السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في حديث الخلافين بين إدارتي أوباما ونتنياهو

في حديث الخلافين بين إدارتي أوباما ونتنياهو

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

كعادتهم كلما يمر منتصف شهرنا المنصرم، احتفل الغزاة الصهاينة بالنكبة العربية في فلسطين. ذلك بإحيائهم لمرور الذكرى السابعة والستين لإعلان قيام كيانهم الاستعماري الاستيطاني الغاصب في قلب الوطن العربي. وكعادتهم أيضًا، أو بهذه المناسبة ومن دونها، ولإدراكهم، ربما أكثر من كثرة من العرب، لطبيعة كيانهم العدواني المفتعل، وبالتالي، هشاشته كجسم غريب مرفوض زرع عنوةً في بيئة يلفظه تاريخها ولا تقبله جغرافيتها، وتنظر إليه كمولود سفاح لمشروع غربي استعماري معاد تاريخيًّا للأمة العربية، فقد ظلت أشباح التساؤلات الوجودية إياها المطاردة لهذا الكيان غير الطبيعي هي هي، وما انفكت تحوم على رؤوسهم، بل كثَّفتها ولم تبددها أجواء احتفالاتهم هذه، تمامًا كما لم تفعله أيضًا سابقاتها. ذلك رغم إحساسهم بامتلاكهم لأمرين لم يسبق، وأن حظي بمثلهما سواهم من الغزاة عبر التاريخ. أولاهما، ترسانة ضمانات حماية غربية متعددة الأوجه دائمة التجدد، وإمدادات مدرارة لا تنقطع لكل أوجه وأسباب البقاء ومقتضيات التفوُّق، ومن بينها آخر ما توصَّلت إليه عقلية آلة الموت الغربية من مبتكرات القتل المتطورة. يردفه ويعززه، ثانيتهما، المتمثلة في بائس واقع عربي وفلسطيني لا يحلمون بمثل مردود انحداراته القياسية لصالح ديمومة عدوانيتهم، بل لعله موضوعيًّا لا يقل رفدًا لبقائهم عن ما يقدمه الغرب لهم من ضمانات ودافق إمدادات.
خيَّم على أجواء الاحتفالات الصهاينة بذكرى قيام كيانهم الغازي، أو النكبة الفلسطينية، هذا العام شبح الخلافين الأخيرين بين إدارتي أوباما ونتنياهو، فأخذا حيِّزًا خادعًا ومبالغًا فيه لدى نقاشات المستويين السياسي والإعلامي في الجانب الصهيوني، ولم ينعدم بعضه في الجانب الأميركي أيضًا. الفوبيا الوجودية حضرت، رغم إدراك أصحابها لعمق العلاقة بين الطرفين ومدى عضويتها، ولم تخفف من استحضارها المحاولات المتكررة، ومن الجانبين، التأكيد على رسوخية الوشائج واستراتيجيتها. هذان الخلافان كان أولهما هو حول الاتفاق الأميركي الإيراني الخاص بالملف النووي، أو توقيع اتفاقه المزمع قريبًا بين الخمسة زائدًا واحدًا وإيران، أو ما بات الآن أمرًا هو أقرب إلى المفروغ منه، وكنا قد قلنا سابقًا في مقال ذي صلة بأنه، ورغم غزوة نتنياهو للكونجرس رافعا شعار التصدي لهذا الاتفاق والعمل على إفشاله، فلسوف يوقَّع لأنه حاجة أميركية، ولأنه عندما تحضر المصلحة الأميركية، فالمركز، أي واشنطن، يأمر والثكنة المتقدمة، أي تل أبيب، تذعن، وهذا ما كان، فنتنياهو اليوم منشغل ما أمكن بمحاولة تحسين شروط الإتفاق لا أكثر. أما ثانيهما، فهو خلاف إدارة أوباما مع إدارة نتنياهو حول تفصيل صغير من تفاصيل كيفية إدارة تصفية القضية العربية في فلسطين، أو هذا المتعلق بما يدعى “حل الدولتين” من عدمه، والذي أثارت زوبعته تصريحات نتنياهو قبيل انتخابات الكنيست الأخيرة حين تعهَّد بمنعه.
منذ البداية طمأن نتنياهو صهاينته بأنها مجرد خلافات عابرة لن تفسد لتليد علاقة قضية، ومن حينها وحتى الآن، يجهد أوباما وإدارته للتأكيد على مثل هذا. ومنه، أن جو بايدن، نائب الرئيس، وفي احتفال للسفارة الصهيونية في واشنطن بمرور الذكرى إياها، والذي حضره كافة أركان إدارة أوباما باستثناء رئيسها، قد قلل من أهمية هكذا خلافات وعدها طبيعية، أو “كما في العائلة” الواحدة، وزاد: إنه “من الطبيعي أن تجنن إسرائيل والولايات المتحدة احداهما الأخرى، لكننا نحب بعضنا بعضًا، وندافع واحدنا عن الآخر”، وللدلالة على ما يقوله أعلن أنه وابتداءً من العام المقبل ستصل إلى الطرف المدلل من هذه العائلة الواحدة المتحابة “الشحنة الأولى من طائرات “f35″ المتطورة التي ستعزز تفوُّق إسرائيل في المنطقة”… وذكَّر المحب من يبادلهم المحبة بأنه “ليس هناك رئيس فعل لأمن إسرائيل أكثر من الرئيس باراك أوباما، ففي عهده زوَّدت أميركا إسرائيل بمساعدات أمنية بقيمة 20 مليار دولار وأسلحة في قمة التطوُّر”.
فيما يتعلق بحكاية “حل الدولتين”، وانطلاقًا من الحرص على المصلحة الصهيونية، أو الخشية عليها من غوائل غلوائية نتنياهو، وفي كلمة ألقتها أمام مؤتمر للحركة الإصلاحية اليهودية، حذَّرت ويندي شيرمان، نائبة وزير الخارجية الأميركي، حكومة “إسرائيلها” من مغبة عدم التزامها بهذا الحل، فأثار تحذيرها هواجس الصهاينة، وبدأت في كيانهم تعتمل شتى التأويلات المنطلقة من أرضية، المنطلقة من ذات الفوبيا الوجودية المتأصلة لديهم، وصولًا إلى التكهُّن بنية أميركية مبيَّتة لعدم استخدام “الفيتو” لإبطال أي مشروع قرار قد يقدَّم لمجلس الأمن يتعلق بفرض مثل هذا الحل، رغم أن نائبة وزير الخارجية حرصت على تأكيد ما أكده قبلها نائب رئيسها، وأيضًا ذكَّرت من تخاطبهم بتأييد بلادها الدائم للكيان الصهيوني، “حتى عندما كان ذلك يعني الوقوف وحيدة أمام العالم بأسره”، وشددت على أن هذا الوقوف “سيبقى على حاله” ولن يتبدل، وصولًا إلى أن كررت شيرمان أيضًا ما كان قد قاله بايدن عن مآثر أوباما الصهيونية، عندما عبَّرت عن تأثرها لمدى “التزامه شخصيًّا” بأمن الكيان الصهيوني….أما لماذا حذَّرت من عدم الالتزام بـ”حل الدولتين”، فليس هذا إلا لأن المجاهرة بعدمه “سيجعل عملنا في الحلبة الدولية أصعب بكثير، وسيتعذر علينا أن نمنع محاولات تدويل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني”… بعبارة أخرى، أما وأن تهويدكم المتسارع الخطى أيها الأحباء يجهز عمليًّا على مثل هكذا حل ويجعله واقعًا من رابع المستحيلات، فعلام إذن لا تلتزمون به، ولو قولًا مثلنا، وأنتم تعلمون أنه ليس ثمة ما سوف يلزمنا أو يلزمكم به؟!!!

إلى الأعلى