الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب .. كسب القلوب أولا..!

رحاب .. كسب القلوب أولا..!

عندما كنت مشاركا في دورة التأهيل التربوي لمدراء المدارس منذ أكثر من عشرين عاما أخبرني أحد الزملاء المشاركين في تلك الدورة عن تجربته في مدرسته التي تم تكليفه بإدارتها. استلم ذلك الزميل عهدة إدارة مدرسة كبيرة جدا في مركز المدينة. لاحظ منذ اليوم الأول لاستلامه لمهام عمله تهاون طلبة تلك المدرسة بقيمة النظافة داخل الفصول وفي أروقة وساحات المدرسة؛ ونظرا لإخلاص ذلك الزميل وسعيه الدؤوب للتميز فقد عمل على تزويد جميع الفصول بسلال نظافة، بل ولم يكتف بذلك وإنما وزعها في جميع الزوايا والممرات، وبعد أن كادت المدرسة أن تتحول إلى معرض كبير لسلال النظافة، قام فنشر المزهريات في المداخل والقاعات جنبا الى جنب مع تلك السلال البرتقالية اللون. ومن أجل ترسيخ قيم النظافة عمد ذلك المدير إلى إقامة معسكر للخدمة العامة خلال عطلة نهاية الأسبوع من الصباح حتى المساء، فصارت المدرسة حديقة جميلة مليئة بالسلال والمزهريات؛ فاطمأن ذلك المدير إلى أنه قد حقق إنجازا كبيرا. انتظر لجنة تقييم النظافة مطمئنا وواثقا بأن مدرسته ستحظى بمركز مرموق في قائمة المدارس ذات الشأن في مسابقة النظافة. لم يكتف بذلك، بل جمع ذلك المدير الشاب جميع عمال المدرسة وتفقد معهم جميع السلالم والممرات ووجههم الى إزالة جميع البقع الداكنة باستخدام أقوى المطهرات والمزيلات من (تيزاب) و (ديتول) وغيرها. وعندما انتهى من ذلك كله، أمرهم أن يغسلوها بالصابون ثم تجفيفها. ثم غادر المدرسة مطمئنا إلى أن جهوده ستؤتي ثمارها، وأن تلك الإنجازات قد صارت معالم ثابتة في المدرسة. ولكنه فوجئ عند استأنفه لعمله بعد الإجازة أن بعض الطلبة الساخطين قد أتلفوا جميع المزهريات والسلال ونشروا الفضلات والقاذورات في ساحات المدرسة وأفنيتها، بل وفي فسحة ذلك اليوم أغرق بعض الطلاب المشاغبين قاعات الفصول بفيضانات من المياه، وسبحت المدرسة في ذلك اليوم في بحر من الفوضى والتسيب. وقف ذلك المدير المثالي في ساحة المدرسة حائرا منفعلا لا يعرف ماذا عليه أن يفعل؟! بينما انقسم المعلمون بين متفرج وشامت.
كاد ذلك المدير الشاب أن يصاب بالإحباط، وتمنى لو لم يتم تكليفه بإدارة تلك المدرسة المزعجة. ولكنه قرر أن يجرب طرقا أخرى. قرر المدير أن يغير من طريقته في الاتصال بالطلاب، فبدأ يزورهم في السكن الداخلي، ويسأل عن حاجاتهم، ويضع سيارته في خدمتهم، ويجلس معهم، بل وصار يخرج معهم أحيانا في رحلات خلوية في بعض أيام العطل، وبمرور الأيام استطاع ذلك المدير الشاب أن يبني علاقة وألفة قوية مع طلاب مدرسته وفي أقل من مرور شهر قام بتشكيل لجان أنشطة من الطلاب الذين كانوا يعرفون بالمشاغبين واللامبالاة واستطاع أن يبني من تلك المجموعات فرق عمل أسند إليهم مهام الحفاظ على نظافة المدرسة وصيانة الانضباط فيها. وصار يجتمع بتلك اللجان الطلابية أسبوعيا لتقييم انجازاتهم وقد شعر الطلاب بتقدير المدير لهم، فاقبلوا على المدرسة وأحبوها وزاد انتماؤهم إليها، بل وانعكس ذلك التوجه الإيجابي على تحصيلهم وأدائهم الدراسي فتحسنت مستوياتهم وصاروا من المتميزين دراسيا، وأظهروا تفوقا فاق تصورات معلميهم.
لا تزال تلك الصورة تحضر إلى عقلي عندما أمر على بعض المؤسسات التعليمية فألاحظ تدني مستويات نظافتها بالرغم مما يبذل من جهود وموارد دون تحقيق نتائج إيجابية ملموسة، والسبب يمكن أن يعزى إلى ضرورة إعادة النظر في تعزيز أساليب التواصل الإيجابي بين الطلاب وإدارات المدارس والمعلمين.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى