الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / معالم من سيرة الشاعر عبدالله بن على الخليلي ( 1 )

معالم من سيرة الشاعر عبدالله بن على الخليلي ( 1 )

إن محاولة الكتابة عن العمل الإبداعي وخاصة ذلك الذي تكون معماره الكلمة- كالشعر- تكتنفها أمور بالغة الصعوبة تتصل بطبيعة العمل الإبداعي وبواعثه، وتتعلق بثقافة الكاتب وبيئته ومنهجه الذي ارتضاه. وترتبط بحاسية الناقد النفسية، والذوقية، وخاصة الوعي المرفود بأدوات علمية مساعدة تمكنه من النظر إلى ماهية العمل الإبداعي، وسبر مكنوناته، والتعرف على فنه وأصوله، ومن ثم فإن العمل الإبداعي لابد أن ينظر إليه بمجهر المعرفة الحقة، والوعي المدرك، والنفس الخالصة المجردة. وذلك بغرض اكتناه أسرار الكلمة و”الوقوف على جانب من خصائصها الدقيقة” ومحاولة تبين خيوط شبكة العلاقات بها والتعرف على بعض قوانينها ” (د. أحمد درويش (١٩٩٣) ، الكلمة والمجهر، ص٥.)
إن كل هذا التعرف قد يساعد أيضاً على كشف جوانب من ملامح العمل الأدبي، وإضاءة “جوانب من أسرار تطوراته الماضية والآتية كما يفيد أمتلاك الأدوات المساعدة ومحاولة استخدامها، في استشفاف الدلالات المتناثرة في جنبات العمل الأدبي، واستشراف بعض خطواته المستقبلية المحتملة ” . (نفس المرجع).
والمبدع حينما يتسنى له الشروع في عملية إبداع الجنس الأدبي، أو تتهيأ له ظروفها، فإنه يبذل جهداً كبيراً من المعاناة الذاتية والفكرية، حتى يتسنى لهذا العمل ولادة طبيعية، تمكنه من مصافحة النور. ومن ثم فإن توازنا نفسيا، وفكريا يبنغي أن تعمر به نفس الناقد قبل أن يدلف إلى عالم العمل الأدبي الذي بين يديه. ولذا فعليه أن يبذل جهداً موازيا- أن لم يكن أكبر قدر- للجهد الذي بذله المبدع سواء كان شاعراً أو كاتباً. وهذا الجهد المبذول ينبغي أن يتغلغل إلى أعمال العمل وأن يغوص بين موجاته لا أن يكتفي بالنظر إليه من على الساحل أو بالسباحة فوق سطحه. فلكل عمل حالته الخاصة المتصلة ببيئة المبدع والمنتج، ولكل بيئة خصوصية تحتفظ بتفاصيلها وقسماتها، كالبيئة العمانية، وتتطور بحسب توافر أسباب التطور، وتتلاقى مع غيرها، وتتشابك بقدر ما تتوافر لديها من جسور التواصل، وأدوات الاتصال الثقافي. فمن منظور البيئة الفاعلة بمعنى المؤثرة في المبدع نمد بصرنا وبصيرتنا إلى عالم الشيخ الشاعر والكاتب عبد الله بن علي الخليلي- باعتباره مبدعا معاصراً، ونتلمس ملامح فكره في انتاجه الغزير.
ولذا فإن هذه المختارات ـ-على الرغم من ايجازها وقصرها في هذا العدد المحدد لكنها متنوعة المضامين ومختلف الاساليب ومتعددة التقنيات تنظمها وحدة الرؤيا والتوجه والغاية وتسعى جاهدة إلى التعريف بالشيخ الشاعر ومكانته في نفوس الوطن والمواطنين العمانيين. وتسعى الى القاء الضوء على ابداع شاعريته. وتتيح للقارئ فرصة التعرف عليه وتفتح نوافذ للتعرف على شعره ولغته واسلوبه وفكره ومبادئه. وتسعى كذلك إلى التعريف بالبيئة الثقافية والاجتماعية والطبيعية التي أحاطت الشاعر بمؤثراتها المختلفة، ووجهت فكره ومنهجه، وأسلوبه، كما أنها تهتم بتسليط الضوء على جوانب من الملامح المعاصرة في إنتاح هذا الشيخ الجليل.

