الجمعة 28 أبريل 2017 م - ١ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / فلسطين ما بين الدولة الواحدة وثنائية الدولة

فلسطين ما بين الدولة الواحدة وثنائية الدولة

د. فايز رشيد

الحلقة السابعة والأخيرة
إسرائيل ترفض الحلول لأن (الحل) يعني أنها قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة الكاملة

الدولة الثنائية القومية: سوف لن تعيد اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، لأن عودة هؤلاء ستعني اعترافاً إسرائيلياً بالحق الفلسطيني في الوطن الفلسطيني، وقبولاً إسرائيلياً بسيطرة (القومية) الفلسطينية على (القومية) اليهودية بفعل العوامل الديموغرافية… كما أنها تعني، تخلياً إسرائيلياً عن مبدأ أساسي في وجود الدولة الإسرائيلية، ألا وهو: تهجير اليهود من كافة أنحاء العالم لما تعتبره (وطنهم) الطبيعي، التاريخي والحقوقي… وأياً كان شكل ومضمون الدولة الإسرائيلية في المستقبل، ديمقراطياً وتقدمياً وإنسانياً، معترفاً بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وبمبادئ الشرعية وحقوق الإنسان… فلن تقبل إسرائيل بالتخلي عن منع عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وعما تعتبره حقاً لها في تهجير كل اليهود من كافة أنحاء العالم، إليها!
البعض من الفلسطينيين سواء في طرحه ودعوته للدولة الديمقراطية الواحدة، أو الدولة الثنائية القومية، يراوح بين الإيمان العقائدي النظري بما يطرح… وبين كون هذا الطرح توسيعاً للبدائل الفلسطينية، وبخاصة في ظل التعنت الإسرائيلي تجاه الموافقة على إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة على كافة الأراضي الفلسطينية، التي جرى احتلالها في حرب عام 1967.
من بين هؤلاء د. أسعد غانم، أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا، وأحد المنظرين لحل الدولة ثنائية القومية، فهو يقول (مع الوعي الكامل بأن القيادة الفلسطينية وربما غالبية الفلسطينيين مازالوا يراهنون على حل الدولتين، فإن مؤيدي الدولة الواحدة، ثنائية القومية، يجب أن يصروا على عرض تصورهم كبديل فلسطيني في حالة تعثر هذا الحل – وهذا أمر محتوم – وألا نترك الباب مفتوحاً لأن يكون حل شارون هو الحل البديل، المقبول من قبل بعض الفلسطينيين، متذرعين بالبراجماتية والمناخ الدولي وميزان القوة، وما إلى آخره من أعذار، لقبول ما يعرضه علنياً الآخرون، بدون أي طرح استراتيجي بديل). البعض أيضاً يرى في الدعوة للدولة الواحدة، تهديداً لإسرائيل إن لم توافق على مبدأ حل الدولتين، وفي هذا السياق يأتي تصريح رئيس الوزراء الأسبق (أبو علاء) أحمد قريع في يناير من 2004 (وقد تطرقنا إلى هذا الموضوع سابقاً).
أما د. علي الجرباوي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، فيقول:
“لا أعتقد بإمكانية تحقيق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والسيادية على حدود سنة 1967 إلا من خلال التلويح الفلسطيني الجدي بتبني خيار إقامة الدولة الواحدة [....] قد يقول بعضنا أن هذا الخيار ليس واقعياً ولا نملك القدرة على تطبيقه، هذا إن كنا أصلاً نريد تطبيقه، لأنه سيؤدي بنا، إن وافقت إسرائيل عليه، [أن نكون] مواطنين من درجة متدنية يمارس عليها الاضطهاد والعنصرية لأمد طويل، إن لم يكونا مزمنين. علينا التوضيح التام في هذه النقطة: لو كان الخيار بين الدولة المستقلة (على أراضي 1967] والدولة الواحدة [على كامل تراب فلسطين] لاخترت الأولى على الثانية، لكن، لأن الخيار المطروح هو بين القبول بـ [دولة الكانتونات] وبين التوجه نحو الدولة الواحدة لردع الخيار الكانتوني، اختار الثانية”.
