الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الـ”النوستالجيا” .. وسيلة المصريين للهروب من الأزمات

الـ”النوستالجيا” .. وسيلة المصريين للهروب من الأزمات

محمد عبد الصادق

”.. ظاهرة الحنين إلى الماضي التي يعيشها معظم المصريين الآن ـ يعزوها البعض لحالة الإحباط من الحاضر واليأس من المستقبل، بعد أن أضحى المصريون يفتحون عيونهم كل صباح على أخبار الحوادث المفجعة التي تستهدف مرافق الدولة الحيوية والعمليات الإرهابية ضد رجال الجيش والشرطة؛ التي تنفذها جماعات إرهابية مناهضة للسيسي وتنادي بعودة مرسي والشرعية؛”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتشر مؤخراً بين المصريين مصطلح إنجليزي يدعى “النوستالجيا” يعني بالعربية :الحنين للماضي، فلاحظنا فيضاً متدفقاً من الصور النادرة والشرائط السينمائية للمدن والحواضر والأرياف المصرية في القرن الماضي؛ تظهر قدراً عظيماً من الرقي والتحضر والنظافة والجمال والانضباط ؛ وهي الأشياء التي يفتقدها المصريون الآن؛ هذه المواد الأرشيفية أصبحت المادة المفضلة للعرض على شاشات التليفزيون، وصفحات الجرائد والمجلات المصرية، كما يتداول مرتادو شبكات التواصل الاجتماعي وثائق تاريخية ومقاطع “فيديو” لأهم الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية التي مرت بمصر تحت حكم أسرة محمد علي بداية من 1805م ، وحتى 1952م ، تاريخ سقوط الملكية ومغادرة الملك فاروق للإسكندرية ،عقب قيام ثورة 23يوليو 1952م.
ومنذ اختراع الأخوين لومير لآلة العرض السينمائي في عام 1895م؛ كانت مصر حاضرة في صدارة المشهد العالمي؛ حيث كان العرض الأول لأول فيلم سينمائي صامت للأخوين لومير في شهر ديسمبر 1895م بباريس، وبعد أقل من شهر وتحديداً في يناير 1896م ، كان العرض السينمائي الثاني على مستوى العالم في مدينة الإسكندرية التي كانت في ذلك الوقت حاضرة الشرق وقبلة العالم يسكنها الأوروبيون من إنجليز، وفرنسيين وإيطاليين، ويونانيين، يعملون بالتجارة والصناعة وتقديم الخدمات بجانب المصريين والعرب، وكان بالإسكندرية أكبر بورصة للقطن والغلال على مستوى العالم، وكان ميناء الإسكندرية هو حلقة الوصل بين أوروبا والشرق واحتفظت الإسكندرية بمكانتها الحضارية والاقتصادية، والثقافية، ودورها التنويري في القرن التاسع عشر، وحتى منتصف القرن العشرين، وكانت ملاذاً للفلاسفة والشعراء والفنانين من جميع أنحاء العالم.
وظاهرة الحنين إلى الماضي التي يعيشها معظم المصريين الآن ـ يعزوها البعض لحالة الإحباط من الحاضر واليأس من المستقبل، بعد أن أضحى المصريون يفتحون عيونهم كل صباح على أخبار الحوادث المفجعة التي تستهدف مرافق الدولة الحيوية والعمليات الإرهابية ضد رجال الجيش والشرطة؛ التي تنفذها جماعات إرهابية مناهضة للسيسي وتنادي بعودة مرسي والشرعية؛ تدمر أبراج ومحولات الكهرباء، وتحرق قطارات السكة الحديد وتقطع خطوط وكابلات المترو، وتخرب وسائل النقل العام، وتفجر مكاتب البريد والسنترالات ومحطات تقوية المحمول، وغيرها من الأعمال الإجرامية التي كدرت حياة المصريين، وحولت حياتهم إلى قلق وتوتر وتركتهم فريسة لليأس والإحباط.