نشأته ومكانته
ينحدر الشيخ عبدالله بن علي من سلالة اتخذت العلم غاية ومطلبا، وآمنت بالدين الإسلامي منهجا، وصدقت بالعمل مبدأ. فهو من الناحية التاريخية والدينية والأدبية ينتمي إلى أسرة انحدر منها من تولى إمامة عمان، كجده الصلت بن مالك الخروصي والخليل بن شاذان الذي تنسب إليه الأسرة الخليلية. وكان الشيخ سعيد بن خلفان علامة عصره وإماما دينيا شهد له علماء دهره، وأكدت ذلك مؤلفاته المختلفة، وكان أيضاً قاضياً للأمام عزان بن قيس البوسعيدي (1869- 1871م)، فضلاً عن أن جده الشيخ عبد الله بن سعيد كان بالإضافة إلى علمه الديني أديبا، شاعراً، وعمه الرضي الإمام محمد بن عبد الله كان إمام عمان في الفترة من عام (1238هـ- حتى عام 1353هـ). أما أبوه فكان زعيما وذا حظوة لدى كل من سدة الإمامة بزعامة الإمام محمد بن عبد الله الخليلي وبلاط السلطان سعيد بن تيمور (١٩١٧ـ١٩٣٢م) رحمهما الله وكان من بين نساء أسرته العالمة الفقيهة والمصلحة شمساء الخليلي.
إذن في وسط هذه البيئة المحافظة وزخم هذا المناخ الثقافي الخاص ولد شاعرنا في سمائل عام 1922م وهذا هو التاريخ الشائع وفي مقابل ذلك تاريخ آخر يقول إنه ولد في منزل أسرته في بيت السبحية بعلاية سمائل وذلك في السابع من محرم عام ١٣٤١هـ الموافق ١٩٢٠م كما أخبرني ولده الشيخ محمد بن عبدالله الخليلي وتوفي في يوم الاحد ٣٠ يوليو عام ٢٠٠٠م. وفي مجال الحديث عن نسبه، فقد ذكر أخوه الشيخ سعود بن علي الخليلي أنه: “ينتمي إلى ثلاثة وعشرين إماما من عشيرته من بينهم أربعة من خاصة آل بيت الخليل “ .(سعود بن علي الخليلي (١٩٩٠)، في ديوان وحي العبقرية،ص ١٩) .
وقد اكتفى بذكر عدد الأئمة دونما الشروع في بيان التفاصيل أو تقديم معلومات يمكن أن تساعد القارئ في تلمس أثر موروث الرحلة الأسرية على الشاعر وانتاجه.
إلا أن الشيخ سالم بن حمود السيابي يذكر في نفس الديوان (وحي العبقرية) نسب الشاعر بالتفصيل حيث يقول إنه “عبد الله بن علي بن عبد الله بن سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح بن أحمد بن عامر بن ناصر بن عامر بن سالم بن أحمد الخليلي” يتصل نسبه إلى الإمام الخليل بن عبد الله بن عمر بن محمد بن الإمام الخليل بن العلامة شاذان بن الإمام الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي “ (نفس المرجع)، ثم يواصل تفصيل جزئيات النسب فيردف قائلا: “أن جده أحمد بن سعيد إمام العلم وشاعر الحقيقة، وناظم الأثر، وأما جده الشيخ الرئيس عبد الله بن سعيد شاعر الركب العربي الحر“. (نفس المرجع) .
رحلة مسيرة نشأته لا تتوقف عند هذا الحد بل استمرت في التواصل منذ نعومة طفولته حينما أوكل به مؤدب خاص يقوم على تأديبه علميا ودينيا قبل أن يحتضنه عمه الإمام محمد بن عبد الله الخليلي. ومما يذكره الشيخ سالم بن حمود السيابي في هذا المجال هو أن الشاعر “كان في صغره بعيداً عن والده “.( نفس المرجع ) وأنه أي والده قد “أوكله إلى أسرته الموجودة في سمائل” .(نفس المرجع). وقد يكون لذلك أثر فاعل في انكباب الشاعر على التحصيل العلمي كي لا تشغله هموم التفكير بالوحدة إثر ابتعاد الوالد.