وفي الرد نقول: رغم إدراكنا لصعوبة الظروف الفلسطينية، واستثنائية القضية الفلسطينية من بين كل قضايا التحرر الوطني الأخرى على صعيد العالم أجمع، ورغم مرور ما يقارب قرن زمني على النضال الوطني الفلسطيني وعدم تحصيل نتائج جدية، رغم المعاناة والتضحيات الفلسطينية الهائلة… والتي لا تنسجم مع حجم الانجازات… لكن…. إن تحديد الهدف الوطني الاستراتيجي للنضال، وبرغم المرونة السياسية التكتيكية الممارسة في مراحل مختلفة… يتوجب أن لا تلغي الهدف الاستراتيجي، بل يجب أن تصب السياسات في نهاية المطاف، في خدمة الهدف الاستراتيجي، والذي تحديده، يُلغي وبشكل أوتوماتيكي الخيارات الأخرى – والتي هي من الأساس ليست مطروحة على طاولة البحث في المفاوضات.. لذلك، فإن طرح مثل هذه الخيارات… أكان هذا الطرح من زوايا تكتيكية أو باعتباره وسيلة ضاغطة على الآخر (وهو العدو) أو توسيعاً لبدائل… فإن هذا الطرح يعتبر تضييعاً لملامح الهدف الاستراتيجي وتشتيتاً للنضال الوطني الفلسطيني بشكل عام!
في مرحلة ما، طرح النظام العنصري في جنوب أفريقيا على المناضل الجنوب إفريقي الراحل نلسون مانديلا، والذي كان سجيناً وقتها (قضى في السجن 27 عاماً) إمكانية إخراجه من السجن مقابل قبول المؤتمر الوطني الأفريقي (الحزب الذي يرأسه مانديلا) بحكم ذاتي للسود، لكن الزعيم الوطني الإفريقي رفض هذا العرض رفضاً قاطعاً وفضل البقاء في السجن على الحكم الذاتي الهزيل، لأن حزبه قد حدّد استراتيجيته النضالية بالقضاء على الحكم العنصري في جنوب إفريقيا، وإقامة الدولة الديمقراطية الواحدة، التي تضمن المساواة لكل مواطنيها سوداً وبيضاً! وبالفعل هذا ما تحقق رغم ما يزيد على مئة عام من النضال.
وفي محطة أخرى، فإن نلسون مانديلا، بعد أن تم إطلاق سراحه، وفي زيارته للبيت الأبيض، بدعوة من الرئيس كلينتون حينها، أعلن أن حزبه لن يوقف الكفاح المسلح (رغم مناشدة الأخير له بالتخلي عن ذلك) ما لم يتم إسقاط النظام العنصري، وبالفعل هذا ما تحقق.
ندرك أن طبيعة الظروف المحيطة بنضالنا، وبقضيتنا الوطنية، مختلفة عن قضية جنوب إفريقية، لكننا نسوق هذه الحادثة، للدلالة على أهمية التمسك بالهدف الاستراتيجي.
في الوضع الفلسطيني… منّا من لا زال يؤمن بتحرير فلسطين، كل فلسطين، ومن بيننا من يؤمن بحل الدولتين إنسجاماً مع البرنامج المرحلي، الذي شكل قاسماً مشتركاً بين غالبية التنظيمات في عام 1974. ولكن، فإن الحقائق تفرض نفسها.. فإسرائيل ترفض هذا الحل وتعتمد بالتحالف مع الولايات المتحدة على رؤية مشتركة للحل، المتمثل في دولة الكانتونات المنزوعة السيادة… ذلك لا يجب أن يعمينا عن رؤية حقيقة المشروع الإسرائيلي على الأرض وأهدافه، انطلاقاً من الإيمان العقائدي الاستراتيجي.. لنظل (وكمسألة اعتراضية) نطرح حل الدولتين، مع الإدراك، بأن إسرائيل لن تقدم عليه (فمثلما ذكرنا سابقاً، فإن موافقتها على دولة فلسطينية ذات سيادة على حدود أراضي عام 1967) تعني أنها قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة الكاملة. كل هذه القضايا يتوجب أن لا تنسينا التحديد الاستراتيجي للهدف الواضح في الأذهان، بالاعتماد على الوقائع التاريخية وحقائق المرحلة الحالية، واستنباط المستقبلية أيضاً، اعتماداً على التحليل العلمي للتاريخ ولعوامل الصراع الحالية.

