السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / نحن الجيل المفقود

نحن الجيل المفقود

أ.د. محمد الدعمي

” الجيل العراقي المفقود الذي أكتب عنه اليوم؛ فتح أعينه على عراق سوى هذا العراق، لأنه شب على قيم مختلفة وقدس مثلاً ورموزاً تنأى بنفسها تماماً عن تلك الرموز والقيم التي يضطره زمانه الجديد الجاري على متابعة تبلوراتها عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الإجتماعي، تلك القنوات التي فعلت فعلاً شيطانياً بقدر تعلق الأمر باشاعة ما لم يعتده الجيل المفقود…”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نحن الجيل المفقود. بهذه العبارة ألخص أزمة نفسية جماعية موجعة بواعثها، كما يقول العامة من البسطاء هي “انقلاب الدنيا”! بلى، لقد انقلبت الدنيا رأساً على عقب بظرف طول زمني قصير وخاطف، حتى أن المرء ليشعر وكأنه قد نهض صباحاً من “نومة أهل الكهف” ليجد نفسه في عالم آخر، هو عالم غير العالم الذي يذكر أنه عاش به قبل أن يضع رأسه على الوسادة قبيل ساعات. هذا هو الشرخ. أن يجد جيل كامل نفسه متمردا على الجيل السابق، ثم لا منتمِيا للجيل التالي.
لست أبالغ في محاولتي تركيز تجربة جيلي في من هم الآن “ختيارية” العراق الذين أفلتوا من ذبذبة الزمن الجديد فهاموا عبر الفضاء بلا هدف، مستحيلين الى جيل ضائع على حين غرة، لأنهم أخفقوا في مواكبة التغير واستيعابه. هم شبوا وشابوا على عالم مختلف، وهم يحيون الشرخ النفسي المؤلم اللحظة، ذلك الشرخ الموجع المنبعثة أوجاعه من جرح في النفس وليس من جرح في الجسد؛ وجرح الجسد يمكن مداواته، بيد أن جرح النفس هو جرح اثيري لا دواء له قط.
الجيل العراقي المفقود الذي أكتب عنه اليوم؛ فتح أعينه على عراق سوى هذا العراق، لأنه شب على قيم مختلفة وقدس مثلاً ورموزاً تنأى بنفسها تماماً عن تلك الرموز والقيم التي يضطره زمانه الجديد الجاري على متابعة تبلوراتها عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الإجتماعي، تلك القنوات التي فعلت فعلاً شيطانياً بقدر تعلق الأمر باشاعة ما لم يعتده الجيل المفقود من القيم الهابطة ومن تمجيد للرموز الشريرة؛ بديلاً عن القيم الرفيعة والرموز السامية التي بقيت تخدم ثقافة ذلك الجيل المفقود عقوداً من الزمن، حتى راحت تتراجع القهقرى أمام زحف “العامية” (على شكليها اللغوي والثقافي) وطغيان “البذاءة” وعواطف الكراهية والضغائن على عواطف المحبة والتضامن والتعاضد، وشيوع الخلاعة واستمراء عرض المعيب والمخزي بدلاً عن النبيل والراقي، بل والتشدق بالهابط، للأسف.
ليس هناك من شعور بالإغتراب أكثر إيلاماً بقدر الوجع الذي يكابده الجيل المفقود الذي أكتب عنه في عراق اليوم، وأقصد به الجيل الذي يحاول بكل ما أوتي من قوة وحجة أن يجد لنفسه موطيء قدم في عالم اليوم المزدحم والعصي على الإستجابة الى العقلنة، ذلك العالم الذي يبدو وكأنه قد إنتقل من حقبة الى حقبة مختلفة تماماً خلال لحظة تسارع زمني خاطف اختزلت التغير في ومضة سحرية مكثفة، بل في قدحة قدرية: لحظة تختزل قدريتها باضاعة جيل كامل وبدفعه خارج إطار الزمن على سبيل طي قيده حالاً، لحظة جيل منفلت من ذبذبة التواصل التاريخي، بعيداً دون القدرة على الحراك والتأقلم مع الحقبة الجديدة.
نحن الذين بدأنا من (راس المال) لماركس ولم ننته حتى قرأنا (الذباب) لسارتر. وكنا نقرأ الفلسفة والدين وعلم الأخلاق وروايات “كامو” ونحفظ نصوصاً من (نهج البلاغة)؛ ونحن الذين كنا نحضر عروض أفلام ـ(صوت الموسيقى) ولا يفوتنا فيلم مثل (سبارتكوس). لقد غدونا غرباء لأننا بقينا نتابع أحاديث الشيخ “محمد متولي الشعراوي” والشيخ “أحمد الوائلي” رحمهما الله. بل غدونا مدعاة لتندر الجيل الجديد الذي شب على قيم سوى تلك التي شببنا وشبنا عليها نحن الذين أصبحت ذائقتنا وتفضيلاتنا مضحكة بالنسبة للصاعدين الذين تربوا على دونيات “الرجل تدب ياعبدو، مطرح ما تحب ياعبدو”!

إلى الأعلى