة الأصعدة، من شأنه ان يبعد خطرهم عن أوروبا. والواضح أن هذه النظرية أعطت مفعولها لفترة من الزمن ولكنها بدات ترتد سلبا مع عودة هؤلاء المقاتلين إلى أوروبا مشبعين بما شاهدوا وسمعوا و تشربوا من ممارسات وأفكار متطرفة لن يجدوها في البيئة الأوروبية التي خرجوا منها، ومن الطبيعي أن يعمدوا إلی نشر أسلوب عيشهم الجدید في المجتمعات الأوروبية لاعادتها وفق نظریاتهم إلی الطریق المستقيم، وبالفعل طابخ السم لابد أن يتذوقه يوما.
تعيد داعش اليوم، ما بدأته القاعدة بالأمس، لعبت على الجميع، ولعب الجميع بها وعليها ولقد ضربت داعش، كما فعلت القاعدة، مثلاً قاطعاً في وضوحه، في الانقضاض على حلفاء الأمس وقطع اليد التي مُدّت لها بالدعم المالي والتسهيلات اللوجستية والاستخدام الاستخباري. داعش الآن لا تهدد إيران والسعودية والعراق فقط إستراتيجيا بالتوسع على الأراضي، إنما أصبحت تهددها اقتصاديا ببيع النفط لزبائنهم في سوق غير معلنة، تلك الدول التي تمدها في المقابل بالسلاح والمعدات والغذاء ليحاربوا في سوريا والعراق والسعودية وإيران ويتمددوا في المنطقة.
وبعد أن تتمدد داعش في المنطقة، سيكون من السهل أن تعلن إسرائيل حربها ضد الإرهاب وتملك الحق والشرعية الدولية لتسحقهم، حينها ستقطع أميركا والاتحاد الأوروبي الإمدادات على داعش لتضعف وتتمكن إسرائيل من إخفائها من الخريطة بقنبلة واحدة، وتتمدد على الأراضي التي وقعت في يد داعش وتستولي على آبار النفط التي استولوا عليها. داعش تخوض الحرب بدل إسرائيل – بعلم أو بغير علم – وتمهد لها خارطة الطريق للاستيلاء على المنطقة وبناء الشرق الأوسط الجديد لتبني إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل كما هو مقرر في أجندتهم، لذلك فإسرائيل صامتة الآن.
نجد أن الهجمات الأميركية في سوريا ركزت على تنظيم خراسان بدلاً من داعش، حيث لم يكونوا ليتحملوا امتداد نفوذ طالبان إلى سوريا، فعمدوا بسرعة الى التحرك ليبدأوا بهم قصفاً بالطيران على أمل استئصال شأفتهم، إذ إن طالبان الأفغانية تعتبر عدوة أميركا الأولى في تفشيل نفوذها في أفغانستان. وفي النظر إلى السياسة الأميركية في المواجهات العسكرية، يمكن ملاحظة أن حروبها ترتبط دائماً بوجود مصالح جوهرية ومباشرة وهذا ما حدث في حربيها في أفغانستان والعراق، وتتغير السياسة الخارجية الأميركية في كل مرحلة حسب الحاجة والأهداف.
إن الحرب على الإرهاب مجتزأة وهي رهن معادلات المنطقة والثابتة الوحيدة في المشهد أدوات تختلف تسميتها من داعش إلى جبهة النصرة مرورا بالجيش الحر، وصولاً إلى الجبهة الإسلامية وهي تتحرك وفقا لمصالح دول كبرى والتي تتخذ القرار بإنشائها أو بإنهاكها أو حتى بإنهائها. واشنطن تخلق سبب الحرب لتشنها بعد ذلك فأميركا وحلفاؤها صنعوا القاعدة وهذه الدول نفسها أوجدت الظروف الملائمة لنمو داعش، إذا أميركا تخلق الجهة التي تفعل ما يؤدي إلى شن حرب ضدها. الكيل بمكيالين والاحتيال صفتان متلازمتان لدى الغرب في كل مرة يدعي فيها مكافحة الإرهاب فيصبح ذبح الأطفال في غزة حقاً مشروعاً لتدمير الصواريخ، وتصبح مجازر قانا والمنصوري والنبطية اجتثاثاً للإرهاب. أما نقد أي قرار يدين إسرائيل على مجزرة هنا أو مذبحة هناك فيسمى سلام. الغرب الذي يغرق في إستخدام طائرات الأندرود بدون طيار في قصف مواقع القاعدة في اليمن، وفي الصومال، وفي باكستان، قد امتنع عن قصف داعش الناشطة في العراق منذ سنوات. كان بوسع الأميركيين عبر أقمارهم الصناعية، أن يكتشفوا بعض مواقع داعش هناك ويقصفونها بصواريخ طائراتهم، سعيا منهم للحد من تنامي المنظمة المسماة عندئذ بدولة العراق الإسلامية والتي كانت عندئذ منتمية للقاعدة.
يعد مؤتمر باريس الذي عقد في سبتمبر من العام المنصرم 2014 بالفعل مهزلة بكل ما في الكلمة من معنى، حيث تحدث ممثلو الدول الغربية عن ضرورة دعم العراق ضد داعش ولكنهم تجاهلوا هذا الخطر الذي يضرب في سوريا أيضاً. الغريب أن الذين يدعون مكافحة عصابات داعش الإرهابية يعلنون على الملأ دعمهم المالي والتسليحي لعصابات إرهابية أخرى تعمل على الأرض السورية لمحاربة الشعب السوري، فكيف لتنظيم إرهابي أن يكون ضد الإرهاب وضد من يكافح الإرهاب معاً؟ عاجلاً أو آجلاً ستضطر واشنطن إلى مواجهة الواقع، فإما التنسيق مع الدولة السورية، وفي ذلك ضربة معنوية للجيش الحر، وإما بضرب مواقع للنظام، الأمر الذي يفتح حربا أخرى قد تنعكس سلبا على محاربة داعش. من الواضح أن الأميركيين يسعون إلى تعويض خسائرهم الإستراتيجية في المنطقة، أو في الحد الأدنى، سلب محور المقاومة مكاسبه الإستراتيجية. على الأرجح فإن أضلاع هذا المحور سيكونون سعداء لتصفية داعش إلا أن الشكوك عميقة في النوايا الأميركية والتساؤلات كثيرة.
