الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / رواية انقطاعات الموت لخوزيه ساراماغو..كتاب حاد مثل مدية، ورائع كقصيدة شعر

رواية انقطاعات الموت لخوزيه ساراماغو..كتاب حاد مثل مدية، ورائع كقصيدة شعر

لا أتذكّر أنّني قرأت كتابا مبهرا في عرضه وعميقا في تناوله لجوهر الوجود الإنساني بقوّة هذا الكتاب. نصّ معرفيّ فلسفيّ شعريّ مصبوب بدراية العارف في قالب روائي يعرض سرديّا عالما مهدّدا بدود الخوف والاستبداد والفساد والعمى في أقصى أشكاله، ولكنّه يحوّله ويعيد تشكيله بطريقة رؤياويّة، بعيدا عن تلك المعالجات المبتسرة، العمى التّام، الذّي سيتشكّل في رواية أخرى لساراماغو، فيما بعد ، هو ما تحاول هذه الرّواية أن تكتبه مطلقة عليه اسم الموت، ليس الموت الفردي الذّي تعوّدناه في شعرنا العربي القديم، بل موت آخر، موت حيّ، متكلّم، يعرف ما يفعل، واع بدوره تمام الوعي، ساخر بالوجود وأهله، كاشف لأكثر أقنعتهم تفاهة. الرّاوي هنا، وهو “المبصر” الوحيد، يجعل من كلّ شيء خادما لفكرته الأساسيّة، وهي تعرية مجتمعات الزّيف والجهل والفساد السّياسيّ والدّيني والاجتماعي خصوصا.
هذه الرّواية لا تنظر في عينيك، لا تواجهك، بل تنظر معك في الخلفية حيث تحدث الأشياء الأكثر قذارة وعنفا. تنير تلك المنطقة المخفيّة السّوداء المخيفة، لا تواجهك عينا لعين، وما حاجتها لذلك؟ بل تفتح عينيك لترى الغامض والمدنّس والمرفوض. وتكشف بشاعة حياة الكائن البشري الذّي يمعن في التّظاهر بنقائه وصدقه وبراءة عنصره. نصّ ينتزعك من ذاتك، يخترقك في لين وشاعرية طاغية، محترما كلّ قناعاتك، قبل أن يطيح بها هازئا ضاحكا.
“انقطاعات الموت” نصّ نضر، غضّ، مشمس. لا أعرف أحدا قدّم هذا الوصف لنصّ روائي من قبل، ملهم للنّفس لأنّه ينزع تدريجيّا قشرة الإنسانيّة الرّهيفة وأقنعتها المتعدّدة، ويضعك بقسوة في مستنقع الإنسانية الموحش المتوحّش ذي المخالب والأنياب. تصبح البهجة الظّاهرة دهشة أوّلا، فسؤالا، ثمّ معرفة عاصيّة طاحنة مقلقة. يجعل ساراماغو الوحش الذّي يقيم في أعماقك يظهر ويفتح جناحي شروره ويمارس في العلن وضاعته وخسّته. تتساءل وأنت تقرأ: من أين يأتي ساراماغو بكلّ هذه القدرة على التّحقير من شأن الكائن؟ كيف يتسنّى له العصف بكلّ إرث المواضعات التّافهة والمشترك القيمي القائم على الكذب؟ كيف يسيطر على هذا الكمّ من الأفكار ويسيّر عمارته السّرديّة بهذه السلاسة والحذق والمقروئية؟ لدينا في الواجهة نصّ روائي يحضر فيه الرّاوي في بداية بعض الفصول ليلخّص ما سبق أو ليعرض أمرا أو ليبسط موضوعا أو ليعمّق فكرة فلسفيّة، أمّا في الخلفيّة فيعرض المرأة والرّجل وهم يقتلون بدم بارد، يعرض المجتمع وهو يشعر بالألم لأنّ كبار السنّ لا يموتون كما قضت العادة. يعرض المشهد الخلفي للجنّة، حيث الحياة الأبديّة مأساة حقيقيّة وعذاب ما بعده عذاب. لا معنى لشيء اسمه الحبّ، لا معنى للأبوّة، أو للأمومة، أو للإحساس، كلّ شيء في ميزان المجتمع تجارة ومرابيح.
وهي مع ذلك رواية موجعة، متعدّدة الأصوات، تستفيد من التاريخ البرتغالي بتهكّم قلّ أن تجده بهذا العمق في نصّ آخر. يستعمل فيها ساراماغو “علبة أدواته” كلّها مرّة واحدة. ويغرس فؤوسه الحادة في لحم الحضارة الفاسد. ويناقش السياسيين ويكشف قذارتهم ولعبهم على كلّ الحبال لضمان بقائهم، وتوظيفهم لكلّ وسيلة مهما كانت من إعلام أو جيش.. حتّى المافيا نفسها، المهمّ بقاء الحكم وبقاء السّلطة. ويعرض الخطاب المتهافت الذّي يدّعي إدارة المقدّس وتصريف الأصول. وهو في كلّ ذلك مستفزّ، جريء، غامض كلوحة لرايموندو دي مادرازو، ينتصر للأرض ضدّ عوالم السّماء المغلقة وللمحسوسات القلقة ضدّ المجرّد المعمّى، وبالمحصّلة للإنساني ضدّ الإلهي.
