الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ديفين – ياجودينا ( 1 )

ديفين – ياجودينا ( 1 )

لقد صادفت رحلتي في الصيف حيث إن هذه الرحلة هي من أكثر رحلاتي تميزا كونها اخترقت المدن البلغارية بما فيها العاصمة (صوفيا) والتي طارت شهرتها في الآفاق، هذا الاختراق نحو تلك المدن كان عن طريق الجبال واصفا إياها بعين الدهشة وهي التي تمتد سلسلتها من بلغاريا إلى تركيا، كما أن قيامي بهذه الرحلة لم أكن مجرد زائر عابر فقط تبهره الأشياء وتخطف بريقها بصره وإنما أتيتها رحالا ومغامرا وعدت منها ونفسي مبتهجة نحو الحديث عن جغرافية المكان ومسالكها وطبائع أهلها، لذلك في هذه الرحلة رأيتني أشحذ القلم واللسان وأحصره كي أكتب عن هذه الرحلة أول بأول طيلة فترة إقامتي بين المدن بعدما باتت الفائدة عظيمة ومضاعفة ومتعة كبيرة بدءا من الطبيعة إلى ملامح المدن وأمواج الناس بأطيافها بعد ما امتلأت بهم الشوارع والساحات.
كما إني سأورد ما كنت أدونه كل مساء على دفتر رحلاتي راغبا في اطلاعهم بما كنت أقوم به بعد ما زادت الرحلة عمقا وإتساعا فلا يكاد القاريء يشعر بالضياع وهو يتتبع مراحل الرحلة بعدما يتنقل من منطقة إلى آخرى ذاكرا في ذلك أهل المدن التي أصلها منها ما بها قوم من المسلمين بعد ما ساجلتهم شاعرا بالامتنان والانسجام معهم ، وذلك بعد ما رأيت أنفع طريقه نحو معرفة أهل البلاد سوى من خلال معاشرتهم ومعرفةعاداتهم وأخلاقهم وأنماط عيشهم وحقيقة طبائعهم ، لذلك في هذه الرحله طرقت أبوابا من خلال إقامتي مع عدد من العوائل في المدن التي أصلها حيث أكلت من طعام هؤلاء البسطاء بعد ما لقيت منهم كل الضيافه والتكريم وهو ما لا أجده في مائدة أي ثري.
هؤلاء البسطاء يمتازون بدماثة الأخلاق وسمو الآداب وبساطة العيش والإحساس، ومن خلال هذه الخصال إذا جمعتها سوف تتكون لديك صورة الشعب الذي تكون في ضيافته، وما رحلتي هذه سوى نبذة وقطوف عن هذه المسالك أردت منها أن أقوم بكشفها للقارىء عن جوانب مجهولة من التي اعتاد المسافر عليها حيث إن في الأسفار فوائد جمة وأخصها بالذكر رؤية الدنيا ودرس في الأخلاق وتفقه في العقل وصحة الجسم وانشراح في الصدر.
هذه الرحلة دونتها أثناء اغترابي في هذه البلاد، واذا وفقني الله في وصفي فذلك سيكون عنوان البلاد والله المسؤول أن يهيء لي العودة بسلام إلى الوطن المحبوب ، إنه سميع مجيب.