وما أن شبّت مداركه وأصبح قادراً من الناحية النفسية ومهيئا من الناحية العقلية على الاستزادة من منهل العلم ارتحل من سمائل إلى جوار عمه الإمام رضي الله عنه. وهناك- أي بجوار عمه، تدرج هذا الشاعر في مراحله العمرية من الطفولة إلى الشباب وتلقى صنوف العلوم الدينية كعلوم القرآن على المقرئ الحاذق زاهر بن مسعود الرحبي وعلوم العربية على يد أستاذها النحوي الكبير حمدان بن خميس بن سالم اليوسفي ثم يضيف أخوه الشيخ سعود: “أنه من بين الذين قرأ عليهم الشيخ العلامة حمد بن عبيد شامس السيابي، قد كان يلقب بداهية العلماء وكذلك الشيخ العلامة سالم بن حمود بن شامس السيابي، قد كان قاضياً، وفقيهاً، وشاعراً، ومؤرخاً له عدة مؤلفات، أصدرت عدداً منها وزارة التراث القومي والثقافة لكن الشيخ سعود يضيف أن هذه الفئة من العلماء كانت تروي بالمعرفة مدارك الشاعر وهو خارج الحصن.(نفس المرجع) .
وهذا ما يدفعنا إلى استشفاف بأن داخل الحصن ـ حيث يقيم الإمام ـ كان هذا الشاعر أيضاً يرتع من معين علم عمه الامام، ومن آرائه الخاصة في الحياة، والناس والدين، والعلم، ومن تجربته التي صبغتها حنكة السنين في التعامل مع بني البشر، والاهتمام بأفراحهم وأتراحهم فاكتسب خبرة من إمامة علمته ” كيف يجب أن يعمل، وكيف يجب أن يعيش “.(نفس المرجع) .
ويشير الشيخ سالم بن حمود السيابي إلى أثر الإمامة في رسم ملامح شخصية الشاعر وتكوين الأساس الثقافي لها وهو أساس مبني على مرتكزات دينية حيث يقول: “نشأ ابن أخيه هذا وليد الإمامة، ورضيع لبانها، متقلبا على أحضانها مستنيرا بهداها، راشفا من سلافها وحميّاها “.(نفس المرجع)، ثم يؤكد على مرتكز أخر وهو الموروث الأدبي سواء كان ذلك موروثا عمانيا، أو عربيا فيقول: “فلم يزل بين عالم، وإمام، وزعيم، وقد ارتسمت في وعيه صور الأدب وعلق في ذهنه شعر العرب”.(نفس المرجع).
من هذا يتضح أنه بجانب الموروث الأسري الخاص “البيئة الخاصة” وماله من تاريخ طويل في مسيرة الحضارة العمانية، هناك موروثات ثقافية أخرى قد أثرت في تكوين لبنات فكره، وثقافته، ونظرته للحياة، وهي:
1- الموروث الديني الذي تشربه في طفولته الباكرة، وعمقه في صباه وشبابه على يد علماء ومشايخ عصره، فضلاً عن تواجده في حصن الإمامة وساحتها.
2- وكذلك الموروث الأدبي العماني وماله من رحلة طويلة ابتداء بمالك بن فهم ووصولا إلى مازن بن غضوبة، والخليل بن أحمد الفراهيدي، وابن دريد، ومرورا على آثار محمد بن سعيد القلهاتي، والستالي، والكيذاوي، وسليمان النبهاني، واللواح، وراشد بن خميس الحبسي، والمعولي، وابن رزيق، ونور الدين السالمي، وابن شيخان، وغيرهم من أعلام التراث العماني شعرا ونثرا، وتاريخا، وفقها وفلسفة.
3- وموروث الأدب العربي بمجاله الواسع كان له تأثيره الخاص على إنتاج الشاعر في نماذجه المختلفة وأجناسه المتعدد منذ العصر الجاهلي، وحتى العصر الحديث، وابتداء بامرئ القيس مرورا بالمتنبئ، وأبي فراس، ومقامات الهمذاني، والحريري ووصولا الى البارودي، وأحمد شوقي، ومطران، واطلاعا على إنتاج حركات التجديد كصلاح عبدالصبور، والسياب ونزار قباني وغيرهم في مسيرة الشعر العربي الحديث، ومن ثم الإفادة من أنماط هذه الحركة في الكتابة القصصية الشعرية وغيرها، وخاصة نموذج الشعر الحر أو ما يسمى بشعر التفعيلة.
