الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (162) : الدّعوة إلى استعمال الـمُسْتَعمَل (2/3)

نافذة لغوية (162) : الدّعوة إلى استعمال الـمُسْتَعمَل (2/3)

ليس اللجوء إلى العامية بجديد بالنسبة إلى الروّاد جميعاً. فقد عُني العرب قديماً بها من أجل خدمة الفصيحة ذاتها والمحافظة عليها سليمة من التَّحريف واللّحن والدَّخيل. والمعروف أن هؤلاء الروّاد كانوا يواجهون قضية ينبض الواقع بها، هي اتساع الشُّقَّة بين العامية والفصيحة، وكانوا في الوقت نفسه يواجهون دعوة المستعمر إلى استعمال العامية وتدوينها وهجر الفصيحة ونشر اللغة الأجنبية. وعلى الرغم من أنهم كانوا يميّزون جيّداً بين محتوى الدعوة وأهدافها، فإنهم ما كانوا يطيقون صبراً على محاولات تقعيد العامية ونشر اللغة الأجنبية. وقد اضطرهم هذا الأمر إلى التخلّي عن محاولاتهم تقريب العامية من الفصيحة، كما فعل عبد الله النديم حين أغلق الباب الذي خصّصه للعامية في صحيفة (الأستاذ) بعد أن أحسَّ بخطر دعوة الانجليز إلى العامية، وخشي من أن يخدمها عمله في الصحيفة. وحيرة النديم لم تكن فردية، بل كانت عامة شاملة الرّوّاد كلّهم. إذ شعروا أن المستعمر وظّف لجوءهم إلى العامية لإيقاظ العرب والارتقاء بفكرهم ولغتهم لخدمة أهداف دعوته. ولهذا السبب آثروا تأجيل العمل في محاولاتهم الإفادة من العامية، وانصرفوا إلى جمع محتوى الدعوة وأهدافها في بوتقة واحدة ومعاداة كلّ عامل على بعث العامية أو استعمالها أو تقنينها. وكان ذلك إيذاناً بخوفهم من العامية، ذلك الخوف الذي استمر حيّاً سنوات طويلة وآن للنفوس العربية أن تبرأ منه.
أظنُّ أن الدعوة إلى العامية انتقلت في أثناء هذه المرحلة الواقعيّة من الصراع بين أنصار الفصيحة ودعاة العامية من الأجانب وأتباعهم العرب إلى الصراع بين أنصار الفصيحة ودعاة العامية من العرب، فأصبح الصراع عربيّاً عربيّاً. أو قُلْ: نجح المستعمر في فرض القضية ذات المحتوى الزائف على الواقع اللغويّ العربيّ، ووجَّه اللّغويين العرب إلى الدفاع عن الفصيحة بدلاً من العمل على نشرها ورفعة شأنها. ونجح في الوقت نفسه في فرض لغته على مؤسسات الدولة من غير أن يقاومه أحدٌ مقاومة جدّيّة، وشرع يُغذّي الانبهار العربي بالغرب الأوروبي من غير أن يتخلّى عن عدِّ الصعوبة أسَّ (استراتيجيّته) في الحرب النفسيّة. والثابت تاريخيّاً أن المستعمر أخفق في إبعاد العرب عن الفصيحة، وفي نقل العامية إلى مستوى اللغة المكتوبة. ويُعزَى إخفاقـه في ذلك إلى مسوّغين موضوعيين، أولهما وضوح الهدف أمام أنصار الفصيحة وتمسُّكهم به، وإعلانهم الفصيحة عنوان المشروع القوميّ النَّهضيّ، فضلاً عن جهدهم العلميّ في نشرها وإحياء تراثها. وثانيهما الارتباط بين الفصيحة والقرآن، واستحالة تقعيد العامية واتخاذها لغة أدبية. ذلك أن قيمة العامية كامنة في أنها منطوقة. وقد نبعت مرونتها وحرارتها من هذا الأمر، فإذا دُوِّنتْ جمدتْ وبات من المحتّم نشوء عاميـة أخرى جديدة، فضلاً عن أن الحيرة في اختيار إحدى العاميات العربية ستبرز جليّة، وسيُثار الجدل من جديد حول صلاحية العامية المختارة للتقعيد والتقنين.
ومن العبث أن يُظَنَّ بأن الدعوة إلى العامية ماتت بعد استقلال الدول العربية عن الاستعمار الأجنبي وإنْ زال العامل الذي شجّعها وقاد خطواتها ومكّن لها في الأرض العربية. والدليل على بقائها حيّةً غيرُ مُستمَدٍ من الدعاة الجدد الذين توالى ظهورهم في هذا البلد العربي أو ذاك، بل هو مُستمَد من الخوف الذي رسخ في النفس العربية فحال دون أيّة معالجة تهدف إلى تضييق الشُّقَّة بين العامية والفصيحة، ووجَّه التربية العربية في اتجاهات أخرى غير ترسيخ الفصيحة.كما حال دون القضاء على اللغات الأجنبية التي فرضها المستعمر على مؤسسات التعليم الجامعيّ، وجعل الثقة بالذّات القوميّة ضعيفة يُغلِّفها الانبهار بالتمدُّن الغربيّ. وهذا ما شجّعني على الادّعاء بأن الدعوة إلى العامية أصبحت بعد الاستقلال قضية افتراضية استقرّتْ في الأذهان والنفوس وتفاعلت فيها حتى بات أنصار الفصيحة يفترضون أن استعمال العامية في الحياة اليومية وصمة عار، وأن الاستعمار ما زال وراء تلكؤ انتشار الفصيحة. كما باتوا يفترضون أن الفصيحة عالية غالية مبرّأة من العيوب، لا تحتاج إلى الأساليب التربوية ولا علم اللغة الحديث.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى