الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / صراع اللون في رواية الشويرة

صراع اللون في رواية الشويرة

إن المتأمل للنظام القبلي العربي القديم منذ العصر الجاهلي والصراعات المتوالية في شبه الجزيرة العربية خاصة والوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج عامة يرصد الكثير من الإشكاليات في قضايا اللون والتحولات الكبرى للظواهر المتعلقة بالدين والسياسة والثقافة والاجتماع، ناهيك عن الجانب الاقتصادي المهم في بروز الأسواق العربية القديمة في اليمن والشام وبلاد الحجاز، ولا تخلو الأماكن الأخرى كعمان ومدنها العريقة والعراق وضواحيها العتيقة ومصر ومدنها المحروسة وبلاد المغرب العربي وحواضرها القديمة الحديثة، وقد يرصد الباحث في العلاقات الإنسانية المرتبطة بالعادات والتقاليد تارة والمرتبطة بالدين والقيم النبيلة تارة أخرى صراعات بين الأبيض والأسود تعود إلى أبناء آدم عليه السلام وخلافهما الذي وصل إلى القتل
ونحن عندما نرصد هذه الظواهر اليوم لا نريد إشعال نار هذا الصراع وإذكاء روح الفتنة فيه، إنما نروم المحاولة لتوصيل فكرة هذا الصراع وتقليصه في جوانب مهمة حاول الشَّرع في ذلك ونجح في جوانب بينما الجوانب الأخرى التي تتعلق بالنسب والمصاهرة والنسل أصبحت متروكة ومن الأمور المسكوت عنها بل جاء ليحافظ عليها في اعتقادنا لا لمرجها وخلطها، وهذا في حد ذاته جسر لصناعة التعايش الإنساني رغم أنه مجبول على الصراع الأزلي الدائم لكنه صراع تؤطره فكرة التعايش وفكرة التسامح وفكرة قبول كل لون للآخر، دون تشنج وتعصب وعنصرية، وهذا في الواقع ما أراده الإسلام أن يترابط المجتمع برباط وثيق دون أن يحتدم الصراع لفتنة طائفية أو عرقية، والتعايش في الإسلام أمر يتحقق في التنوع والمحافظة على النوع والاختلاف والمحافظة على الرأي لكنه يقبل الرأي الآخر، ويؤمن بالتَّمذهب أو المذهبية لكنه يحافظ عليها ولم يلغها، فالفكرة تنوع وتعدد في خدمة الدين والشَّرع، ولا يصل إلى الفرقة والشتات والكيد والفتنة والمكابرة والحروب أبدا، وهذه الفلسفة حددها الشَّرع وأطرها منذ العهد المكي والمدني واكتملت أركانها بكمال نزول القرآن واكتمال الدين، ويرصد المتأمل للمجتمع العربي في شبه الجزيرة العربية خاصة بين القديم والحديث فلسفة (العنصرية بأشكالها) ، وبطبيعة الحال تتعدد المسميات والمنازل والرتب بحسب الطاعة وحسب تبادل الاحترام والتقدير وحسب الظروف الاقتصادية، وقد حاولت الأنظمة الحاكمة الحديثة تذويب الكثير من الفوارق بينهما وتقليل الصراع وذلك بما يناسب مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وتم منح الجنسية للدفع بمبدأ العدل والمساواة بين كل المواطنين في الدولة الواحدة ورفعت شعارات الوطنية والمواطنة بغية الوصول لتعايش حقيقي على أرض الواقع، ولم تُمنع الوظائف الحكومية مهما كانت رتبها وعلوها عن الجميع عملا بالمبادئ الشرعية والقانونية، وتقلصت الكثير من الأسباب التي كانت تؤجج مثل هذه الصراعات فالأصل فيها أن لا تكون في الواقع؛ ولا يمكن لأي مجتمع أن يتطور ويصل لدرجة عالية من الوعي إلا عندما يتخطى مثل هذه الصراعات ويحاول وضع المقاربات بين لونين ظلا سنوات طويلة في الحياة الإنسانية ومكوناتها العرقية والنفسية يتصارعان وهما لا يمكن لأي واحد منهما التحكم في لونه، فذلك من الله وحده وتلك هي حكمته.