وكما كان للبيئة الثقافية الأثر الكبير في رفد ثقافة الشاعر وتأصيل مكنوناتها. فإن البيئة الطبيعية كان لها إسهام في إثراء مخيلة الشاعر. تلك البيئة العمانية التي جسدتها مساحة الخضرة في شموخ النخيل المعانقة زرقة السماء والراقصة علي حفيف النسيم، والهامسة إلى نغمات المياه المنسابة في مزامير الجداول والإفلاج، والمنشدة مع الطيور والعصافير لحن الحب والصفاء. وقد وصف الشيخ الشاعر ملامح هذه البيئة وذخائرها بقوله: ” خرجت وبرفقتي عشرون راكبا من خيرة الرجال، وكانت المواصلات أنذاك بوسائل عادية، إذ لم يكن وجود للسيارات حين ذاك بعمان فنجد الماشي في الطريق، وصاحب الفرس، والبعير، والحمار منها: المعد للنقل ومنها المذلل للركوب، أما مطايانا فكانت من خيرة الإبل إذ أنها خصصت للوازم الدولة، خرجنا بها نشق الوادي الخصيب من سمائل، وقد تفجر بينابيع الري، وعقدت الترع منه للبلاد وكان وسطه مغما بالماء العذب الذي فضل عن حاجات البلد، وكانت أخفاف الإبل كأنما تقدح الحجر تارة وتطيش بالماء أخرى، جامعة بذلك بين ضدين لا يعيشان مجتمعين: الماء والنار. فقلنا: “يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم”(*). ومنذ ذلك اليوم بدا لي أن أقول الشعر وأنا أنظر إلى الماء المنساب، وإلى القسم الآخر المتحجر في صحون الأودية وقد انعكست به زرقة السماء، وخضرة الشجر “. (عبدالله بن علي الخليلي (١٩٩٠)، ديوان وحي العبقرية، ط٢، مسقط، ص٢١) .

هذا هو مجال البيئة التي يتحرك في محيطها كل من الشاعر والمتلقي، فهي بيئة ولدت فيها شاعرية الشاعر على أنغام إيقاع حركات الخيول، والجمال، وأنغام حسيس المياه المنسابة في بطن الوادي، وألوان الخضرة والسماء المنعكسة على صحون الماء في أحضان وادي سمائل. مشاهد من عصور غابرة في زمن معاصر. كأن الزمان والمكان كانا ثابتين لم يتغيرا. في حين أن الزمان والمكان في حواضر عربية أخرى كمصر والعراق والشام كانا في حركة متغيرة ، فلا غرابة إذا لم يدرك كل من البارودي، ومطران، وشوقي، والزهاوي، والرصافي، واليازجي نفس المشاهد أو بنفس القدر من الدقة. ورغم ذلك ظل أثر البيئة العربية بشخوصها القديمة، ماثلا في أشعارهم. ويرى الدكتور أحمد درويش أن مفهوم الشعر ودور الشاعر،” ومجال حركته، وصلته بالتراث السابق عليه، وصلته كذلك بالمتلقين من حوله “، ظل متأثرا بذلك المناخ ومرتبطا به.(د. أحمد درويش، مظاهر معاصرة الجيلين في شعر الشيخ عبدالله بن علي الخليلي، في اصدار المنتدى الادبي، مسقط (١٩٩١) .

وبقدر ما كانت مظاهر البيئة الطبيعية في عمان فطرية لم تلامسها يد التغيير، والتبديل كذلك كانت مظاهر البيئة الاجتماعية، بما توافر فيها من قيم ومعايير ومفاهيم، وعادات، وتقاليد اجتماعية تتوازى معها وتتجاوب من خلالها مع إبداع المبدع، شعره ونثره، لذا نرى كثيراً من نتاج الشاعر متأثرا ببيئته وتراثه المحلي والعربي، وحاملاً ملامح من مبادئ الإسلام الحنيف. فالتزم نتاجه الحشمة في تناوله الموضوعات والمضامين المختلفة، مع اتسامه بالجرأة في طرح القضايا المتصلة ببيئته ومجتمعه. (د. الطاهر مكي، المقامة والقصة في أدب الشيخ عبدالله بن علي الخليلي، في اصدار المنتدى الادبي (١٩٩١)، ص٣٢١) .
