السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مستقبل الأنظمة الخليجية في ظل المتغيرات الأمنية الداخلية: التحديات والحلول (1-3)

مستقبل الأنظمة الخليجية في ظل المتغيرات الأمنية الداخلية: التحديات والحلول (1-3)

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. نحن بهذا الحديث لا نسعى لرفع سقف المخاوف من باب التهويل وتضخيم الأمور أو إعطائها قدرا اكبر من حجمها الطبيعي، بقدر ما هو تنبيه استشرافي تم بناؤه على جملة من المعطيات والمحددات التي لا مفر من الإقرار بها والاعتراف بوجودها من باب الحكمة والحنكة والمنطق والعقل السياسي الواعي والمدرك لعبر التاريخ ومجرياته وعواقبه وتقلباته،”

ــــــــــــــ
مما لا شك فيه بأن الأهمية الجيوبوليتيكية والجيواستراتيجية التي تحظى بها دول الخليج العربية إقليميا ودوليا جعلتها محط أنظار العديد من صناع القرار والسياسات والمستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال والشركات العابرة للقارات من مختلف أنحاء العالم، سواء بفعل موقعها الجغرافي المتميز من الناحيتين السابقتين والذي يشكل عامل استقطاب مهما للقوى الدولية، او لامتلاكها أهم موارد الطاقة في العصر الحديث، فباتت هذه المنطقة محورا أساسيا من محاور الصراع والتنافس الدوليين بين استراتيجيات القوى العظمى، ومجالا حيويا لتطبيقاتها الجيوبوليتيكية.
وبمعنى آخر عدت بسبب تلك الجائزة الكبرى من الأهمية ولا زالت وستبقى تلك الدول باختصار أدق، الوجبة الدسمة للكثير من الطامحين والطامعين من المستعمرين عبر عقود من الزمن القديم والحديث، وإذا كان قدر منطقة الخليج أنها ( شكلت محط أنظار القوى الاستعمارية منذ القدم، حيث استعمرتها بريطانيا لمدة تزيد على 150 عاما، فإن انسحابها أفسح المجال لتشكيل أطماع قوة عالمية أخرى بدأت تحل محلها، وهي التي حرصت على الانفراد بإدارة شؤون النظام الإقليمي الخليجي ونعني بها الولايات المتحدة الاميركية).
الا ان هذه الأخيرة وبحسب رؤية ووجهة نظر العديد من المحللين والمتابعين المتخصصين للشأن الاميركي والدراسات الجيوسياسية والعلاقات الدولية قد تراجعت قوتها وهيمنتها مع بداية القرن 21 نتيجة تغير العديد من هياكل البنية السياسية للسياسة الدولية وتراجع المركزية القطبية باتجاه ما أطلقنا عليه بالتعددية القطبية الفضفاضة (2) ما أدى بدوره الى بروز بعض القوى الإقليمية التي كانت تنتظر الفرصة التاريخية للاستحواذ والهيمنة، او لأخذ حقها الطبيعي من علاقة تبادل المصالح وتوازن القوى الاستراتيجية على رقعة الشطرنج الخليجية رغم عدم إنكار وجودها الجيوبوليتيكي الطبيعي بحكم الجوار او باعتبارها من القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة، ومن ابرز تلك القوى المؤثرة الجمهورية الإيرانية وتركيا.
كل ذلك وغيره بكل تأكيد قد اثر كثيرا، سواء سلبا او إيجابا في طبيعة وشكل الحكومات والأنظمة السياسية التي حكمت هذه البقعة الجغرافية من رقعة الشطرنج الدولية، كما وأثر كذلك في طبيعة ونماذج تفكير شعوب المنطقة ورؤيتها الى الكثير من السياسات الدولية، ونظرتها الى المجتمع الدولي والقوى الاستعمارية الكبرى كالولايات المتحدة الاميركية على سبيل المثال لا الحصر، بل وحتى كذلك قد اثر بشكل مباشر في نظرة تلك الشعوب ومدى ولائها لأنظمتها السياسية، ما جعل العوامل الخارجية المؤثرة في أمن واستقرار المنطقة وأنظمتها السياسية تتداخل وتترابط بشكل كبير وواضح مع العوامل الداخلية للأمن والاستقرار.
