السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إشراقات عمانية

إشراقات عمانية

سعود بن علي الحارثي

” أسند ظهره على الجذع الوحيد النابض بالحياة في ذلك المكان المقفر الذي مسح الجفاف ومعه ممارسات الإنسان غير المسئولة, أشجاره الوارفة وجنانه الظليلة وبساتينه المثمرة بالأطايب, مكان تحول من ريف يفخر أهله بمنتجاته المختلفة وخيراته الوفيرة إلى صحراء يلتحفها الغبار وتتناثر في ربوعها الأطلال والخرب والحفر,”
ـــــــــــــــــــــــ
الحادي عشر: وفـاء:
كما هي عادته الصباحية التي ألفها وسكن إليها, واعتاد عليها أهل قريته منذ زمن لا تذكر بداياته الحقيقية, ولكن في المقابل لا تغيب عن ذاكرته أحداث ذلك الزمن وسماته والأسباب التي دفعته إلى تلك العادة, (( كما هي عادته )) أسند ظهره المنحني على جذع نخلته التي ما فتئت على مدى سنوات وهي تجاهد العطش وتعاند الموت وتتشبث من أجل البقاء, فالصراع في الحياة هدفه الاستمرارية والابقاء على الحياة ما أمكن ذلك, هذا هو الهدف الأول من المعاندة والمجاهدة والتشبث, أما الهدف الثاني تأتي صفة الوفاء المتأصل في النخلة, وفاء التزمت به وحافظت عليه عهدا طويلا, بأن تبقى صامدة شامخة لا تنحني للريح ولا للجفاف ولا للعوامل الأخرى التي تستهدفها باستمرار فهي أخت الرجال والرجال يأتيهم الموت ويسلمون الروح وهاماتهم مرفوعة, وفاء تتبادله مع صاحب لا يقل عنها وفاء وشموخا وحفاظا على العهد, صاحب لم يتبق له من أحد في الحياة سواها مع كثرة أصحابه وعدد خلانه في الأيام الخوالي, يسند ظهره كل صباح على جذعها يتحسس كربها يطمئن إلى أن شرايين الحياة ما زالت تنبض في عروقها, يستعيد شبابه ويستذكر ماضيه من خلالها, الطريق والأرض والأطلال والساقية وملامح المكان جميعها ترتبط بشكل أو بآخر بجذع النخلة , فهي محور ذلك المكان وأساسه وصانعه, ولولاها ما وجدت تلك الكيانات المختلفة التي تأسست بفضلها ومن أجلها, فالعلاقة بينهما علاقة حب ووفاء وصفحة تحتوي على تاريخ طويل من الذكريات السعيدة منها والحزينة, وبقاء أحدهما إنما هو مرهون باستمرار الآخر على قيد الحياة, تمد جذورها ما استطاعت إلى الأعماق سبيلا بحثا عن قطرة ماء أو رطوبة ندى لم تتمكن نثرات التراب من امتصاصها بعد, أملا في أن تمنحها ساعات جديدة تضاف إلى ما قبلها في تصميم وإباء وعزة لا تعرف إلا عند الشرفاء .. أسند ظهره على الجذع الوحيد النابض بالحياة في ذلك المكان المقفر الذي مسح الجفاف ومعه ممارسات الإنسان غير المسئولة, أشجاره الوارفة وجنانه الظليلة وبساتينه المثمرة بالأطايب, مكان تحول من ريف يفخر أهله بمنتجاته المختلفة وخيراته الوفيرة إلى صحراء يلتحفها الغبار وتتناثر في ربوعها الأطلال والخرب والحفر, وبقايا قرية كانت يوما ما عامرة, حتى البشر من أبناء وأحفاد أولئك الرجال الذين عاصرهم وصحبهم وتعلم منهم كل ما هو جميل وطيب فخلفوه وراءهم يعاني غصة الفراق وسأم الحياة وشرود الشيخوخة وأحزانا يعالج كآبتها بالذكريات الجميلة ومناجاة نخلته التي تذكره بأيام الشباب والقوة والآمال المتجددة … حتى هؤلاء الأبناء والأحفاد لفظتهم تلك الصحراء فابتنوا لأنفسهم في خارجها منازل مشوهة من الاسمنت المسلح ليست بالمنازل, فهي غير مهيأة لاستقبال الضيوف أو دخول الهواء النقي إلى أروقتها وزواياها, ولا هي قادرة على إدخال السعادة والفرح في نفوس ساكنيها حتى الأطفال لا يجدون فيها متسعا يمارسون فيه هواياتهم وألعابهم وشقاوتهم, في هذه المنازل لا يزور الجار جاره ولا يلعب الطفل مع أقرانه ولا يتجاوب المرء مع سكان منطقته لانشغال كل منهم بهمومه ومعيشته ومستقبله, فضاقت القلوب وتغيرت النفوس واستبدلت المبادئ والقناعات والعلاقات, ومن أجل أن تظل المنازل منغلقة معزولة عن بعضها البعض محافظة على تصميمها وشكلها ونظافتها كما يظن أصحابها تخلى الناس عن ثرواتهم الحيوانية والزراعية وعن خصوصيتهم الثقافية وعاداتهم الاجتماعية القائمة على الحب والتآلف والتآزر واعتمدوا على الغير في توفير احتياجاتهم واستيراد متطلباتهم بدلا من الاكتفاء بما تنتجه أياديهم … بجنب نخلته يجتر كل صباح ذكرياته الطويلة التي تحكي مسيرة حياة حافلة بالعطاء فهي صاحبته في شيخوخته ورفيقته في دربه وليس له سواها بعد أن فارقه الصحاب وتركه الخلان, وتخلف عنهم وهو يتجرع وحشة الحياة مع زمان غير الزمان الذي احتضن طفولته وشبابه وجزءا من شيخوخته, وبشر غير البشر الذين رافقهم وتعامل معهم وأختلف أو اتفق مع الكثير منهم, وفي أوضاع غير الأوضاع التي عاصرها شاعرا بالغربة والوحشة برغم كثافة البشر الذين يلتقيهم ويشاهدهم كل يوم, وفي يوم من أيام الله أسلم الروح إلى بارئها , فارق الحياة وهو في جلسته تلك مستندا إلى جذع نخلته التي لم تخذله يوما ولم تقاوم الموت ساعة من بعده فقد أدت دورها والتزمت بعهدها وحافظت على وفائها وآن لها أن تلحق برفيق الدرب وصديق الحياة.

إلى الأعلى