الخميس 17 أغسطس 2017 م - ٢٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إلى متى تستمر المأساة دون بوارق أمل؟!

إلى متى تستمر المأساة دون بوارق أمل؟!

علي عقلة عرسان

إلى متى يستمر هذا الوضع المأساوي في سوريا؟ وإلى أين تمضي بنا الأحداث والأيام، ويمضي بنا اللاعبون والعابثون والمغامرون، ومن يصنعون الأحداث، ويرسمون مساراتنا ومصائرنا على مدى الأيام، ومن يغرقوننا في الهم والوهم والبؤس، ويضعوننا على مشارف اليأس؟! أسئلة عقيمة، ويزداد الاقتناع بأنها توغل في العقم، عندما نقرأ ونتلمس معانيها وأبعادها، في ضوء ما يجري وما تنذر به النذر.. ذلك لأن المتابعات والمشاهدات والمناورات والاتصالات والاجتماعات، الأممية وغير الأممية، والتصريحات الرسمية، ولا سيما الوقائع والمواجهات الساخنة على الأرض، والاقتتال الوحشي في مناطق متعددة من الجغرافية السورية.. كل ذلك يجعلنا نقف على أننا، لحمٌ على وَضَم، نُقحَم في جحيم بعد جحيم، ولا نتردد في أن نقتحم الحجحيم ذاته، حين تسخن رؤوسنا أكثر من قلوبنا، “فيطوش حجرنا”، كما يُقال، ونقدم على أفعال لا تقبلها العقول ولا تقرها أصول.. وأننا في المزاد، أو في سوق الأكباد، تباع أجزاء منا أو ترتهن، بعد أن أصبحت إرادتنا مرتهنة بشكل من الأشكال. نحن نذهب إلى المهالك تحملنا حماسة لكل ما ينبغي أن يرفضه التعقل وتأباه الكياسة.. نذهب على غير علم، ولا هدى، ولا حتى استبشار ببوارق أمل، تخرجنا من المآزق التي نحن فيها، وتوصلنا إلى ما نحلم به وما نتطلع إليه من أحوال، تحفظ بعض الوطن وبعض الشعب، وما تبقى من ثمالات علاقات السوريين بعضهم ببعض، تلك التي وصلت إلى الحضيض، على الرغم من أقنعة تغطي الوجوه وترسم الابتسامات، في مواقع ومناطق وحالات؟! نحن نمضي إلى الهيجا، بغير رجا، ونقتتل لنقتل الوطن والمستقبل، وننصر العدو والمعتدي والمحتل، والطامع والشامت، ونغري بالشام من كانت تردعهم الشام.. نمضي من دون أن يسأل المسؤولون، في كل المواقع والجبهات، أنفسهم ومرجعياتهم، ولا نقول ضمائرهم، فتلك غابت في ظلمات الظلم والاحتراب: إلى متى يبقى شعب ووطن، وتبقى أجيال من السوريين، رهن من يبيعون ويشترون، ويقامرون ويغامرون، ويتاجرون بالإنسان والوطنية والوطن.. ومن لا يعنيهم إلا أن يخوضوا في الدماء وهم ينفشون ريشهم، ويقبضون ثمن أرواح الناس، ويشبعون أمراضًا قل أن عرفتها البشرية من متاجرين بالدين والوطنية والقومية والحرية؟! إنها، وإنهم.. حالة أكثر من غريبة في التاريخ، فلا الحلول السياسية التي يقولون: إنها المداخل التي لا مداخل سواها لحل: الأزمة/الحرب/الكارثة/ الجنون.. مجدية، أو باعثة للأمل في الأنفس، لأنها غدت بعض بضائع ساسة وسياسة لا علاقة لها بالأخلاق والإنسان والسلم والأمن والاستقرار، بل هي أكثر ما يتعرض للإفشال المنهجي المدروس لتحقيق أغراض ترمي إلى استمرار القتل واستنزاف الدم، وإغراق العرب والمسلمين وليس السوريين وحدهم، في الفتنة، الإبادة.. ولا الحلول العسكرية ممكنة، كما قالوا ويقولون.. ومعظمهم قال ويقول: إنها ليست الحلول لحرب مركبة، أو معقدة: “داخلية، أهلية، مذهبية، إقليمية، دولية.. سياسية ودينية وعرقية، واستراتيجية بين قوى وتحالفات اتخذت جميعًا من سوريا أرضًا لحرب الإرادات والاستراتيجيات والعقائديات.. وتركت البلاد والعباد، أشبه بأطلال بلاد وبقايا عباد، يقعون بين نيران مشتعلة، منها نيران الإرهاب ومقاومة الإهاب؟!
