الأربعاء 25 يناير 2017 م - ٢٦ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في معرض للفنان التشكيلي التونسي وسام عبد المولى “من حافة إلى أخرى”

قراءة في معرض للفنان التشكيلي التونسي وسام عبد المولى “من حافة إلى أخرى”

توظيف الغربة لتجديد خطاب اللوحة

الغربة هي انفصال الجسد عن الموقع الجغرافي الذي ينتمي إليه الإنسان بالوراثة، ثم بالاعتياد فيعشقه في كثير من الأحيان لأنه مسقط الرأس الذي احتوى ذكريات ومراحل العمر الماضية بكل تفاصيلها واختزل أحداث سنين طوال.
والمغتربون أنواع وأفضلهم ذلك الذي لا تمس غربته الجسدية فكره فيظل نشيطا، إلى حد استثمار تلك الغربة وما يرافقها من أحاسيس وتفاعلات مع كل ماهو جديد من أماكن، أحداث، شخوص وتأملات… وخاصة الفنان الذي يمتلك حساسية أكثر من بقية البشر نحو الأماكن والمحيط ويتفاعل معها بأكثرعمق . فالجسد بتنقلاته يتجدد والفكر بتأملاته يعاود الانتفاض على ما كان من المسلمات نحو معان ودلالات متنوعة تحرك هذا الجسد حتى في عز سكونه وثباته، وهذا ما أتاه الفنان التشكيلي التونسي وسام عبد المولى من خلال معرضه الفردي الأخير”من حافة إلى أخرى” والذي أقيم في المركز العماني الفرنسي.
احتوى المعرض 19 لوحة بقياسات مختلفة بتقنية الاكريليك على القماش، أنجزها الفنان خلال مدة تنقلاته بين أماكن مختلفة وآخرها سلطنة عمان المكان الأكثر تأثيرا في نفس الفنان فاختزلت ربما لحظات من الغربة الخلاقة.
المتأمل في مجموعة أعمال المعرض يلاحظ حساسية الفنان تجاه غربته، تجلت من خلال مواضيعه المعالجة وتقنياتها وأبعادها ودلالاتها الرمزية، فاعتمد على الطابع التجريدي بماهو تحريف للواقع بمثابة القناع الخطي واللوني الذي تختفي وراءه أفكار الفنان ورغباته ليصبح الفعل الفني تعبيرا مستترا ومقنعا لأحاسيس ومشاعر وتفاعلات مختلفة وجدت واقعا روحيا لتتجلى للعيان تحت عناوين مختلفة باختلاف الأماكن والأحداث كالتالي “ذكريات في هولاندا” “الأمة” “مهموم” “نرجسية” “رهينة في باردو” “صقلي” “حلم” “صلاة و دعاء” “سفر” “مريض” “جولة انتخابية” “من حافة إلى أخرى” “كيف” “رياضي مضحك” “نفط” “كرة القدم قصة عشق” فلامنكو أندلسي” “سعادة” ” الكوريدا”.
اعتمد الفنان تقنية الاكريليك في كل لوحاته كخامة أجاد التحكم بها وتشكيلها وتطويعها فأظهر خاصياتها وجماليتها وبنيتها داخل اللوحات خاصة مع اعتماده لغة الشكل للإفصاح عن معانيه، ولكل شكل اعتمده معنى يتولد من أشكال أخرى مجاورة داخل نفس اللوحة وحتى من لوحة إلى أخرى يترابط معها في تفاعل وتواصل ابدي.
ألّف الفنان بين الشكل والخلفية والأشكال في الأغلب هي شخوص وهيئات أدمية مجردة رامزة، حيث ينصهران ببعضهما بقوة ويتعادلان في المعنى من الناحية الفنية حيث تبدو مساحتهما الملونتان سالبة وموجبة على التوالي من خلال تبادل الاهتمام فيما بينهما فلا يلغي احدهما الآخر بل بالعكس من خلال ذلك التحاور اللوني تحدث الوحدة، وحدة الأثر الفني.