إن ما يثير الحفيظة هو تنامي الدور الإسرائيلي في الأزمة السورية، وهو دور بقي مستترا حتى وقت قريب، إذ إن ما يجري في الجولان المحرر من عمليات عسكرية بالتنسيق مع إسرائيل هو مؤشر على تورط إسرائيلي متصاعد في هذه الأزمة. إن وراء هذه التطورات الميدانية ما هو أبعد من المشاركة في الحرب الدائرة في سوريا، وهو يتصل بمشروع إسرائيلي يريد إقامة حزام أمني يمتد من الجولان إلى منطقة العرقوب في الجنوب اللبناني، الأمر الذي يشكل ـ بالنسبة لإسرائيل ـ إقحاماً للبنان في الحرب السورية بعد أن تعثرت محاولات إقحامه من المناطق المحاذية لسوريا في البقاع وعكار. قد تشهد الأيام المقبلة مشهدا أكثر تعقيدا في سوريا كما في العراق، مما يزيد من ارتباك أعضاء التحالف الإقليمي ـ الدولي المرتبكين أصلاً. اليوم، تحاول أميركا أن تعود من خلال داعش إلى البحر المتوسط لتكرس أحاديتها عليه وتلزم الروس بمغادرته، لاسيما بعدما أثبت الجيولوجيون وجود كميات هائلة من النفط والغاز على الشاطئ السوري.
أميركا تريد العودة إلى العراق لتغطي انسحابها أولاً من أفغانستان ولتكون آبار النفط والغاز ومنابع المياه أيضاً تحت سيطرتها. ويرجح وجود الانسجام بين داعش و إسرائيل كون داعش تقف أحيانا في الجولان وعلى مواقع قريبة من المواقع الإسرائيلية، ومع ذلك فهي تطلق النار على السوريين، وليس على الإسرائيليين المتواجدين أحيانا على بعد مرمى حجر منها. كما أن بعض الجرحى من داعش، غالبا ما ينقلون إلى داخل إسرائيل، وليس لتركيا مثلا، لتلقي العلاج فيها. وقد يرى البعض أن إسرائيل – العدو الأكبر لسوريا – وجدت أنه من الضروري أن يتواجد لها على الأراضي السورية مقاتلون يأتمرون بأمرها، لتكون صاحبة كلمة فصل في أي حل يطرح للمعضلة السورية.
الأعمال الارهابية التي بدأت تنتشر في الجسد العالمي لا يمکن ايقافها بشعارات محاربة الارهاب أو تشکيل حلف یضرب داعش بيد ممدودة بالسلاح للمجموعات نفسها، ويبقی الحل الأوحد في هذه الأيام التي لا تبشر بالخير، خطوتين لا بد للمجتمع الدولي الاستفادة منهما في أسرع وقت ممکن قبل فوات الأوان. الخطوة الاولی طبية المنشا، فالقاعدة الطبية تقول ان العضو المصاب بالسرطان لا بد له من المعالجة قبل ان يستشري السرطان في الجسم کافة، فالسرطان الارهابي الذي يتفشی اليوم في بعض البدن العربي، لا بد أن يدفن فيه لمنعه من التمدد الی الأعضاء الأخری. أما الخطوة الثانية، توقيف الدعم الممنهج بالسلاح و الذخيرة و العناصر من قبل الدول الأوروبية و العربية، و إعتماد جدية الحرکة ضد الارهاب من قبل الدول الغربية الکبری التي تزعم انها تحارب الارهاب، و تغير عليه بانواع الطائرات، لکنها بالمقابل ترمي له السلاح “عن طريق الخطأ” حسب زعمها.
لا شك أن كل طرف حاول إخفاء شكل الدعم والعلاقة التي قدمها لداعش في بدايتها الأولى، لم يعد قادراً على إخفاء الجريمة التي ارتكبها. مصلحة متبادلة بين طرفين لم يتفقا في أي شيء سوى في إخفاء هذه العلاقة على الناس فمصلحة كل منهما في إخفائها. إذا كانت من محاكمة فلا بد أن تكون للنظام الدولي الذي يظن أنه حامي حمى العالم في حين أنه هو من استخدم هؤلاء لتحقيق مصالح شخصية، وظن أن احدا سوف لن يستطيع رصده أو يتعرف على سلوكه، فأصبح هذا التنظيم مطية أجهزة استخبارات عالمية، كل أخذ منه ما أراد وحقق ما كان يبتغي ثم انصرف لحالة وهو لا يدري أن حركته كانت مرصودة وأن أثره باق، وأن ما فعله لم يكن في الظلام كما كان يظن وأن أعين العالم جميعها ترصده.
لقد كان من لطف الله بهذه البلاد، ومن كرمه عليها ورحمته بساكنيها من الأجناس كافة أن وفق الله عاهلها المفدى إلى قيادة سفينتها قيادة حكيمة بارعة فأجرى الله على يديه الخير الكبير والرخاء في البلاد.

أسامة الحرمي
كاتب عماني

إلى الأعلى