والشيخ الشاعر بالرغم من ذيوع شهرته، وبراعته وهمته العالية وفصاحة بيانه في شعره ونثره، إلاَّ أن قسمات شخصيته قد ختمتها البيئة العمانية بخاتم البساطة والتواضع الجم، وأذكت فيها روح النوايا الصادقة التي تأخذ بمكارم الأخلاق ومعالي الأمور، وقد تنبه إلى هذه الميزة في شخصيته الدكتور أبوهمام عبد اللطيف عبد الحليم حيث وصفه بأنه “من شيخة شعراء عمان، ومن أكبرهم قدراً، يذكر قارءه بشيوخ المحافظين في مصر والوطن العربي، لسعة ميدانه وحضور جنانه “ ، كما يضيف بأنه “من جيل يدرك جيداً ذخائر التراث العربي، حفظه وفقهه، وتوفر عليه درساً ووعياً “.(د. أبو همام عبداللطيف عبدالحليم، في الشعر العماني المعاصر، ص١٢).

الشاعرعبدالله بن على الخليلي بعيونهم

كتب سماحة الشيخ العلامة احمد الخليلي مفتي السلطنة في مخطوطة ديوان فارس الضاد لشاعرنا المذكور “فإن من المسلم له ممن حاز في حلبة الشعـر قـصبات السبق بيـن شعـراء عـصرنا شاعر عمان الكبيـر الشيـخ العـبقري عبدالله بن علي الخليلي الذي بزّ أقرانه بقريظه المتميـز بجـزالة تركيـبه ، ورصانة ألـفـاظه ، وبـلاغة معـانـيه ، وسعة خياله .وقد طرق معـظـم أغراض الشعـر من حكمة وسلوك ووعظ ومديح واستـنهاض وفخر ونسيـب ورثـاء، فـكان فيـها جميعـاً رامياً أصاب المرمى، وفـارساً يجري ولا يجرى معه ، تجد كيف تـنـقـاد له الألـفاظ حتى يستـنـزل أعصمها من مستعـصمه، وتـنساق إليه المعاني كأنما وضعت نواصيـها بيده فروضها بمهارته حتى عاد نفورها أليفاً وشرودها ذلـولا.
وقد نشأ من هذا الـتـناسب في شعـر شاعرنا بيـن مبانيه ومعـانيه انسجام يأسر الألباب، ويأخذ بمجامع الـقـلوب، بحيث تراه يسيـل رقـة، ويـروق رونقاً، ويـجري عـذوبة مع تـدفـقه بفيض من المعـاني البليغـة “. (كلمة سماحة الشيخ احمد الخليلي في ديوان فارس الضاد مخطوط).
وكتب الشيخ سليمان بن خلف الخروصي وهو شاعر اديب مؤرخ واسع الشهرة في عمان ومن مجايلي شاعرنا في مخطوطة ديوان فارس الضاد للشاعر الشيخ عبد الله الخليلي يقول: ” وفي هذه الصفحات من الديـوان ـ (فـارس الضاد) ـ يطـلع الـقاريء على شعـر رائع، وأدب بارع، وحكم باهرة ، وأمثال سائرة، وتـوحيد وتحـميد وتـقـديس وتمجـيد، وتـضرع وابتهال لله ذي الجـلال، وعـقيدة وجهاد، ونصائح وإرشاد، وسلـوك وتـصوف ، وفخر وحماسة ، واستـنهاض همم وسياسة، وشذرات قـومية ، ومطارحات أدبـية ، وقـصص وعـبـر، والديـوان كله من أوله إلى آخره درر، والله يـؤتي الحكمة من يشاء ” ( ومن يـؤت الحكمة فـقـد أوتي خـيـراً كـثيـراً ) ” .( كلمة الشيخ سليمان بن خلف الخروصي في ديوان فارس الضاد).
وأضاف في تقديمه لديوان الشاعر (بين الفقه والأدب) مشيدا به وبشعره وبصدقه لوطنه “فهو من أبرع شعراء عمان استعارة وتشبيها ووصفا، والخليلي محب لبلاده ، صادق الوطنية، جم العطاء، غزير الانتاج، يؤمن بأن لقادة الفكر رسالة إنسانية”.(عبدالله بن على الخليلي (١٩٨٨)، تقديم الشيخ سليمان بن خلف الخروصي في ديوان بين الفقه والادب، وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط) .