اعتمد الفنان في لوحاته على ألوان متعددة ومتمازجة، ازرق واحمر واصفر بدرجاتهم المختلفة إلى جانب القيم الضوئية لمعالجة اللون والسطح التصويري، فالألوان في أعماله تبدو أشعة منظورة تشتمل على الإحساس البصري المترتب على اختلاف درجاتها، والمميز في أعمال الفنان أن الشكل في كثير من الأحيان لا يمكن إدراكه إلا باعتباره لونا. فاستعمال الألوان الحارة والباردة على حد السواء فاذا كانت ربما الضربات اللونية الحمراء تمثل الجراح فربما للون الأزرق دلالات كالأمل واذا كانت عتمة الألوان تمثل البؤس فان الألوان المضيئة تمثل الانطلاق وهكذا نجد الانسجام والتناقض حتى في توظيف دلالات الألوان لتعكس الحالات النفسية المختلفة التي انتابت الفنان بماهي تخاطب مباشرة ذهن وفكر المتلقي وتترك لديه انطباعات وتأويلات خاصة.
أما المضيء والمعتم في الأعمال فارتبط بلون الشكل وقيمته السطحية حيث عالج الفنان جيدا التوافقات والتباينات والتوازنات بين مساحات القيم اللونية المضيئة والمعتمة، بتحول وتدرج وتوليف وتعاقب بين فاتح وغامق. كما قلنا الأشكال جاءت في الأغلب شخوصا تنتقل تائهة حينا ومدركة اتجاهها بعمق حينا أخر من لوحة إلى أخرى بصفة جماعية حينا مثلا في لوحة”الأمة” و “جولة انتخابية” وفرادى حينا أخر مثلا في لوحة “رهينة في باردو” و “مهموم”…تبدو وكأنها تطارد بعضها بعضا في نسق حثيث فيرسمها حينا فوق الكتلة اللونية(الخلفية) التي تكون حينا غامقة وأحيانا أخرى فاتحة من خلال استخدام الفراغ الايجابي والسلبي بحنكة بالغة، كما يرسمها متماهية مع الخلفية أحيانا أخرى بنفس اللون مع اعتماد درجات اللون المختلفة لتبين الهيئات من خلال الخط واللون كعناصر بنائية لشخوصه التي يعمد الفنان في الغالب لطمس معالمها لتظهر لنا في شكل خيالات في حالات نفسية مختلفة بين حزن من خلال لوحة “مهموم” واكتئاب من خلال لوحة “الأمة” و فرح في عمل “سعادة” وثقة في لوحة “نرجسية”… ومتطلعة في “جولة انتخابية” و” حلم” وكذلك متضرعة في حالة استجداء في لوحة “صلاة و دعاء”…هذه الخطوط والكتل اللونية قسمت الفراغ وحددت الأشكال وانشات الحركة وأوجدت الفواصل الجمالية بين هذا وذاك. لخطوط وألوان وأشكال وسام عبد المولى فلسفة للتأثير النفسي على المتلقي حيث يعمد إلى الخطوط وحركات الفرشات التي تمتد عموديا من الأسفل إلى الأعلى مثلا في لوحة “نرجسية” و”الكوريدا” لتبدو ثابتة و تسمى بالرأسية ليعطي الانطباع بالقوة والصلابة و الشموخ، بينما يعمد إلى الخطوط المائلة التي ترسم محاذية لخطوط نوعا ما مستقيمة مثلا في لوحة “الأمة” و”مهموم” و”صلاة ودعاء” فهي تعطي الإحساس بعد الاتزان والتوتر والاضطراب والقلق، أما الدائرية مثلا في لوحة “سفر” و”صقلي” فهي تعطي الانطباع بالتواصل والأبدية واللانهاية.
أما الكتل اللونية أو الفراغية لها كثافة وثقل في لوحات وسام عبد المولى حيث شغلت حيزا من مساحة اللوحة وكانت إما خلفية بألوان ممزوجة وإما شكلا يعني صلابة الجسم وتميزه بأبعاده الثلاثة الطول والعرض والعمق، وعادة ما يظهر الشكل على شكل كتل لكن هنا حتى الخلفية كانت كتل أكثرا تعقيدا هي الأخرى من الشكل. حيث بدت الهيئات والمواضيع المرسومة في أعمال الفنان للوهلة الأولى وكأنها لا تتلاءم مع المكان الذي وضعت فيه (الخلفية) لا من ناحية النسبة ولا من ناحية الإحساس الفني بها، ولكن المتأمل جيدا والمبصر لأعماق الذات المنتجة وانفعالاتها يمكنه أن يفهم قصدية ذلك لتعميق الإحساس بالغربة فتبرز أحيانا كشكل واضح كما جاء في لوحة “ذكريات في هولاندا” و”رهينة في باردو” ومجموع لوحات “من حافة إلى أخرى” وتتوارى مع الخلفية أحيانا أخرى كما حدث في لوحة “كيف” و”مهموم” بقصد الوعي بها ليس لمجرد الإدراك الحسي بل للاهتمام بتركيباتها لأنه السبيل الوحيد للوعي بجماليتها.
كما وعى الفنان هنا باستخدام الشكل وتناسب أجزائه وحجمه وتذبذب علاقته مع الأرضية فتارة في توافق وانفصال وتارة في فصام وتداخل، هذه الخاصيات التي ميزت أعمال الفنان وسام عبد المولى ساهمت ودفعت إلى تبادل المعاني بين اللوحات والألوان والإحساس بها وبأبعادها الرمزية، فألوان وخطوط وهيئات الأعمال امتزجت بذات الفنان وخياله وأحاسيسه فاكتشف من خلال غربته عناصره الأكثر إغراقا في الخيال وتجلي الوجدان، أبعاد خفية وبعيدة تقبع هناك في أعماق الذات ترجمها الفنان من خلال حسن معالجة المواضيع بحسن معالجة السطوح لإيصال اللحظات الانتماء للغربة التي احتوت الفنان وزودته بشيء من الاضطراب والتخلخل وكثير ربما من الحنين وشيء من الألفة فسلطنة عمان هي بالأساس الفضاء الذي احتوى وأخرج التجربة إلى حيز الوجود، كل هذه الأحاسيس برزت على مستوى التراكيب التي تعكس لنا أن القدرة والقوة الحقيقية لا تكمن في حسن الرسم بتناسب مثالي فقط بل هي القدرة على ابتكار الأشكال الأكثر تعبيرا عن دواخلنا وتنظيمها بأسلوب خاص وان تخللتها الفوضى اللونية والتذبذب الشكلي فربما هذا قصد الفنان وهذا ما يزيد من وحدة العلاقة بين مختلف أجزاء العمل الفني، وخاصة علاقة الجزء بالكل من خلال الشكل واللون، وهذا ما يخلق ترددا جماليا قوامه تكرار، توازن، تناثر، وتبادل، كما برز من خلال درجات اللون والأحجام والأشكال…والايهام بالعمق دون استخدام المنظور.
يبرز مضمون الأثر الفني لوسام عبد المولى من خلال معرضه الأخير “من حافة إلى أخرى” جليا من خلال نتاج البناء الكلي للأثر الفني وأيضا من خلال التأثير الذي يتركه لدى المتلقي فتصل من خلاله مشاعر مضطربة ومختلفة تشعرنا بالثقة إزاء بعض الأعمال وبالمرض والحزن إزاء أعمال أخرى كما تشعرنا بالسعادة والحلم في غيرها، كما تحاكي بعض أوضاع الأمة ونتائج ثوراتها وتذبذب مشاعره بين بلده الذي يحقق انجازات يتفاعل هو معها عن بعد…كل هذه الأحاسيس والغربة الخلاقة نتاج لرؤية فنان وموقفه ووعيه بحاضره وتفاعله معه واستشرافه للمستقبل، لهذا جاءت آثار الفنان فعل ايجابي يزخر بكثافة لونية وشكلية وقدرات ترميزية ودلالية صادقة شكلا ومضمونا من خلال تركيب وتنظيم العلاقات والمعادلات والمعالجات والمواصفات التقنية وخاصة قوة الملاحظة وصدق إفرازات الروح والفكر لتترجم رؤى وأفكار فنان عايش الغربة واقتات كعصفور مهاجر من فتات ذروتها نشوة الوجود المؤقت.

دلال صماري
تشكيلية وباحثة تونسية

إلى الأعلى