وبما ان هذه الدراسة المختصرة ستناقش ابرز التحديات الأمنية والعقبات القائمة والقادمة داخليا، والتي ستكون حلقة الوصل والفصل بين شعوب هذه المنطقة ومستقبل الأنظمة الخليجية التي تحكمها، فإننا سنتجنب الدخول الى تفاصيل تأثير العوامل الجيوبوليتيكية والجيواستراتيجية الخارجية سالفة الذكر وعلى رأسها تأثير التدخلات الغربية او الإيرانية والتركية وحتى غيرها من القوى العابرة للقارات في منطقة الخليج العربي، لأننا نؤمن بان المناعة الداخلية والوطنية والترابط الكياني الداخلي بين شعوب منطقة الخليج وحكوماتها ومدى مقدرة هذه الأخيرة على توطيد ثقة شعوبها بها من خلال العديد من العوامل والمبادئ والقيم الإنسانية والتنموية، سيشكل الجدار المانع والقوة الوطنية الداخلية القادرة على احتواء الكثير من التحديات والمخاطر الأمنية والمؤامرات الخارجية التي تهدد منطقة الخليج العربية كأنظمة وشعوب.
وقد أثبتت الظروف الاستثنائية التاريخية التي مرت بها دول منطقة الخليج العربية في العام 2011م بشكل متفاوت، فيما أطلق عليه في العديد من الأدبيات العربية وقتها ولازال بثورات الربيع العربي، بأن هذه الدول، أي دول الخليج العربية برغم ثرواتها النفطية الهائلة وارتفاع دخل الفرد مقارنة بالعديد من دول المنطقة العربية وتوفر الاستقرار الأمني والسياسي الآسن الذي حظيت به معظم الأنظمة الخليجية لعقود زمنية طويلة، الا أنها ورغم ذلك كله ليست بمعزل أبدا عن التهديدات والتحديات التي يمكن ان تقوض استقرارها وأمنها وحتى بقاءها الوجودي، وعلى رأس تلك التحديات والعقبات الحروب والتدخلات الخارجية والثورات والانقلابات والتمرد عليها وعلى سيادتها وشرعيتها من جهة وسياساتها وتوجهاتها من جهة أخرى.
ونحن بهذا الحديث لا نسعى لرفع سقف المخاوف من باب التهويل وتضخيم الأمور او إعطائها قدرا اكبر من حجمها الطبيعي، بقدر ما هو تنبيه استشرافي تم بناؤه على جملة من المعطيات والمحددات التي لا مفر من الإقرار بها والاعتراف بوجودها من باب الحكمة والحنكة والمنطق والعقل السياسي الواعي والمدرك لعبر التاريخ ومجرياته وعواقبه وتقلباته، ويجب ان لا تستهين بها الأنظمة الحاكمة في دولنا الخليجية ولا بتبعاتها على استقرار دولها ومستقبل شعوبها.
فالقراءة الأولية لتلك المتغيرات العابرة للقارات والتطورات السريعة التي حدثت في حقبة ثورة الاتصالات ولا زالت تحدث باستمرار، وما ترتب على ذلك من تحولات نفسية وأيديولوجية في فكر ووعي وآمال الشعوب ومرئياتها للماضي والحاضر والمستقبل، وتعاطيها مع الأحداث والمتغيرات، يجعلنا نؤكد وبما لا يدع مجالا للشك بأن السلطات والأنظمة السياسية في مختلف أرجاء العالم – في الشرق والغرب – تمر نفسها بحالة من التفكك والانهيار والتفتيت (3)، وبعبارة أخرى لم تعد تحظى بالقوة الأخلاقية ولا الفكرية التي تستطيع ان تسيطر بها على شعوبها ومجتمعاتها.
وبعبارة أخرى – فإن معركة الاستقرار التي تسعى لكسبها دول الخليج العربية وأنظمتها الحاكمة اليوم في مواجهة تلك التحديات وحالة اللاإستقرار والتي تمر بها لا زالت بعيدة المنال، وخصوصا ان هناك سوء فهم او سوء تصرف او سوء تخطيط تجاه بعض تلك العوائق والتحديات وطرق احتوائها، او ربما نستطيع ان نقول، ان خوف الأنظمة السياسية نفسها من مواجهة التغيير وتلك المتغيرات التي تعصف بدولها وبشعوبها قد اثر كثيرا على سلامة تلك المعالجات، مما جعلها تغرد بعيدا جدا عن الأطروحات والمرئيات الصائبة التي كان يمكن ان تدفعها باتجاه تحقيق النصر في تلك الحرب الكونية التي تعاني منها معظم دول العالم.