ونحاول عزيزي القارئ أن نقرأ فنيا هذا الصراع من خلال رواية الكاتب والصحفي محمد بن سيف الرحبي المعنونة بالشويرة، والصادرة عن بيت الغشام للنشر والترجمة بمسقط 2014 م، والشويرة هي حارة من حارات سرور مهد الكاتب والوطن الذي نشأ فيه وترعرع ، وهي الحارة الموازية لحارة الحجرة؛ وبين حدرى وعلوى والشريعة والعقر والحليفة تتوزع حارة الحبيك وجفرة الأطفال وحارة السوق وتحكي الرواية قصصا مثيرة عن البيت العود وسلامة بنت يحيى رمز العزة والأنفة والكبرياء، وبنت خادوم رمز الإذلال والاستعباد والانقياد، وتحكي الشخصيات العابرة كعبور فلج الحيلي، والمتصارعة كتدفقه من الوقبة والشريعة وصولا إلى العقر والحليفة، تلك الشخصيات التي صاغتها الأقدار ونجزها الزمن وصقلتها المواقف والأحداث وصنعتها الخطوب التي تلعب الذاكرة لعبتها بين القديم والحديث، وبين محاولة سرد الأحداث زمن الإمام تارة والمراوحة بين ما قبل السبعين كنموذج للجهل والفقر والمرض وانتشار الأساطير ، وبعد السبعين والتحولات الكبرى للحياة والناس والمكان والزمان، بين الزمنين ترتسم الشخصيات بشبابها القادح على الزناد بوهج وحماسة، وبين شخصيات شاخت وكبرت وهرمت ونال منها الزمن، وبين حارات ترتسم بعزها وبجصها وطينها وحصاها وأبوابها الخشبية المنقوشة، وبين حارات بقيت أثارا شاخصة وأطلالا متهدمة لم تبق إلا بعض رسومها التي تنطلي حتى على أهلها المغتربين خارج الوطن نزوحا عن الفقر وبحثا عن الرزق والفاقة وسعة الحال، أو قل ربما هروبا من واقع مرير نتيجة جريرة في الصراع الأزلي المتجدد بين الأبيض السيد وبين الأسود الخادم، إنها التحولات التي انعكست على الأجيال فتبدلت الصراعات وانقلبت الموازين وتغيرت الصورة تماما، فهنا مبان أسمنتية ترتفع على أنقاض تلك الحارات التي خربت أكثر مما ينبغي وأصبحت صعبة عصية حتى على الذاكرة، من هنا في الواقع تفعل الذاكرة وتفتعل كل تلك الأزمات النفسية والاجتماعية والقبلية والعرقية والتي لا تخلو من الجوانب الاقتصادية والسياسية المهمة التي من شأنها فعل المعجزات في بيئة أشبه ما تكون بدائية حتى تنقلها النقلة الحضارية وبين نظام القرية والمدينة أبعاد لا حصر لها كلها تتداعى أمام الكاتب ليجعل من الرواية مثيرة جدا، وتتأزم فيها الأحداث بحبكة فنية يتخلص منها الكاتب بذكاء المراوحة بين القديم والحديث فهذه الرحلة من خلال المراوحة هي ما جعل تشكُّل الخطاب الرّاوي الّداخلي والخارجي له وقع فنيٌّ جميلٌ.

وشخصيات الرواية معظمها وامضة بشكل سريع كومضة الذاكرة وتناوبها بين الماضي والحاضر وبين المتخيل والحقيقي إلا من البطل صالح بن هلال والقامة الكبرى للشخصية النسائية الصلبة سلامة بنت يحيى، أما رابعة وخلفان بن ناصر والمعلم سعود وساعد بن علي وخصيف وعبدالله بن خلف وربيَّع وحمدان وذكر أولا خميس بن ناصر وعبدالله بن أحمد والتعريج على شخصية ناصر بن علي والشيخ مهنّا بن ناصر وهاشل وجمعة ولد الشَّايب هاشل وسيف بن نصير وعبدالله بن منصور ومسلم بن ناصر وراشد الراعي وخميس بن حمود والشّايب علي والمعلمة شيخة وسعود بن مبارك عقيد الفلج وخديجة مغسّلة الموتى والشّايب علي بن سالم