إنهم جميعًا: ساسة ومقاتلون، سلطة ومعارضون، دينيون وعلمانيون، سنيون وشيعيون، قوميون وإسلاميون، تجار وإعلاميون.. إلخ، يلغون في الدم والإثم، بإرادة أو من دون إرادة، ولا يستمعون للإنسان الذي يصرخ في أعماق كل إنسان منا، بكل الألم والرعب والصدق: أن آن الأوان للرؤية والمسؤولية والعقل والفهم.. وآن الأوان لطرح سؤال الأسئلة: من أعطاكم الحق في قتل الناس باسم الناس، وقتل أنفسكم في معمعان القتل، وأنتم ومن يوجهونكم أداة الموت، وتجار الموت، وصناع الموت، وأعداء الحياة؟! تجسّدون ذلك من خلال الأفعال ومآل الأقوال؟! ونحن من يدفع الثمن، وأنتم من يقبض أو يطمع بأن يقبض، ومن يطمح بما لا سبيل إلى بلوغه إلا بالسلم والعقل والإيمان؟!.. وها نحن نصرخ بكم، ونصرخ، ونصرخ.. ألا فاسمعوا: البيت، والوطن، والشعب، والقيم، والدين، والقومية، والوطنية، والهوية، والمرجعية، والسياسات الغبية.. إلخ، كل ذلك إلى خراب.. فقفوا عند حد، وكفوا عن تحويلنا وما نملك إلى يباب؟!
فلنتذكر بعض ما كان من مؤتمرات، واجتماعات، وبيانات، ولقاءات، وقرارات، ومعارك مهلكات، منذ السابع عشر من آذار/ مارس ٢٠١١ وحتى يومن هذا.. ولننظر إلى ما يحدث اليوم، وما يُنادى به للغد، في ضوء ذلك الذي كان وما وصلنا إليه حتى الآن.. ولنحكّم المنطق، والمصالح العليا للإنسان، وما يمليه الخُلق القويم، والدين السمح، والانتماء لحضارة وشعب وأرض، ثم نحكم بهدوء ونزاهة، ونرى رأيًّا يمليه العقل وتمليه مصلحة الناس وقيم الإنسان.
نحن في خضم متناقضات، من حيث التحركات العسكرية والمواقف السياسية..
- اجتماعات أممية في سويسرا، سيجريها ديمستورا، ذات طبيعة “استشارية ـ استطلاعية، لتقريب وجهات النظر، أو مقاربة وجهات النظر، بين الأطراف المعنية بالمسألة السورية؟!” عجيب، بعد الذي جرى وكان منذ جنيف ١ وحتى التحضير لجنيف ٣، وبعد استخلاصات وقرارات من مجلس الأمن الدولي.. نعود إلى ما يشبه المزبع الأول.
- اجتماعات لمعارضات في بلدان أخرى، تعمق الانقسامات والخلافات، وترمي، فيما ترمي إليه، إلى تحركات عسكرية، وتنفيذ استراتيجيات لا صلة لها بالحلول السياسية ـ السلمية.
- توافق تركيا والسعودية على دعم مخططات عسكرية، واستقطاب تنظيمات مسلحة، وتزويدها بالسلاح والدعم المالي، وتكليفها بمهمام محددة في إطار الحرب الدائرة في سوريا، لا سيما جنوبها وشمالها، وحول دمشق العاصمة.. لفرض حلول سياسية للمسألة السورية.. إلخ؟!