وأنت تقرأ، لن تتردّد في النّظر إلى الرّواية على أنّها نصّ روائي واقعي، ولكنّ هذا الاعتقاد الذّي يمعن الرّاوي في تغذيته بالتفاصيل يغادر رأسك تدريجيّا لتدخل في منطق خاص تصبح بموجبه الأشياء والنّاس والأمكنة وخصوصا الأزمنة شقوقا منسيّة يتسلّل منها ضوء مشكّك غريب يصهر بناره العميقة معارف كثيرة وحكايات مثيرة، عند روائي آخر، تنساق في متابعة إغوائيّة لما سيحصل، وهو بديع حقّا، ويغرقك الكاتب بالأحداث. أمّا ساراماغو فإنّه يصّرح في أوّل جمل الكتاب: “لم يمت أحد”. ليس وجود الحدث هو المهم ليتقدّم بناء الرّواية، بل غياب الحدث هو المهمّ. وهنا تحديدا، في ليل العالم، نتلمّس مثل العميان بأيادينا الباردة مآسي الإنسانيّة.. ويضعنا الكاتب السّاخر في حضرة الوعي الحاد بجوهر إنسانيتنا المدوّد الخرب الفاسد.
يطرح الكتاب أسئلة لا حصر لها في علاقتنا بالزّمن. إنّنا نموت دائما في الأخير.. ماذا لو توقّف الموت عن قتلنا؟ ما معنى الموت أصلا؟ ولماذا نموت؟ في الرّواية يتوقّف الموت عن القتل. ولا نجد لمدة الأشهر السّبعة التّالية في أيّ مكان أيّ ذكر لوفيات، الناس كالعادة في حضيرتهم هادئون، لا شيء يدعو إلى الذّعر.. لكنّ الأسئلة تتعمّق، والنّاس يدخلون تدريجيا في القلق، وتبدأ الحكومة في الخوف وفي إيجاد الحلول لهذه المأساة الضّاغطة، “الحبل يحيط بعنقنا”، تقول أحد الشّخصيات، ما الذّي ستفعله الحكومة؟ ما الذّي سيفعله رجال الدّين؟ ما هو ردّ فعل الكنيسة؟ لا موت في الأنحاء، للأسف، وإحساس الكارثة يتعاظم ويتعاظم، هنا يجد ساراماغو مساحات طويلة ليمارس لعبه العميق وطريقته الخاصة في الإغواء والتّشويق، ليدفعك لملاحقة الأحداث. يمعن في ملاعبة قناعاتك. يقول على لسان أحد أبطاله: “الموت هو السيّد، يعود أو لا يعود”، تتساءل: “هل يكون الموت هو الحلّ لهذه الإنسانية العطنة الفاسدة؟”. تقرأ صرخة أحد الشّخصيات: “ماذا سيحلّ بنا الآن؟” وتشعر أنّ الموت كان رحيما بنا وهو يصبغ حياتنا بأحاسيس متنوّعة منها الفقد ومنها الشّوق ومنها الأسى، وتتحسّر على نعمة الموت حين كان هناك أناس يموتون. يتحوّل الخلود إلى سجن أو إلى قيد أو إلى موضوع للمعاناة منذ أن توقّف الموت عن عمله.
يمعن ساراماغو في الإصغاء إلى شكاوى القطاعات المهنيّة في سرد بديع، نرى فيه مجتمعه كاملا دون أقنعة، نعرف مشاكله، نصغي لما يحدث في القاع حيث الآلام هي فراشات حقول زرق ترافق النّاس، الوجع في أقصاه، والخوف في أقصاه، والعلاقات داخل الأسر التّي تصل إلى صور من البشاعة لا أعتقد أنّ راويا غير ساراماغو عرضها سابقا. تسيطر على النّاس رغبة قتل أقاربهم ممّن تقدّم سنّهم، يضجّون بخلود العجزة. يتساءل بعض الأبطال: “الموت أفضل من هذا المصير”، وفي هذا القسم، الذّي هو القسم الجوهري في الرّواية، يصغي الرّاوي إلى مؤسسات التجارة الجنائزيّة وإلى مديري وإداريي المستشفيات وإلى مسؤولي دور المسنّين وإلى مؤسّسات الاتّصال الاجتماعي وإلى شركات التأمين ويصغي إلى المذاهب الدّينيّة، وإلى الفلاسفة أيضا… في نسيج ساخر كاشف للتّناقض يعرّي ما في نفوس النّاس من توحّش وقذارة. نرى حلولا مضحكة في الظاهر لكنّها، في العمق، مخزية، يكاد القارئ يتساءل: “هل هذا أنا؟، هل هؤلاء نحن؟”، ولا تبطئ الإجابة. هذا هو الإنسان، لا تغترّ بقشرة الحضارة، في الدّاخل ليس هناك إلاّ القطران.
توقفت كثيرا عند موقف الكردينال، وملخّص رأيه أنّ نهاية الموت تعني عدم وجود انبعاث، وبدون انبعاث لا معنى لوجود كنيسة، ومعنى كلّ ذلك أنّ التاريخ المقدّس في خطر. نعم، ليس هذا إلاّ نموذج ممّا يسرده هذا الكتاب الكبير الذّي يذكّرنا بالنّصوص الكبرى في التّاريخ الإنساني.
تقرأ كأنك تسقط في حفرة، لا مسوّغ للأديان في غياب الموت إذن، السّماوي نفسه بعيد، والدّين مسألة أرضية، لا مستقبل بلا موت، يخترق ذهنك صراخ الكائنات، “الموت أفضل”، “لا أريد ماء، أريد أن أموت”، يمدّ لسان الزمان سمّه إلى أوردتك، تتمنّى الموت مثل أبطال ساراماغو. الجميع تقريبا يبدؤون “التضرّع من أجل عودة الموت”، ولكن حتّى في الموت يستعمل الناس الأسلحة الحقيرة نفسها التّي أفسدت الإنسانيّة وهي الفساد والرّشوة والتّخويف واستعمال شبكات المخبرين الضخمة بل المافيا بنفسها لو لزم الأمر.
تحدث بعد ذلك في الرّواية أحداث كثيرة، لا ألخّصها، حفاظا على ذلك اللّهب المشوّق الحالم المرافق لفعل القراءة، لكنّ الكاتب يمعن في العبث بنا ومناقشة يقينياتنا، فالموت لا ينتهي، يعود، رحمة بنا، عودة غريبة، لا يعود فجئيّا مخاتلا خوّافا كالمعتاد بل في وضح النّهار مثل جنتلمان، يطرق الباب، بل يرسل قبل موعده بأسبوع رسالة تخبر بموعد وصوله. أنت أيّها القارئ قبلت الفكرة الغريبة الأولى وستقبل الثّانية دون أن تقول شيئا. العادي ينسحب من أمام ناظريك، دون أن تنشغل، بماذا أفادنا العاديّ حتّى نقدّسه كلّ هذا التّقديس؟ لهذا تقرّر بإرادتك هذه المرّة أن تدخل التّجربة من جديد واعيا هذه المرّة بل ميتقّظ الذّهن داريا بوضاعتك. ومتّفقا أنّ تصحيحا عميقا هو بصدد الحدوث في تصوّرك للوجود وتصوّرك للقيم. هناك دائما فرصة لهندسة الحياة الفردية من جديد، وفرصتك هنا هي كتاب ساراماغو الحاد مثل مدية. والرّائع كقصيدة شعر.
بعد القراءة أنت لست الشّخص الذّي كنته، كنت تعرف قبل القراءة أنّ الموت والحياة شقيقان، لكنّك لم تكن تستشعر المأساة والكارثة في غياب الموت مرّة واحدة وإلى الأبد. كنت تعرف أنّك مستغلّ، ولكن وأنت تقرأ ستعرف أنّك كنت دائما نهبا لأنذال سرقوك باسم الله وباسم القيم وباسم الموت أيضا، ومارسوا ضدّك نذالاتهم كلّها. بعد القراءة تتيقّظ النّمرة التّي علّموها النّوم في أعماقك، تنبت لها في الظّلمة أنياب ومخالب.. وتنقظّ.
هذه الرّواية واحدة من مراثي الموت الكبرى في تاريخ السّرد، الموت فيها يصبح منتهى آمال الناس وغاية غاياتهم، يقول أحدهم: “إذا لم نمت، فلا مستقبل لنا”، يضجّون بخلود لا يفهمونه، وبجنّة هي صورة أخرى لحياتهم البائسة، فيهرعون إلى الجحيم المحيط بهم حيث ما يزال الموت يؤدّي وظائفه ذاتها، حاملين آباءهم المسنّين وأمّهاتهم ومرضاهم ليموتوا. وهنا تحديدا يكتشفون ما هم عليه، في الحقيقة، كومة حقارات ومخاز تمشي على قدمين.
إنّ حضور البعد الغرائبي، أي تعطيل الزّمن، سمح لرواية كتبت بعصى عون الأمن وقبضة معاون الميكانيكي وثقافة المترجم وروح الصّحفي الجوّال ودقّة المصحّح في جريدة سيّارة وألم المصاب بسكتة دماغية، أن تكون، لا نصّا محلّيا بسيطا يعبّر عن معاناة شخص أو طبقة، بل صرخة في وجه القهر والاستغلال والفساد والمواضعات التّافهة، ودعوة للتفكير في مصير الإنسانيّة الذي غلبت عليه الحقارات بأنواعها. بل لعلّنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ هذا الحشد من الحكايات والملاحم والأساطير والفنون المسمّى “انقطاعات الموت”، ليس إلاّ معالجة فنّية لموضوعة الموت والخلود، وتذكير بأكثر حقائق حياتنا بداهة. “يجب أن نموت لكي تستمرّ الحياة”.
صدر الكتاب عن دار مسكلياني للنشر، لصاحبها الشاعر والنّاقد البهيّ شوقي العنيزي، وترجمها المعلّم صالح علماني.

سامي نصر

إلى الأعلى