الحلاو وهدّوب وسليمان بن حمد وحمد بن ناصر وعلي الهندي ومصبّح الرزّاف والعائلة بشكلها العام والرئيس وعموديها المؤسسين بدءا من الجد الأكبر خلفان بن ناصر الشويري وسلامة بنت يحيى وأولاد الجد ناصر بن خلفان من بنت خادوم هلال وسعيد وعمر وفاطمة وأبناء بطل الرواية صالح بن هلال وزوجته شيخة بنت ناصر وهم صالح وخالد ورقيّة وسلامة والحفيدة رقيّة والعمة عائشة كلها أخفاها الكاتب في لحظات معينة وتعمد ظهورها في لحظات مفصلية في الرواية لتساهم في وضع الأزمة النفسية للبطل، وقد عبث الكاتب بالشخصيات كدمى مسرح العرائس تماما وحركها متى ما أراد لها التحرك أو بالأصح متى ما فاضت الذاكرة بها، وأصبحت فوضوية بامتياز؛ فأصبح مسرحا للكبار، ولهذا السبب بهت الحوار وندر في الرواية، فالذاكرة قد تجود ببعض الحوادث والمواقف للشخصيات بمسمياتها لكنها لا تستوعب خط سير الشخصية وشق طريق لها منذ نشأتها وحتى النهاية‘ إنما جاءت لتأكد على أن الشخصيات مرتحلة تماما كارتحال الزمن بين القديم والحديث، ومتحركة تماما كتحرك كل شخصيات البيت العود وتشتتها وضياعها، الكاتب أراد أن مرج الشخصيات من خلال ظهورها ولو لمرة واحدة ولو بتلك الكثافة وهذا العدد المتزاحم على ركح الشويرة بشكل خاص وعلى مسرح سرور بشكل عام، وقد لعب العامل النفسي للصراع بين الأبيض والأسود في ظهور الشخصيات الوامضة وخفوتها فجأة، وتارة ظهورها وخفوتها تدريجيا؛ فالذاكرة لعبت دورا بارزا في تشكيل كل هذا التَّماهي، وربما يجعل هذا الزخم للشخصيات القارئ يخلط في تحديد كل عائلة بعينها وصولا إلى العائلة الرئيس..!.
وتناقش الرواية ضمنيا ذلك الصراع الإنساني المرير وقضية اللونين الأبيض والأسود، وهكذا يستمر الصراع في كل أحداث الرواية وأزماتها وحبكتها الفنية وكل عقدها المتتابعة، ليس مع الرجال فحسب بل حتى النساء اصطلت بنار هذا الصراع “.
ويستمر المجتمع بعاداته الطافحة يهاجم اللون مع أن الإنسان ليس بيديه التحكم في لونه ” جئت إلى الدنيا كما تعرف نفسك الآن، حملت في وجهك لعنة الملامح، صورة طبق الأصل من جد أبيك خادوم” الشويرة ص149، وتستمر اللعنة كما استمرت أحداث الشويرة وصراعاتها حتى مع المال والجاه عند اللون الأسود “لونك تحمله وزرا، ورابعة تختال في ذاكرتك تعبث بخلاياها، بين جمرتين تتلظى، لا ماء الحيلي يبرّد حرقة جمرك، ولا ما حصدته من جاه”. الشويرة ص149، وعلى الرغم أن الزمن تغير كثيرا في عصر التطور الحكم الجديد للبلاد بعد السبعين إلا أن الصراع بين اللونين يحتدم في مثل منافسات نيل عضوية مجلس الشورى، حيث يظهر الصراع جليا “بالمال أردت شراء المشيخة والوجاهة، لكنك عجزت.. صورتك في المرآة تحاصرك لتخنقك بلعنة العشق القديم، ورابعة تنهش ذاكرتك بقوة. تتذكر يوم أن وضعت اسمك على قائمة المترشحين لمجلس الشورى؟! عصرت سرور سيرتك، عركت كل شيء في البيت العود، إلا سلامة بنت يحيى، بدت بعيدة جدا، لم يكن في البيت إلا سلالتك، واندثاراتك، مع أنك لم تعرف سكنى البيت العود منذ نصف قرن. تود لو تحمل إليه جرافة لتزيله عن وجه الشويرة، لكن كيف تمحوه من عقول الناس، خاصة أولئك الذين عرفوه من كبار السن، المعمرين.