مسار الرحلة :
بدأت رحلتي من مسقط متوجها إلى صوفيا مرورا باسطنبول تركيا ، ومن العاصمة البلغارية ركبت حافلة صغيرة أقلتني إلى هاتيك الجبال بإتجاه ديفين ومنها غادرتها إلى تريجراد عبر ياجودينا ومنها إلى زريبغو ، وقبل العودة بأدراجي باتجاه تريجراد ومن ثم إلى فوندي باد وبعدها توجهت إلى لياسكوفو وأخيرا بلغت إلى ميراكيولوس قبل بدء العودة إلى صوفيا مرورا باسطنبول والعوده إلى أرض الوطن .
ديفين – ياجودينا :
وصلت (ديفين) البلغارية عند الظهر وهي التي إكتست جبالها بالإخضرار من كل جانب حيث نزلت في فندق مؤثث بعد حجز مسبق وهو من أحدث الفنادق وبه أجنحة بملحقاته وهي مفروشة من غرفة بسرير إلى سجاد أرضي وجهاز تلفاز.
هذا الوصول صاحبه تلبد السماء بالغيوم حيث سرعان ما أمطرت الدنيا بالخارج والتي أعاقت خروجي من مقر إقامتي حيث فضلت عدم الخروج في تلك اللحظة حتى يتوقف المطر عن الإنهمار آخذا بعدها أدراجي عند توقفه باتجاه محال وكنائس في مركز المدينة وهو المكان الذي يؤمه معظم سكان القرى للتبضع.
في المدينة كنت أتنزه حيث يكمن فيها الهدوء وروعة التنظيم وجمال التصاميم المعمارية التقليدية وهي حسنة المنظر حيث بها طيب الهواء وكأنها مدينة وجدت للسكن والإستجمام إلى أن وصلت عند حافة نهر عظيم حيث هبت عليّ نسمات مياهه العذبة شاما عرف ذلك النسيم الذي سرى وهو كفيل أن تختلج به وجدان الإنسان .
أما عندما طلع فجر اليوم التالي، كنت في أحسن الحال بعد ما أزاح السرور ما بي من التعب وأثقاله حيث أكلت ما تيسر من الإفطار مغادرا بعدها المدينة تاركا ما أملك من امتعتي السفرية وهي التي سوف تصلني في ياجودينا ، تلك المغادرة كانت باتجاه الطبيعة حيث أنني لا يمكنني الإنفصال عنها وهي الرئة التي أتنفس منها حيث لا تروق لي كثيرا فكرة المدن والغرف المغلقة والتي لا تمنحني تلك الراحة التي أبحث عنها.
إن متعة المشي في أحضان الطبيعة لا تقاوم حيث كان ذلك باتجاه الشلالات المائية مجتازا جسرا خشبيا وقد استمد في بنائه من مواد الطبيعة ، هذا السير في بدايته حيث أتاح لي رؤية كثير من المراعي الخضراء وهي حافلة بالورود والزهريات الجميلة والتي لم تنقطع طيلة المسار الذي أسير عليه حيث الشلالات التي تتدفق من أعلى جبالها مشكلة نهرا جميلا ولا أروع.
كل ذلك وسط حزمة من الغابات المحيطة بالمكان بعد ما تخالطت تلك الشلالات مع أصوات البلابل والتي أسرتني بمشاهد لا يمكن أن تمحى من ذاكرتي، هذه الشلالات باتت تنساب وتتدفق من الجبال من عدة اتجاهات خالقه قنوات وجداول مائية وهي تنساب باتجاه طريق النهر حيث المياه نعمة من نعم الله تحيي الأرض من موتها فأنبتت هذه الورود والزهريات التي مررت عليها.
عندها دنوت بساتين المدينة بعون الله تعالى قاصدا ( ياجودينا ) بتعرجات جبالها بعد ما نورت أشجارها وفاح طيبها حيث لا متعة في الأرض المنبسطة لكن هذه الجبال بتعرجاتها سوف تعطيني شيئا من التمايز والإختلاف بين الأمكنة.
ياجودينا – تريجراد سكي
بعد ما كنت في ديفين إلى أن وصلت بلدة ياجودينا كانت بانتظاري جبال وانحدارات وسفوح بعد ما عشت وقائعها ميمنا المسير الى تريجراد كي أمد بصري نحو أرض تلك المرتفعات التي انتشت فوق قممها سحب منخفضة على ذرى مرتفعاتها الجبلية فيما الشمس مدت أصيل أشعتها في أرجاء الجبال المحيطة بالمكان والتي لم يألفها بني الإنسان كثيرا سوى إذا أمضيت بها ردحا من الوقت حتى تألفها ، هذا السير الذي أسلكه هو عبر مسار تقليدي لا يزال يستخدمه القرويون وعشاق الجبال وعابرو السبيل مستعينين في ذلك بالجغرافيا والخرائط بعد ما باتت جذبا سياحيا في إقتصاديات الدول.
في هذه الرحلة كانت تغمرني مشاعر السعادة والثقة بالنفس ، وذلك نحو خوض غمار هذه النوعية من الرحلات من خلال إختراق المدن عبر المسارات الجبلية والتي تمثل تحديا حقيقيا لي نحو إثبات الذات ، وذلك بعد ما أستهلك نحو الصعود إلى قمم هذه الجبال قدرا وافيا من الطاقة ويبدأ ذلك بعد ما بت بارحة الأمس ليلة من النوم المريح ولا يمكن نجاح ذلك دون القيام بشكل متمهل لممرات الجبل وعليّ أن أوقر هذه الجبال قبل الصعود إليها.
