الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العقلانية والتسامح … عمان نموذجا

العقلانية والتسامح … عمان نموذجا

أسامة الحرمي

رسالة مرئية استلمتها الأسبوع الفائت عبر تطبيق الواتس آب نجحت في عكس التوليفة العبقرية للتسامح تجاه الذات والآخر التى تشكل نسيجا عضويا فى التركيبة العمانية. سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة، رمز من رموز الوحدة الإسلامية، يعقد قران شاب سني على فتاة شيعية. حملت تلك الرسالة المرئية العديد من المعاني والدلالات العميقة، فهي توضح مثال التعايش الحقيقي بين المذاهب الاسلامية في السلطنة. لن تجد هذا إلا في عُمان قال المرسل، وفعلا، المقطع المرئي وبإيجاز شديد نجح في تجسيد التوافق المذهبي بكل أبعاده في عُمان التي لم يتمذهب ناسها ولا نظام الحكم فيها، سياسيًّا، وباتت تشهد على أرضها الطيبة زيجات متبادلةً بين العُمانيين دون أن يمَس ذلك أنوية الخصوصيات الحساسة.
تبدو عمان كأنما استُلَّت من واقع المدّ الطائفي الموبوء بالتعصب المقيت وبالكراهية المنفلتة التي ضَرَبَت منطقتنا العربية بدرجات متفاوتة، ونأت بنفسها عن الاضطرابات وما تشهده العديد من الدول العربية من أزمات وصراعات داخلية طاحنة. أمنًا سياسيًّا، وعدالةً اجتماعية، ونفوساً متساكنة، وقدرةً على إبعاد أي مُشكلات قد تحدث عن أجواء التقسيمات الطائفية والمذهبية البغيضة، هو الواقع الذي نعيشه في بلد الأمن والأمان وموئل الحرية واحترام حقوق الإنسان عمان، التي تأفل وتتحجَّر على أرضها الطيبة دعوات الفتنة والشَّرخ الديني والاجتماعي.
لقد أسس النظام الأساسي لعمان كيان دولة مدنية متسامحة غير متزمتة أو أصولية تستمد جذورها وتشريعاتها من الشريعة الإسلامية. نحن متوازنون في عمان، كما أن أهم ما يميز السياسة في السلطنة هو القدر الواسع من التسامح الدينى. هذا ليس على مستوى التعايش بين مختلف مذاهب الديانة الإسلامية فقط، وإنما مع الديانات الأخرى أيضا التي يتمكن اتباعها من ممارسة شعائرهم الدينية وأعمالهم الدنيوية بكل حرية وراحة دون تضييق، وهو ما تفتقر إليه الكثير من الدول.
رسالة الإسلام المعتدل والمتسامح التي تنتهجها السلطنة تساهم في تعميق مفهوم التعايش والتسامح الذي بات عالمنا اليوم في حاجة ماسة إليه، هي ذات الرسالة التي تعبر عن رؤية عمان الحضارية الداعمة للحوار والانفتاح والتعايش بين مختلف الحضارات والأديان والثقافات لمواجهة مختلف مظاهر التعصب والتطرف أيا كان مصدرها. إن ذلك ساهم دون شك في ترسخ مكانة السلطنة كوجهة مثالية لأولئك الأشخاص ممن يبحثون عن الاستقرار والأمن.
نحن كعمانيين نجحنا في الترفع عن الابتذال الطائفي، كما استطعنا أن نتخلص من عقدة الانتصار للمذهب على حساب الدِّين الذي ابتُلِيَت بها العديد من البلدان والناس. إن هذا الانجاز الذي حقَّقناه قد أنتَجَ لدينا وعياً جديداً يتعلق بالنظرة إلى المواطنة ولمفهوم المساواة، فلا العطاءات خاضعة لتقسيمات، ولا الخَدَماتُ، ولا الحقوق السياسية والمدنية فالجميع يستحصل ما يأخذه الجميع دون تفريق ولا تقسيم. وفي حقيقة الأمر فلقد اتسم المجتمع العماني منذ القدم بالطيبة والسماحة والعفو والانفتاح على الثقافات المختلفة، الأمر الذي ظل على الدوام جزءا من هويته التاريخية المستمدة من عمقه الحضاري وتعاليم الدين الحنيف والعادات العربية الأصيلة.
لا بد من ترسيخ ثقافة التسامح والتعايش واحترام الآخرين لدى الأجيال الشابة، لأنها ستساهم بشكل فعال في خلق جيل واع قادر على تحمل أعباء المسؤولية وقيادة المرحلة القادمة بشكل ايجابي وسليم، حيث إن تعزيز ثقافة الحوار والتعايش السلمي بين الشعوب يتطلب تنمية دور المجتمع والأسرة لبناء أجيال تمتلك قيم الحوار وترسيخ الوسطية والاعتدال وتؤمن بالتعايش، لتساهم بدورها رقي الأوطان وتقدم المجتمعات.
إن احترام حقوق المواطنة، وكل الحريات العامة والشخصية والدينية هي دعامات أساسية لنظام الحكم الرشيد في السلطنة، وطالما أكد صاحب الجلالة سلطان البلاد المفدى ـ حفظه الله ورعاه ـ في كل كلماته السامية على أن السياسة الخارجية للسلطنة أساسها الدعوة إلى السلام والوئام والتعاون الوثيق بين سائر الأمم والالتزام بمبادئ الحق والعدل والإنصاف وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير وفض المنازعات بالطرق السلمية وبما يحفظ للبشرية جمعاء أمنها واستقرارها ورخاءها وازدهارها.
إنّ ممارسة التسامح الذي يشكل أساس الحوار والتعددية وإشاعة ثقافة السلام ومحو ثقافة العنف والحرب والعدوان لم يعد ينحصر بكونه سمة أخلاقية سلوكية، بل بات التزاما سياسيًّا وقانونيًّا واجبا يفرضه القانون الدولي والمعاهدات والاتفاقات الدولية الملحقة به كما في إعلان اليوم العالمي للتسامح. في هذا السياق، وبتوجيهات من عاهل البلاد المفدى وتنفيذا للقرار الأممي القاضي بتخصيص الأسبوع الأول من شهر فبراير كل عام للتقارب والوئام الإنساني، نظم مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم أعمال ملتقى أسبوع التقارب والوئام الإنساني الثالث الذي يسعى إلى تعزيز مبادئ الحوار والتقارب الثقافي بين الحضارات، وتسليط الضوء على دور السلطنة ومساعيها في دعم التفاهم بين سائر الشعوب والثقافات.

إلى الأعلى