الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. فتنة تروج من الخارج .. ورهانات المواجهة الوطنية

العين الثالثة .. فتنة تروج من الخارج .. ورهانات المواجهة الوطنية

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

كل من اطلع على مقطع مسرب في ،،اليوتيوب،، عبر وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا، سوف يحكم عليه منذ الوهلة الأولى، بأنه محاولة جديدة لضرب منظومة تعايشنا المذهبي في العمق، وقد حاولت المساس بمشاعر وعواطف ذات ثقل وزني كبير، قابلة للاشتعال، أو على الأقل التأثير فيها مرحليا، وهذه المحاولة نتوقع لها أن تكون ممنهجة وبدوافع سياسية ودينية معا، ليست بريئة تماما من الدوافع السياسية إطلاقا على اعتبارين، أولهما الظرفية السياسية التي تمر بها المنطقة والتي من خلالها نشهد الآن تحولات سياسية كبرى بصورة غير متوقعة، وقد كان لهذه التحولات تغير جوهري في القناعات والبديهيات السياسية المتعارف عليها، سنرى نتائجها قريبا، وثانيها، احساسنا المرتفع بوجود توجه خارجي لشغل بلادنا بمشاكل داخلية كبيرة بعد نجاحها اللافت في ترجيح خيار السلم والاستقرار الاقليمي والدولي، والاقليمي على وجه الخصوص، على خيار الحرب والتوترات السياسية والعسكرية، فمن أين يمكن أن تشغل بلادنا؟
يحوي اليوتيوب على اجابات مباشرة للتساؤل سالف الذكر، وقد اثار قلقنا في توقيته ومضامينه، لكن تظل القضية التي تشغلنا أكثر من القلق تدور حول هواجسنا الداخلية، فهل داخلنا يعي هذا الاستهداف في توقيته الظرفي؟ وهل يعمل بذكاء على تحصين ذاته؟ والى ماذا نرجع تصرفات مثيرة واستمرار بؤر قديمة حتى الآن في ظل تجدد الاستهداف الخارجي؟ على وعينا الثيولوجي (الديني) والسياسي أن يعلم أن الاختراق الجديد استهدف وسوف يستهدف المساس بمناطق فكرية ذات حساسية عالية المستوى، وطموحه أي الاختراق التغلغل داخل ذهنيات ذات توجسات قديمة نسبيا بهدف إحيائها، وقد يستغل ثغرات وممارسات بعضها قديمة نسبيا، وأخرى حديثة كالذي يحدث في البريمي وكذلك بعض القرارات الثيولوجية الجديدة، وهذه المستجدات هى التي تقلقنا كثيرا، لأنها قد تخلق البيئة النفسية المواتية للاختراق، من هنا نخشى أن يلامس الاختراق ميلا زائدا في الاعتداد بالمعتقد أو اللعب على وتيرة النواقص والشواغر التي لم تردم للزوم حصانة الذات من الاكراهات الخارجية رغم أننا قد حذرنا منها واعتبرناها في عدة مقالات سابقة بأنها تشكل كبرى الاكراهات المقبلة إن لم نعمل على ردمها سريعا، فالمقطع يعلي من شأن فكر، وينزل من قيمة أخر، ويدغدغ عواطف ومشاعر بإحصائيات مئوية عن مركزية البعض ومكانتهم الطبيعية المسلوبة، ويثير بأسلوب الجذب والإغراء الخطابي والبلاغي والاستهوائي الفكر الذي يتناغم معه من حيث البعد الايديولوجي ضد الفكر المتعارض معه،، فالحذر كل الحذر يا أهل عمان من ابتلاع هذا السم مهما تقاطعت وتناغمت حججه ومرئياته مع هوى وأمزجة نفسية وحتى اعتقادات مذهبية، والحذر موجه للكل، فالكل يعبر بحور الفتن الاقليمية بسفينة الاستقرار والتعايش المذهبي، فهل الكل يدرك هذه النعمة الكبرى؟ إذن، ينبغي أن لا تنطوي علينا خلفيات هذه المغازلة المذهبية، والأهم هنا، أن تعددنا الفكري وتنوعه ينبغي أن يكون في مستوى استحقاقات الوعي المفترض بحتمية التعايش الابدي داخل بلادنا مهما كانت الاكراهات الخارجية، ومهما اعتقد البعض أنه في موقع أفضل من الآخر، وهذا يدفع بنا أن نضع الوعي (الديني) والسياسي مجددا أما حقائق لن يختلف عليها عاقل مهما كانت تموقعاته الفكرية، وقد رأينا من الضرورة أن يتم ذلك من خلال الإجابة على التساؤل التالي، كيف لم تعرف بلادنا الارهاب الداخلي – ولله الحمد؟ وإذا ما حاولنا أن نسترسل قليلا في ايضاح هذه الفكرة لدواعي فهم أعمق لهذه المسألة المهمة، فإننا ينبغي أن نوجه الفكر العماني الى التفكر في مسألة مهمة جدا، وهى عدم تورط أي عماني في التنظيمات والتيارات السياسية أو المليشيات المتطرفة المتعددة الأشكال والألوان والأسماء التي تشعل المنطقة هذه الأيام؟ تلكم التساؤلات معني بها الوعي الديني والسياسي في بلادنا مهما كان مكونه وخلفيته .. لماذا؟ لأنه المنطقة المستهدفة للاختراق، وهى الشريحة التي يراد لها ان تنفعل وتستفز، فعن طريقها سينجح الاستهداف بامتداده الى بقية المكونات المذهبية، سنحلل لهذا الوعي كيف تم تأسيس التعايش في بلادنا؟ وهل تم فرضه،، إكراها أم كان خيارا مجتمعيا تلقائيا؟ ومن ثم كيف أصبح خيارا عقلانيا مجسدا في ديناميكية ودينامية المذاهب، وذلك بغية رفع منسوب هذا الوعي لكي يشكل لنا حصانة ضد الاختراق، بل كل الاختراقات المقبلة، ولكي نسارع الى سد الثغرات الجديدة والقديمة، فكل من يبحث في تاريخية هذا التعايش الحديث، سوف يجد انه نتاج عملية التأسيس التاريخية، فلو أخذنا محافظة ظفار مثلا، فلم تتأسس وتتأطر الذهنية فيها على تكفير المختلف معها عقائديا أو حتى رفضه أو اقصائه، فمساجدها ومدارسها وحتى التربية الأسرية فيها كانت تدرس العلم الشرعي الخاص بها في إطار حق الآخرين في اعتناق هذا العلم من منظورهم المذهبي الخاص بها، ويتم التعامل مع الآخرين على اساس حقهم في الاختلاف والتمايز، ومن ثم كل مسلم سواء كان سنيا أم اباضيا أم شيعيا، فهو مسلم، وهو مسئول عن معتقداته بصورة فردية لا جماعية، وهذا ما نجده مجسدا في كل المساجد في بلادنا، ففي الصف الواحد نجد فيه انصار كل المذاهب يعبر عن وحدانية الجامع لكل المختلفين ،، الاسلام ،، ومتعدد المكون، وهو ،، المذاهب ،، فكل واحد يكون مسئولا عن صلاته وليس كذلك عن صلاة من معه أو من بجواره، ومنذ عام 1994، طرأت بعض التحولات على عملية التأسيس، إذ لم تكن حصريا داخل بلادنا، وإنما شاركنا فيها الخارج لأسباب داخلية، وهذا كان خطأ تاريخيا بامتياز – ولا يزال قائما حتى الآن ـ وحتى في هذه الحالة لم يطرأ على مشهد التعايش سوى سماع اصوات في الهواء دون ان تنتج افعالا على الارض، وظلت الاغلبية تؤمن بحتمية قبول الاختلاف الذي على اساسه اصبح الاندماج والتعايش مقبولا ومسلما به، ودونه أي دون قبول الاختلاف والتعدد في بلادنا، سيصبح الاندماج والتعايش مستحيلا ….الخ مثلما هو سائد في مناطق الاشتعال والانفجار المذهبي.
وهكذا تأسس التعايش والتسامح في بلادنا، ولم تتمكن المحاولات السابقة من اختراق نسيجنا الوطني والاجتماعي رغم وجود بعض الثغرات، والتفكر والتدبر في هذا الانجاز وانعكاساته على ديمومة الاستقرار والسلم المجتمعي هو الذي يدفع بنا الى طرح القضية من خلال ذينك المنظورين لرفع الوعي العام بهما في ضوء تسريب ذلك المقطع المثير حتى لا ينفذ للذهنيات، وكذلك في ضوء المستجدات الجديدة التي تعكس لنا وجود اشكالية جديدة في معركة الوعي في بلادنا، وهذا ما يستوجب التحذير منه بصوت مرتفع دفاعا عن تجربة التعايش والتسامح ونجاحاتها التاريخية، وهذا يستوجب التمسك بهذه التجربة بكل ما أوتينا من قوة مادية ومعنوية مهما كانت ملاحظاتنا على التصرفات المستجدة، لأن فيها ديمومة الحفاظ على نسيجنا الوطني والاجتماعي، وعلينا مقارنة النتائج قبل أن نطلق العواطف والمشاعر من ضوابطها العقلانية التي بسببها تم قبول مبدأ الاختلاف والتمايز على مدى العقود الماضية، كما يستوجب تشكيل لجنة رفيعة المستوى متعددة بتعدد المكون الفكري تتشكل من كبار الشخصيات الفكرية في البلاد، وتعمل خلف الكواليس على حل الاشكاليات التي تثيرها المستجدات والممارسات والعمل ضمانة عدم إقدام أي طرف من الاطراف على أفعال من شأنها أن تؤثر على نسيجنا الوطني والاجتماعي، وفي الوقت ذاته تعزز مبدأ العيش المشترك في ظل مبدأ قبول الاختلاف والتمايز داخل حدودنا الوطنية، ليس أمامنا من خيارات أخرى لمواجهة أية محاولات خارجية سوى تغليب الوعي والرهان عليه في معركتنا الوجودية المستهدفة قديما وحديثا، والقادم سيكون أكبر وأعظم، فهل وصلت رسالتنا العاجلة للوعي الثيولوجي والسياسي؟ إذن عليهم أن يعلموا أن تجربة التعايش لابد من تقييمها عاجلا ومن منظور أن قبول الآخر لا يعني التنازل عن المعتقد ولا الخضوع للمساومة وإنما التعامل معه على أساس العدالة والمساواة.

إلى الأعلى