الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نقاش مفتوح مع الرئيس الفلسطيني

نقاش مفتوح مع الرئيس الفلسطيني

د. فايز رشيد

المقابلة الصحفية التي أجرتها صحيفة النيويورك تايمز مع الرئيس الفلطسيني محمود عباس ونشرتها ( الاثنين 3 فبراير الحالي) تضمنت سلسلة مقترحات له حول التسوية. المقترحات هي رسالة موجهة إلى وزير الخارجية الأميركي جون كيري، وهي أيضاً رسالة إلى إسرائيل. في المقابلة يقترح عباس نشر قوة من حلف شمال الأطلسي بقيادة أميركية في أراضي الدولة الفلسطينية. من وجهة نظره فإن هذه القوة من حلف الناتو سيكون بإمكانها الانتشار في مختلف أراضي الدولة الفلسطينية، وعلى جميع المعابر الحدودية وكذلك داخل القدس. حول هذا الاقتراح الذي يتقدم به عباس يمكن القول إن قوات حلف الناتو هي عمليًّا بإمرة أميركية وكلا الجهتين الولايات المتحدة ودول حلف الناتو حليفان لإسرائيل! قد يتصور الرئيس الفلسطيني أن هذه القوات تقف محايدة في الصراع الفلسطيني العربي ـ الصهيوني، كلا فلا يمكن لهذه القوات أن تكون محايدة تماماً مثل مواقف بلادها من عملية الصراع في الشرق الأوسط، فهي تصطف إلى جانب إسرائيل. من زاوية ثانية فقد جرى اختبار الحراسة البريطانية والإشراف الأميركي لسجن أريحا. لا الاتفاق ولا الدولتين منعتا إسرائيل من الهجوم على سجن أريحا واختطاف المناضلين أحمد سعدات وفؤاد الشوبكي ورفاقهما من سجن أريحا في 14 مارس 2006. رغم كل اقتراحات عباس فإن إسرائيل ترفض وجود سوى قواتها فما الداعي لمثل هذا الاقتراح؟ الذي أيضاً لم ولن يشفع للفلسطينيين لا أمام الولايات المتحدة ولا أمام دول حلف الناتو.
في المقابلة أضاف الرئيس الفلسطيني: أن القوات الإسرائيلية سيمكنها البقاء في الضفة الغربية لمدة أقصاها خمس سنوات وليس ثلاث سنوات كما اقترح في الماضي، على أن تتم إزالة المستوطنات خلال فترة مماثلة. وحول هذا الاقتراح نقول ونتساءل: أين هو استقلال دولة فلسطين إذا كانت القوات الإسرائيلية ستتواجد مدة خمس سنوات؟ ثم ما هي الضمانات لعدم بقاء هذه القوات لخمس سنوات أخرى، وأخرى غيرها فيما لم ارتأت تحت مبرر حماية الأمن الإسرئيلي؟ ومن ذا الذي سيجبرها على الرحيل وفقاً للاتفاق؟ أهي القوات الفلسطينية؟ وعباس يقترح دولة فلسطينية منزوعة السلاح إلا من قوة شرطية حيث تتولى القوة الدولية حسب اقتراحه مهمة منع تهريب الأسلحة ومواجهة (الأعمال الإرهابية). هنا فإن الرئيس الفلسطيني يعترف بأن عمليات المقاومة التي قامت بها الفصائل الفلسطينية ليست أكثر من عمليات “إرهابية”؟! هذا في الوقت الذي أتاحت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة للشعوب المحتلة أراضيها والمغتصبة إرادتها: الحق في مقاومة الاحتلال (القرار الذي يحمل الرقم 3034 بتاريخ 18 ديسمبر 1972) بما في ذلك الحق في المقاومة المسلحة (القرار الذي يحمل الرقم 3314 بتاريخ 14 فبراير 1974). غريب أمر الرئيس الفلسطيني فهو يطلق على مقاومة شعبه لفعل الاحتلال الإسرائيلي لأراضي وطنه (إرهاباً) ؟!.
لقد أشار عباس في ذات المقابلة إلى أنه يرفض مطالب العديد من الجهات الفلسطينية بإعلان انضمام السلطة الفلسطينية إلى هيئات الأمم المتحدة، أو اللجوء إلى المحكمة الدولية وأضاف: بأنه يريد استنفاذ عملية التفاوض مع إسرائيل قبل اتخاذ أية خطوة من هذا النوع. نسأل الرئيس: وماذا ينتظر من مضي ما ينوف على ثلثي مدة التفاوض (المقدرة بتسعة أشهر) دون اعتراف إسرائيلي بأية حقوق فلسطينية. إضافة إلى أن الاستيطان تتسارع وتائره، وهدم البيوت والاعتقالات والاغتيالات من قبل إسرائيل للفلسطينيين بلغت مستويات عالية، ونتنياهو يطالب بالمزيد من الاشتراطات على الفلسطينيين والعرب ومنها: بقاء قوات الاحتلال في منطقة الغور على الحدود مع الأردن، والاعتراف بيهودية إسرائيل.
نذّكر الرئيس الفلسطيني أيضاً بأنه من قبل جرى تجريب أسلوب التفاوض مع إسرائيل، ولم ينتج عن ذلك أية إيجابية تُذكر، بل العكس من ذلك فإن إسرائيل تزداد تعنتاً في رفض الحقوق الفلسطينية جملة وتفصيلاً، فما الذي ينتظره أبو مازن ليقوم بالمزيد من التأخير في طلبات انضمام السلطة الفلسطينية إلى هيئات الأمم المتحدة وبخاصة إلى المحكمة الدولية؟ ليسمح لنا الرئيس الفلسطيني القول: بأن انضمام دولة فلسطين (المراقب في الجمعية العامة) لهذه الجمعيات وللمحكمة الدولية هو وسيلة ضغط على إسرائيل من أجل الاعتراف بالحقوق الفلسطينية وليس العكس.
لقد ألمح أبو مازن أيضاً: أنه سيوافق على تمديد الفترة الزمنية المحددة للمفاوضات إذا حصل في نهايتها على شيء واعد على حد تعبيره! الذي نود قوله للرئيس الفلسطيني: لو أن إسرائيل تعترف بأيٍّ من الحقوق الفلسطينية لاعترفت به منذ زمن طويل. لكن استراتيجية إسرائيل قائمة على رفض هذه الحقوق رفضاً قاطعاً، ولذلك فإنه رغم مضي ما ينوف عن عقدين زمنيين وبدل أن تعترف بالحقوق الفلسطينية فإنها تزداد اشتراطاتٍ على الفلسطينيين، وتجاهر علناً بأنها ترفض هذه الحقوق. ستة أشهر من جولات كيري العديدة لم تحل دون تعنت إسرائيل. أطراف الائتلاف الإسرائيلي الحاكم في معظمهم لا يعترفون بوجود شعب فلسطيني من الأساس، فكيف بالقبول لإعطاء الفلسطينيين دولةً؟! على صعيد آخر: فقد ثبت بالملموس أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري هو وسيط غير محايد وغير نزيه. إنه الناقل لوجهات النظر الإسرائيلية. هو يسعى لاتفاق إطار وليس لاعتراف إسرائيلي بالحقوق الفلسطينية. ورغم ذلك تجري مهاجمة كيري من قبل وزراء وقادة سياسيين وعسكريين كثيرين. إنها الوسيلة الصهيونية من قبل والإسرائيلية فيما بعد لابتزاز المسؤولين في دول العالم من أجل إثبات المزيد من الولاء لإسرائيل ولاطروحاتها للتسوية. لا فائدة من إطالة أمد المفاوضات. إنه هروب إلى الأمام ليس إلا، وهو عدم إعطاء القضية الفلسطينية استحقاقاتها المفروضة بفعل حقائق التسوية الإسرائيلية الواضحة والمكشوفة تماماً، والتي يعلنها الإسرائيليون صباح مساء.
أبو مازن في نفس المقابلة اعلن مرة أخرى أنه لن يوافق أبداً على العودة إلى الكفاح المسلح! الرئيس محمود عباس يحرّم على شعبه اتباع الوسيلة الأساسية في مقاومة المحتلين، وهذه هي الوسيلة التي أعلنت صحتها وكفاءتها في كل تجارب حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية. باستعمالها وصلت كافة حركات التحرر إلى أهدافها في انتزاع حرية شعوبها وحقوق هذه الشعوب. ومثلما قلنا: فإن هذا الحق أجازته الأمم المتحدة للشعوب المحتلة أراضيها. الشعب الفلسطيني ليس استثناء بين هذه الشعوب، وما انطبق على نضالها هو مشروعٌ أيضاً للشعب الفلسطيني وينطبق على قضيته وعلى نضاله المشروع من أجل انتزاع حقوقه الوطنية ” فما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة” هذه مقولة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر وهي من الثوابت في نضالات الشعوب. رفض الكفاح المسلح وانتهاج أسلوب المفاوضات لمدة طويلة لم تفعل شيئاً للفلسطينيين سوى العودة إلى الوراء بقضيتهم وبمشروعهم الوطني التحرري. الرئيس عباس يريد مقاومة شعبية فقط غير مسلحة حتى بالحجارة، بالتالي فما هو الضاغط على إسرائيل والحالة هذه للانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967؟ إسرائيل التي أطالت المفاوضات مع الفلسطينيين عقوداً طويلة قادرة على إطالة أمد هذه المفاوضات عقوداُ طويلة أخرى.
لا يريد الرئيس الفلسطيني إدراك هذه الحقيقة فرغم عقم المفاوضات ما زال متمسكاً بها. الظروف لم تتضح بعد بالاستراتيجية الفلسطينية المتبعة للحصول على دولة ولا بد من تغيير هذه الاستراتيجية.

إلى الأعلى