وهو ما يدفعنا بدوره من باب تلك المسؤولية التاريخية الأدبية وذلك المنطلق لتوجيه رسالة ما الى جميع الأنظمة السياسية الخليجية مفادها: ان بعض التنازلات التي قد تعد قاسية وقد فرضتها سياسة الأمر الواقع من قبل شعوب المنطقة على الأنظمة الحاكمة في ظل المتغيرات التي عصفت بمعظم دولنا العربية في الفترة الماضية – أحداث العام 2011م – ولا زالت مستمرة حتى اللحظة الراهنة ، والخضوع لمتطلبات الشعوب رغم عدم منطقيتها في كثير من الأحيان من وجهة النظر الرسمية والاتجاه لتغيير العديد من الخطط والتوجهات والقيادات لا يجب ان ينظر إليه على انه تحد او حرب او تمرد سلبي من قبل تلك الشعوب على أنظمتها وحكامها، غايته إسقاط الأنظمة او تحجيم دورها القيادي والسيادي.
بل يجب الانتباه الى نقطة ما في كل ذلك، ربما ان الكثير من المؤثرين وصناع القرار والبطانة او المحيط المنفذ والقريب من تلك الأنظمة قد غفل او تغافل عنها، وبدوره وللأسف الشديد قد اثر على صناعة القرار في دولنا الخليجية – واقصد هنا – جمود وظائف الدولة وهياكلها السياسية، ومراوحة الأنظمة السياسية مكانها في حالة من الشيخوخة التاريخية والفكرية وعدم قدرتها على التغيير والتكيف ومواكبة تسارع موجات الحداثة ومطالب الإصلاح والتحديث، والتي كان من المفترض ان تسعى دولنا الخليجية لمواكبتها والتكيف معها منذ سنوات طويلة، مع ضرورة المحافظة على طبيعتها الثقافية وموروثها الحضاري.
اذا كان من المهم ولا زال حتى لا نكرر أخطاء الماضي ضرورة (ان توائم الدولة نفسها لتأدية وظائفها في ضوء المستجدات العالمية الخارجية والمحلية، فمثلا من قيام الدولة بالدور الأساسي في عملية التنمية الى دور الشريك، الى دور المراقب لعملية التنمية والموجه لها، ومهما كان دور الدولة – وهو ما نود التنبيه إليه هنا تحديدا، وهو خلاصة الرسالة السابقة – فإن المستهدف هو تحقيق التنمية) والتي هي محور الاستقرار وأول مفاتيح النصر في تلك المعارك سالفة الذكر.
على العموم فانه من جهة لا يعني ذلك الاستسلام بطريقة ما لتلك المخاوف والتحديات والخضوع لسياسة الأمر الواقع التي نعيشها اليوم ، والتي فرضتها انعكاسات العولمة العابرة للقارات ومرحلة تناقل الثورات وسنوات من تراكم أخطاء الماضي وجمود وظائف الدولة، وشيخوخة الأنظمة السياسية، ولا يمكن بحال من الأحوال من جهة أخرى كذلك تجاهل الكثير من المعالجات والأفكار والأطروحات الصائبة والطيبة التي وجهت لاحتواء وتقليل مخاطر تلك العوائق خلال الفترات الماضية في اغلب دولنا الخليجية، بالرغم من ان كل ذلك لم يكن كافيا حتى اللحظة الراهنة من وجهة نظري، وبطريقة نستطيع من خلالها القول ان تلك المعالجات حققت معركة الاستقرار المنشودة، ولكننا يمكن ان نؤكد ان بعضها دفع بشكل مؤقت نحو مزيد من الوقت لكسب تلك المعركة الحاسمة والمصيرية في تاريخ المنطقة.
اذا هناك سؤالان يمكن طرحهما في هذا السياق البحثي وسنجيب عنهما في الشق الثاني من هذه الدراسة، وهما: ما هي أهم التحديات الأمنية الداخلية التي تواجه وبمعنى آخر تشكل التهديد والتحدي الأبرز لأنظمة الخليج العربية بوجه خاص وجغرافيا دول منطقة الخليج العربية وشعوبها بوجه عام في الوقت القائم والقادم، وما هي المعالجات والحلول الممكنة او حتى المتوفرة والتي يمكن ان توجه لاحتواء او على اقل تقدير التقليل من الآثار السلبية والمخاطر المحتملة لمعارك لابد لنا من خوضها في المستقبل، وعلى رأسها بل وأهمها على الإطلاق هي معركة الاستقرار والأمن في ظل وجود تلك التحديات والعقبات الأمنية الداخلية في عالم متغير وغير ثابت وسريع التقلبات؟

إلى الأعلى