ووصفه الشيخ الفقيه والأديب محمد بن راشد الخصيبي بأنه “شاعر العصر المشهور والمشار اليه بالبنان في كل مكان، تعلم العلم في بلده سمائل وغلب عليه حب الادب والشعر فنبغ فيه ومهر واشتهر، وجاء بأساليبه القديمة والحديثة فكثر شعره وانتشر ودون ولا يزال حليف المعرفة وسمير الآداب ولم يفته نصيبه من علم الفقه، وأما علم الأدب فحدث عن البحر ولا حرج، وله شمائل حسنة وأخلاق وكرم وإحسان”.(فضيلة الشيخ محمد بن راشد الخصيبي (١٩٨٩)، شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، ج١، ط٢،وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، ص٢٥٣) .
ويطالعنا الشاعر والفقيه الاديب الشيخ مهنا بن خلفان بن عثمان الخروصي في شغف الحديث وبهجته عن الشيخ عبدالله الخليلي الشاعر والاديب فيقول: “تتجلى شاعرية شاعر البيان الشيخ الجليل عبدالله بن على الخليلي، الذي ترعرع في احضان دوحة الادب المجيد، وتدرع بسرابيل الحمد والمجد في ربوع وطنه السعيد، ولا بدع أن كانت نشأته على تراب أرض عمان، فكم أنبتت في مصاقيعها أبطالا من أساطين المعرفة والعلم الحميد، ولا غرو أن فاق أقرانه في ميادين الأدب المفيد، حيث استطاع أن يبرز بأصناف البلاغة في أطوار أشعاره وآثاره نظما ونثرا، وتجلت عبقريات محاسن أوصافه جمانا ودرا، فتألقت في سماء الجد والمجد فكرا وقدرا، وقد نسجت أقلام معارفه زرودا من البلاغة الرائعة ومخرت سفن أرومته خضم لغة الضاد بعد أن ظلت ضائعة ، والتقط من أصداف درره جواهر الشعر والحكم، وسرت به يعملات الهوج في بيداء المعارف اللامعة بين الأمم” . (الفقيه الشيخ مهنا بن خلفان بن عثمان الخروصي، شهادة رقم ١ ).
ويشير الكاتب والاديب احمد الفلاحي الى مكانة الشيخ الخليلي الشعرية إذ يعتبره شاعر عمان الأول وكذلك يدعوه،وهو يشيد بمحاولات الشيخ الخليلي المستمرة في تغيير أبيات قصيدته وتنقيحها مكبرا ومجلا هذا الصنيع الذي لا يتأتى إلا من شاعر فحل كبير بقامة الخليلي فيقول إن “الشيخ عبدالله بن علي الخليلي كان الشاعر الأول في عمان على مدى ما يقرب من نصف قرن وكان ذا ملكة شعرية متميزة ينساب الشعر من ذاته انسياب الماء من السحاب ولكنه لا يترك قصيدته كما أفرزتها الموهبة وإنما يجتهد في تنقيحها وإصلاحها وتهذيب لغتها وصورها وتنسيق جملتها ويظل لفترة يعاود النظر فيها يغير ويبدل ويحذف ويضيف إلى أن يراها قد استقامت واكتمل بنيانها وحينذاك يطلقها ليراها الناس ويقرأونها
وهو راض عنها… وكانت ثقافته الشعرية واسعة محيطة بالكثير من قصائد الشعر العربي منذ ما قبل الإسلام وحتى العصر الذي كان هو فيه. وكذلك كانت ثقافته اللغوية والنحوية عالية المستوى لم يكد يفته شيء من علوم البيان وفنونه وهذا هو الذي حمى شعره من الأخطاء وعصمه من الزلل وكانت جملته الشعرية رصينة قوية …. يحضره الشعراء وهواة الأدب من القائلين والسامعين وكان لذلك المجلس إسهامه في إثراء الساحة الأدبية العمانية وتنشيطها حيث كانت تلقى فيه القصائد ويتم نقدها والتحاور حولها إضافة إلى الجوانب الأدبية الأخرى..” .(الشيخ احمد الفلاحي، شهادة رقم ٢ ) .

سعيد الصقلاوي

إلى الأعلى