عندها سددت أذني مستغفرا الله ومسترحما نحو الإنطلاق في حفظ الله تعالى وهو الذي يحيطني بلطفه وستره ممتطيا الطرف في المشي بعزم لا يفل حده شيء ولا يتجاوز مده عراقيل حيث سرت بعد ما اعتمرت قبعتي حاملا حقيبة رحلاتي على ظهري والتي دائما ما أحمل بداخلها قنينات المياه وبوصلة وبعض الفواكه مقنعا نفسي بعدم حمل أحمال كثيرة .
هذا الإنطلاق عبر المنحدرات الجبلية من ( ياجودينا ) بإتجاه (تريجراد) لم يكن وراءه أية نواقيس من الغبار المعتادة والتي تعفر الوجوه ، هنا الجبال خضراء بتربتها الحمراء الرطبة كان جو هذا اليوم ملائما والسماء صافية والشمس ساطعة حيث سرت سير الغريب متوقفا عند كل زاوية ومتفرسا في كل شيء أثناء السير، هنا لا أسمع قعقعة ولا أرى أية بناء لازما في الوقت نفسه مساري مخافة أن أتركه حذر الضلالة، كنت أنحدر مع المنحدرات إلى أن بدأت أصعد مشيا نحو سلسلة جبلية شاهقة مخترقا الغابات والجبال الخضراء بعد ما ارتقيت أولى الجبال ، ومن خلال هذا الإرتقاء أصبت بشيء من الدهشة عنوانها أولى المناظر بإتجاه بلدة ( ياجودينا ) والكهف الذي قمت بزيارته وتلك الأكشاك الصغيرة التي بجانب النهر.
أما من أعالي هذه الجبال بتعرجاتها بدت الأراضي الجبلية وثروتها الطبيعيه جميلة المنظر، كما إنه أثناء المشي لا يمكن للعين أن تقع سوى على الغابات والمروج الخضراء، كانت الأشجار في غاية الجمال.
في هذا السير صادفت عابرا فرنسيا عرفته ( تيغي ) كان قد تجاوز الخامسة والستين وهو منفوش الشعر بين سائر أجزاء وجهه ، وهو الذي لم تتعبه سنين العمر ولم يحدودب ظهره حيث لم يكن شاحبا بل كان بشوشا وخفيفا مقاوما أمراض الشيخوخة وهو يتوكأ على عصى اليدين والتي تساعده في الدفع إلى الأمام في غدوه ورواحه، وبعد ما استوثقت منه وجهته تحادثت معه بلغة قومه حيث رأيته حسن القول في الحديث والإنصات.
كانت وجهته في نفس وجهتي بإتجاه ( تريجراد ) حيث سرنا بإتجاه المسالك الجبليه إلى أن توقفنا عند جدول ماء حيث أخذ كل يروي عطشه فيما يداه كانت ترتجف بعد ما أخذ الماء يطرطش من مشربه عندما أمسك الكوب بيده ، لكنه كان قوي البنية حيث لم يكن ذا وهن وضعف حال ، عندها سار السير بنا إلى أن انحدرنا بإتجاه الأسفل عند مدخل غابة من الأخشاب بعد ما تم تقطيعها لعدة إستخدامات.
عندها أيقنا أننا نسير باتجاه غابة من الأشجار إلى أن أشرفنا على بلدة (ديفولسكو جيرلو) بعد ما تراءت لنا من بعيد شاعرا في ذلك بالانتشاء حيث كانت بلدة صغيرة ونظيفة مسالكها ضيقة ومرصوفة بالأحجار تتوسطها مسايل صغيرة بعد ما تماهت معها في اندياح من بيوت وشجيرات وتلك الأطلال والظلال، مكملا رحلتي عبر هذه الجبال من ديفين إلى ياجودينا ومنها إلى تريجراد.
كان السير منذ الظهيرة ما زال يسير كما هو معهود في هذه الجبال منطلقا في الوقت نفسه باتجاه اليمين عند مفترق طرق، كنت أجتاز سلاسل جبلية لا تكاد تنتهي إلا وتتبعها رؤوس آخرى من القمم، وعندما أهم نحو الهبوط يكون ذلك باتجاه إحدى القرى والتي تحتضن بيوتا تقليدية نحو مبان جميلة مبلطة بالحجر وبها أبواب قديمة أثرية شبابيكها من حديد .
هذا الاختراق ما زال يسير من أمام هذه البيوت والمحاطة بالبساتين المنزلية حيث رأيت بعض النسوة القائمات عليها يقمن بقطف ما قمن بزراعته داخل منازلهن حيث أخذن يمددن بأياديهن إلينا نحن المارة بما قمن بقطفه من محصول الكرز والمشمش .
إن هذه الجبال التي أرتقيها هي من أخصب الأقاليم عندهم، ولا شك أن هذه الجبال المكسوة بهذه الغابات بها يد تعمل بنشاط وقوة وكلها ذات تربة جيدة وأعاليها مثل سفوحها مخضرة نضرة فكان المنظر من أجمل ما شاهدت منذ بداية المشي في هذا اليوم.

خالد بن سعيد العنقودي
Kld_qudi@hotmail.com

إلى الأعلى