خاتمة

حاولت في هذه الدراسة، وبتجرد، أن أكون محايداً في محاكمة المشروعين:
الدولة الديمقراطية الواحدة، والأخرى ثنائية القومية… ولكن ما خلصت إليه:
استحالة تطبيق المسألتين بيننا وبين إسرائيل، لأن كلاً منا نقيض للآخر، أي أن جوهر التناقض مع إسرائيل هو تناقض رئيسي، تناحري… بالتالي فهو ليس مرهوناً بشروط قد تصل إليها الدولة الإسرائيلية، لأن مشروعها من الأساس تم بناؤه على اغتصاب الأرض وتشريد أهلها واقتلاع شعبها من وطنه، وقائم على استمرارية العدوان، والتأسيس لتطويره مستقبلاً.
أما الافتراضات البعيدة المدى… فإنها ومن أجل أن تكون علمية، يتوجب أن تمتلك الأساس المادي (العناصر الضرورية) التي يمكن البناء عليها، وذلك لتكون افتراضات ولو في الحدود الدنيا من الإمكانية الواقعية لتحقيقها… والعلمية في تصورها…
الدولة الديموقراطية التي ندعو إليها… هي دولة فلسطين الديموقراطية (بعد تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني) على كامل التراب الوطني الفلسطيني، والتي تكفل الحقوق المشروعة لجميع مواطنيها، على أساس المساواة وتكافؤ الفرص، دون تمييز بسبب الدين أو الجنس أو العقيدة أو اللون. دولة معادية للإمبريالية وذات أفق وحدوي ديموقراطي مع سائر الأقطار العربية
ما نطرحه من شكل للدولة الديموقراطية العتيدة لا يتناقض مع الاستنتاجات التي خلصنا إليها في موضوعيْ: الدولة الديموقراطية الواحدة والأخرى الثنائية القومية، واللذين ناقشناهما في هذا البحث، ذلك أن تصور البعض للدولة الديموقراطية الواحدة أو الأخرى الثنائية القومية، هو التصور القائم على المساومة التاريخية من خلال تشكيل الدولة الواحدة الديموقراطية أو الثنائية القومية، التي يتعايش فيها الفلسطينيون والإسرائيليون اليهود معاً. حتى هذا النمط من الحلول مرهون بالتغيير الكلي الجوهري والشكلي في البنية الإسرائيلية، وتحولها إلى نقيضها بعد إنجاز الخطوة الأولى وهي: التخلي عن الصهيونية والعمل على محاربتها حتى اندثارها، وهذا لن يتأتى إلا بعد مرور مئات السنوات على دولة (إسرائيل). الديموقراطية الحقيقية مضمونا لا شكلاً، هي التي تدين الصهيونية ولا تعتبر اليهودية قومية وإنما (دين) مثل المسيحية والإسلام، والتيور بأن إسرائيل قد تتخلى عن عدوانيتها وعنصريتها وتعاليمها التوراتية، والتي ستنشئ أجيالها على أسس جديدة مناقضة تماما لما هو قائم حاليا، وستدين أيضاً ما مارسته دولتها من مجازر وحروب ضد الفلسطينيين والعرب، وما ألحقته بهم من ظلم وعذابات نتيجة تهجيرها لهم. والأهم من كل ذلك أن تعترف للعرب الفلسطينيين بحقهم التاريخي في فلسطين……. وهذه المسألة مستحيلة التطبيق على المدى المنظور. ما نقوله ليس محاولة للتيئيس، بقدر ما هو رؤية وتحليل علمي لطبيعة الصراع مع هذا العدو، ثم علينا أن لا نحكم على النتيجة النهائية للصراع من خلال ظروف الواقع الحالي (فمثلما قلنا) فإنه قابل للتغير. أما فيما يتعلق بالتحرك السياسي على الصعيد الدولي، فليكن الشعار: تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي التي جرى احتلالها في عام 1967 وذلك من أجل حشد أكبر تأييد دولي للحقوق الوطنية الفلسطينية. وإذا ما تحقق هذا الشعار على الأرض واقعاً فعلياً (وهو من وجهة نطري مسألة صعبة التحقيق) فليترك الحل الاستراتيجي إلى وقته وإلى ظروفه حينها.
أما الافتراضات من نمط، أن المستقبل قد يجعل من شيخ الجامع الأزهر، بابا للفاتيكان (وهذا على سبيل المثال لا الحصر) فإنها افتراضات هوجاء، حمقاء، بعيدة عن أية علمية أو أية موضوعية!
الصراع مع العدو الصهيوني هو صراع تاريخي مفتوح، قد يشهد صعوداً وهبوطاً في هذه المرحلة التاريخية أو تلك، لكن ذلك لا يغيّر من حقائقه… عوامله… ومضمونه الرئيسي. لقد تعرضت منطقتنا العربية، وفلسطين تحديداً، لغزوات كثيرة، بعضها استمر لعقود طويلة… لكن كل أولئك الأعداء، هُزموا… وحملوا العصي على كواهلهم ورحلوا!
الغزوة الصهيونية رغم طبيعتها المختلفة… لن تكون استثناء من القاعدة الرئيسية في ممارسة كافة أشكال العدوان والاحتلالات…. ومصيرها، أن يحمل قادتها عصّيهم على كواهلهم ويرحلوا عن أرضنا… طال الزمن… أم قصر! هكذا علّمنا التاريخ! وهكذا علمتنا تجارب الشعوب المكافحة من أجل حريتها واستقلالها!.

إلى الأعلى