- توافق محور طهران، بغداد، دمشق، حزب الله، المقاومة على إنشاء غرفة عمليات موحدة لمواجهة التطورات الأخيرة على جباهات: درعا، وجسر الشغور، والقنيطرة.. وقيام كيان الإرهاب الصهيوني بالعدون المتكر وقصف مواقع الصواريخ الاستراتيجية في القلمون، القطيقية، وغيرها من المناطق السورية.
- تأكيد الوزير كيري على أوضاع ومواقف وسياسات أميركية كان قد جرى التحول النسبي عنها، تضمنها تصريحه يوم الخميس ٣٠ نيسان/ أبريل ٢٠١٥ ويأتي هذا في إطار ما يمكن اعتباره تضليلًا مستمرًّا وليس ترددًا وتخبطًا في السياسات. ففي الوقت الذي تستمر فيه بلاده بتدريب مقاتلين من المعارضة السورية، وإرسالهم إلى سوريا للحرب، بزعم جديد: “أنها لحرب ضد تنظيم الدولة”. والجميع يعلم أن ذلك قرار اتخذ ورصدت له المبالغ، وبدأ التدريب والتسليح في وقت سابق لقرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتصنيف داعش والنصرة منظمات إرهابية، وكان قرار التدريب والتسليح آنذاك وما زال، لدعم ما سموه “المعارضة المعتدلة” وتدريب عناصر منها تكون معتمدة من الولايات المتحدة الأميركية، عند تغير الأحوال والأوضاع في سوريا، وإسقاط النظام. وتأكيد الوزير كيري الأخير، عند استقباله وفدًا من المعارضات السورية “الائتلاف”، جاء استمرارًا للتمويه أو التضليل، وليس للتناقض، فقد قال: “إن الوضع على الأرض في سوريا، وفي المجتمعات المحيطة بها هو ببساطة وضع كارثي ولا يحتمل”… “إذ إن ثلاثة أرباع السكان في سوريا أصبحوا نازحين ـ والعديد منهم، على الأقل نصفهم، نازحون داخل سوريا نفسها”… “إن هذا نظام فقد كل إحساس بأي نوع من المسؤولية تجاه شعبه، ولذلك يجب أن يكون هناك انتقال من نظام الأسد إلى حكومة تمثل جميع أبناء الشعب، ويمكنها إصلاح هذا الضرر الاستثنائي الذي لحق بسوريا، وتوحد البلاد وتحمي جميع الأقليات وتوفر مستقبل يتسم بالشرعية. الجزء الآخر من المشكلة هو أنه فيما ينشغل الأسد بتدمير البلاد لأجل مصلحته الشخصية، فإنه يُمَكِّن ويجذب للبلاد، الإرهابيين الذين لهم تأثير سلبي آخر على المنطقة. وهذا هو السبب في أنه قد فقد كل الشرعية فيما يخص قدرته على أن يكون جزءًا من مستقبل البلاد على المدى الطويل”.
- تواصل الوزير كيري مع لافروف، يوم الخميس الماضي، لدعم المحادثات الأممية، والتشاور بشأن أوضاع وأزمات دولية، منها الأزمة السورية.. وهذا جزء من مشهد اللعب على التناقضات، واستمرار السياسات الملغمة بين الدولتين الأعظم، اللتين تتصارعان من خلال تحالفات أوسع، وتدعم كل منهما طرفًا أو أطرافًا في الصراع الدموي الجاري في سوريا.
وإلى جانب ما أشرنا إليه من تناقضات، في السياسات والمواقف والنوايا، على صعد سورية وإقليمية ودولية.. هناك تناقضات أخرى فرعية، ليس هنا مجال ذكرها، لكنها تبقى فاعلة في الحرب، ومؤثرة سلبيًّا في التوافق على توجهات جامعة، ومناقضة للتوجه بإخلاص وصدق نحو الحلول السياسية السلمية. وهذا كله يدخلنا في دوامة بعد دوامة، ويبقينا في خضم صراع دموي مجنون، وبعيدين عن توجه مسؤول لوضع حد لمعاناتنا، ويتركنا أدوات وبضائع بيد تجار السياسات والحروب والأزمات، ووقود نار فتنة يستفيد منها أعداء الأمة والدين، ولا تدمر الأمة والكثير من القيم التي تبنى عليها علاقات سليمة، ومصائر مشتركة.