والمفارقة أنه بقدر فشل الإخوان في إدارة شؤون البلاد خلال العام الذي تولوا فيه الحكم، بقدر نجاحهم في إرباك المشهد وشل حركة الحكومة والنظام المصري الجديد، ويبدو أن الإخوان أدمنوا العمل السري، وبرعوا في إدارة التنظيمات وحركات المقاومة المسلحة من تحت الأرض، وكأنهم وضعوا مسبقاً (سيناريو السقوط)، ووزعوه على كوادرهم منذ وقت مبكر لتنفيذه دون انتظار أوامر فوقية بمجرد الإطاحة بحكم الإخوان، وهذا يفسر عدم استطاعة أجهزة الأمن المصرية الوصول إلى القيادات الوسيطة للإخوان حتى الآن، أو مسك خيط حقيقي يساعد في الوصول للمحرضين والممولين، وإلاّ ما استمرت مظاهرات الإخوان وعملياتهم كل هذه المدة، رغم الجهود الحثيثة للأجهزة الأمنية، والإمكانيات الضخمة التي حشدتها الدولة لمواجهة الإخوان والجماعات الإرهابية المتحالفة معهم؛ منذ فض اعتصام رابعة في صيف 2013م ؛ الأمر الذي أثر على خطط ومشاريع السيسي التنموية وهبط بجميع المؤشرات الاقتصادية للاقتصاد المصري رغم المساعدات الخليجية السخية.
كما ظفر الإخوان بالمعركة الإعلامية، ببث الشائعات، والتشكيك في الإنجازات الحكومية، واستغلال الحوادث المتكررة المنتشرة في أنحاء مصر؛ نتيجة حالة التسيب والفوضى والإهمال والفساد المتراكم لعشرات السنين، وسوء حالة المرافق والبنية الأساسية التي تحتاج لصيانة وإعادة تأهيل، وكان آخرها حادثة غرق مركب الفوسفات في نهر النيل بعد اصطدامها بأحد الجسور العلوية، فقد استغل الإخوان الحادث لإعلان تلوث مياه النيل وحذروا المصريين من الشرب منها؛ رغم تأكيد الحكومة مراراً، خلو عينات المياه التي تم تحليلها من أي ملوثات ووصل الأمر بكوادر الإخوان المنتشرين في قلب الريف المصري للطواف بمكبرات الصوت، واستخدام المساجد لتحذير الناس من شرب المياه الملوثة بالفوسفات، مما أحدث حالة من الهلع بين المواطنين، ودفع كثيراً من الناس البسطاء لشرب المياه المعبأة رغم فقرهم وقلة حيلتهم.
وصل الأمر بالحكومة أمام الهجمة الإعلامية الشرسة للإخوان ـ إلى تخصيص اجتماعها الإسبوعي كل يوم أربعاء، لتفنيد الادعاءات، ونفي الشائعات، وإصدار بيان مفصل للرد عليها، ونفس الشيء يقوم به القائد العسكري المسؤول عن حفر قناة السويس الجديدة، الذي خصص فقرة ثابتة في مؤتمره الصحفي الإسبوعي الذي يعقده لإعلام وسائل الإعلام بسير العمل بالمشروع ـ للرد على إشاعات الإخوان المشككة في جدوى المشروع، والتي استعانت بخبراء جيولوجيا منتمين أومتعاطفين مع الجماعة، للتحذير من خطورة الحفر في هذه المنطقة، ويعددون مخاطر المشروع البيئية وتأثيره على النشاط الزلزالي للمنطقة، ورجال اقتصاد يشككون في الجدوى الاقتصادية للمشروع، ويطلقون إشاعات عن بيع المشروعات الملحقة بالقناة الجديدة بالأمر المباشر لرجال أعمال خليجيين بالمخالفة للقانون.
من الظلم إلقاء مسؤولية ما تشهده مصر اليوم؛ من أزمات وإخفاقات على ثورة 23يوليو1952م أو حكم العسكر، وليس من المنطق التهليل والترويج للعصر الملكي باعتباره الجنة الموعودة، فهذه الصور والمشاهد المبهرة للقاهرة الخديوية، لا تعكس الصورة الكاملة والحقيقية لمصر والمصريين قبل ثورة 23 يوليو، فربما كانت الأوضاع الاقتصادية أفضل من الآن، وربما كان هناك فائض في ميزان المدفوعات، وربما كانت قيمة الجنيه المصري خمسة دولارات، ولكن المؤكد أنه كان هناك احتلال إنجليزي وظلم اجتماعي، وكانت هناك طبقة حاكمة تمتلك نصف ثروة مصر والنصف الآخر يملكه بضع مئات من الباكوات والباشوات الذين ملكوا الأرض ومن عليها من بشر وحجر، ومن يشكك في ذلك؛ أحيله على أحد أعداد مجلة المصور الصادرة في عام 1941م والتي تتحدث عن “حملة قومية لمقاومة الحفاء” ونشرت صوراً لقطار ينطلق من القاهرة إلى الإسكندرية يقل عدداً من مشاهير الفنانين والمطربين؛ لجمع تبرعات لشراء نعال توزع على فقراء المصريين حتى لا يسيروا حفاة القدمين، فقد كان هناك 20 مليون مصري يرزحون تحت خط الفقر، من أجل أن ينعم الباشوات والباكوات والإقطاعيون، برغد العيش، ويركبون السيارات الفارهة، ويستمتعون بالميادين الفخمة والشوارع النظيفة.

إلى الأعلى