يتداعى السَّرد في رواية الشويرة بلغته الشاعرية الجميلة والأخّاذة التي تسلب لبَّ القارئ من بداية الرواية: ” حسبت أن قلبك أدمن الطعن، لكن نزفك ينجرف إلى عمقك، يغرق دواخلك، وأنت غارق بين غيبوبة وغياب، عين على الأمس، عين على اليوم، لا تجد أخرى على المتبقي من زمن طال بك، زمنك أيها المجروح، طائل أكثر مما يتحتم عيشه، وفائض فوق قدرة قريتك سرور لتغتابه، من أقصاها إلى أقصاها”، الشويرة ص5 ، وصولا إلى آخرها في الصفحة 172 حين يجد تلك النهاية المفتوحة والمغرقة في الغموض والتأويل، تلك اللغة الأدبية الرصينة التي عرفت كسمة من سمات الكاتب الرحبي الذي جرب الكتابة في أشكال متعددة ومختلفة يتناوب فيها القديم والحديث، الماضي والحاضر، الحقيقي والمتخيل، لغة تتداخل فيها بعض المسميات للمكان بنباتاتها وجماداتها وحيواناتها في محيط الشويرة : الجح والشمّام والسفرجل والأمبا والغاف والسدر والسمر والقاو والنخيل وخاصة الحناظل بل ووصف أجزاء النخيل وبعض المشغولات اليدوية المستعملة منها مثل السرود والوصلان والسفيف والليف أو الليفة وذكر من أفلاجها فلج الحيلي وفلج بوجدي وفلج الأوسط وبعض المسميات مثل: الشريعة والوقبة والعقر والحليفة و الغيلة وطوي عاصي والبيت العود وغيرها، ويتداعى السَّرد أكثر عندما نجد الكاتب يخاطب بطل الرواية صالح بن هلال بن ناصر بن صالح بلغة التذكير لكي يستعيد شيئا من الذكريات في البيت العود الذي سكنه الجد الأكبر صالح مع الجدة سلامة بنت يحيى ذلك البيت الذي يشوبه الكثير من الغموض والكثير من الأساطير تحاك حوله حتى أصبح رمزا في الشويرة وسرور بأسرها؛ ثم نجد بطل الرواية يحمل هما عظيما خلفه له الجد ناصر بن صالح عندما أقدم على الزواج من امرأة سوداء عشقها تدعى بنت خادوم عبد الشيخ ليبدأ الصراع بين الأبيض والأسود فيطرد الشيخ خادوم وأسرته ثم يلحق بهم الجد ناصر بن صالح في نزوى بعد رحلة شاقة جدا فيتزوج بنت خادوم ويقنعهم بالعودة إلى سرور والشويرة ويسكن زوجته بنت خادوم في البيت العود مع الجدة سلامة بنت يحيى صاحبة العزة والأنفة والكبرياء، وتحتدم المشاعر لينتقل الصراع بين اللونين من الخارج إلى داخل القلوب والنفس الإنسانية المكبلة بالعادات والتقاليد والأعراف ليعيش البطل صالح بن هلال بن ناصر على أوهام وحقائق جده ناصر بن صالح لتلحقه لعنة العرق الدساس ؛ فيعيش صراعا بين الرجل القبيلي حفيد أبناء البيت العود وبين لونه الأسود الذي يشعر من الغمزات واللمزات أنها تعني الشيء الكثير.
فبين الجبن الذي عاشه والخوف والقلق والصراع المحتدم بين الأسود والأبيض يمتد به العمر طويلا ليعيش على وهم لقاء رابعة المومس مع ابنها الذي من صلبه أو ابنتها التي من صلبه، ثم يتسلسل اختفاء شخصيات البيت العود بترحالها وغيابها وتشتتها حتى يندثر البيت ويعود البطل من غربته البحرين إلى موطنه سرور والشويرة ليبدأ الصراع مرة أخرى بين الحقيقة والخيال فيبدأ فقيرا وهو ابن البيت العود حتى يصبح غنيا من الهناقرة، فتعود مطاردة اللعنات في حياته مرة أخرى عندما يريد الترشح لعضوية مجلس الشورى فيحتدم الصراع بين الأبيض والأسود، إلى أن تأتيه اللعنة الأخيرة في نهاية الرواية من حفيدته رقية الجميلة البيضاء التي أرادت أن تتزوج من زميلها الجامعي صاحب البشرة السوداء، ويرفض رفضا قاطعا لكن رقية تخبره أن الزمن تغير وتبدل وهي حرة في زواجها ولن يستطيع أحد أن يمنعها أو أن يقف ضد رغبتها حتى يتناول البطل بندقيته القديمة العتيقة حينما لا يستطع فعل أي شيء فأطلق رصاصة الرحمة فينهي كل هذه الصراعات ليزيح عنه كل هذه الهموم المتكدسة في ذاكرته وقلبه، ثم يتبع الكاتب هذه النهاية بعبارات أقل من ثلاثة أسطر الصورة التي يراها البطل تتداعى أمامه وهو يوشك على الرحيل:”حلقت حولك نساء، سلامة بنت يحيى، بنت خادوم، المرأة الغريبة، ورابعة، وأخريات يتدفقن كرصاصات أخرى، أو مناديل بيضاء يلوّنها سريعا دمك النازف”. الشويرة

ناصر الحسني

إلى الأعلى