يا لبؤسنا، ويا لفداحة الكارثة التي تصيبنا وتستهدفنا في الصميم، تحصد الأرواح، وتوغر الصدور، وتستنفر الهمجية والوحشية، وتبعث جنون الفتنة والحقد والغرور.. وتفرض الضنك والفتك، حتى تحيلنا إلى رميم.. تجعلنا بنظر البلدان والشعوب والأمم، مشوهين وعاجزين، وقد لا نستحق حتى الشفقة؟!
غرباء نحن في وطننا وغرباء عن وطننا، غرباء في أمتنا وغرباء عن أمتنا، غرباء عن ديننا حين لا نفهمه الفهم الصحيح السليم السمح، وحين نسلك سلوكًا يتنافى مع تعاليمه والأخلاق التي جاء بها ودعا إليها، ومع قيمه.. قيم الإنسان في كل مكان وزمان، إذ هو دعوة ورسالة ورحمة للناس كافة.. وغرباء نحن في أسلوب تعاطينا مع قضايانا ومع آثارها المفجعة، وفي تعاملنا وتفاعلنا مع بعضنا بعضًا، وغرباء إذ نعتمد اعتمادًا شبه كلي على الغرباء.. في الكثير الكثير من شؤوننا الآن، في السلاح الذي نقاتل به، والمال الذي ننفقه على شؤون الحرب المجنونة والفتنة المأفونة.. وفيما نحتاج إليه من مصادر الطاقة التي كان لنا منها ما يكفينا وما يعود علينا بدخل وطني، وما نفتقده ونحتاج إليه من المحاصيل الاستراتيجية وحتى الغذاء، بعد ما كنا فيه من توازن وشبه اكتفاء ذاتي، جنبنا التبعية المطلقة، وصان بلدنا من أن تكون قراراتها وسيادتها ومصير المحتل من أرضها، وكل ثوابتها الوطنية والقومية، بيد الآخرين، وبيد أعداء أمتنا التاريخيين؟! ومن بؤس الحال اليوم أننا نبيع أو نرهن بعض الأرض والممتلكات والـ، ونفتقدها في الحاضر والآت، ونبيع بعض ما لا يُباع مطلقًا، ولا بأي ثمن، في سبيل أن نتابع حرق بلدنا، وقتل أنفسنا، وإفناء شعبنا، وتدمير وطننا، وتحقيق “الانتصار؟” على ذواتنا، ودفع العدوان علينا.. فندفع عنا الموت والإبادة بالموت والإبادة؟! فأية كارثة تصيب العقل والقلب والوعي والشخصية، وأية مصيبة هذه التي حلت بسورية التاريخ والحضارة، الحاضر والمستقبل، الإنسان والمكان؟! الكارثة التي نحن بعض عناصرها، وكل وقودها وضحاياها، وبعض تأثيرها على سوانا.. وهي كارثة تأبى أن ترحل عنا أو نأبى أن نخرج منها، إلا بعد أن تتركنا، وتترك بلدنا الحبيب، أثرًا بعد عين، لا سمح الله؟! ومَن للخروج منها غير المكتوي بنارها، أيها السوريون؟! ألا اعلموا أنه لن يفعل أحد من أجلكم مما لا تفعلونه أنتم من أجلها، ولن يقدم لكم أحد حلًّا إيجابيًّا لا تبادرون إليه بإخلاص، ولن يخرجكم من مأساتكم إلا وعيكم، ومبادراتكم الخلاقة، وتنازلكم لبعضكم بعضًا، ودفن الفتنة بكل أنواعها وتفاصيلها وعقابيلها، ولجم القائمين عليها بالفعل ووضع اليد على من يخرق سفينتكم ليغرقكم، وتسفيه القائلين بها ونبذهم ظَهريًّا، ورمي المحرضين على استمرار اشتعال نارها بما يرمونكم جميعًا به، والفتنة أشد من القتل.
ألا فاتقوا الله في أنفسكم، وبلدكم، وأطفالكم، ونسائكم، ومستقبل أجيالكم.. وارحموا من في الأرض يرحمكم من السماء.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إلى الأعلى