الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تجميل مشروع بايدن

تجميل مشروع بايدن

كاظم الموسوي

” .. بسبب مهمته أو لمعالجة ما يتعقد من أمور العملية السياسية واختلافات الكتل والمجموعات التي أفرزتها العملية قام بايدن بالعديد من الزيارات الى بغداد واربيل. وعاد رغم كل ذلك الى التذكير بمشروعه في مقال له نشر في صحيفة “واشنطن بوست” في اغسطس الماضي، اكد دعمه لخطة تقضي بتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق تتمتع بحكم ذاتي، للشيعة والسنّة والأكراد، حسب التقسيم الأميركي بعد احتلال العراق عام 2003.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
عام ٢٠٠٧ قدم عضو الكونجرس الاميركي جو بايدن وزميل له الى مجلس الشيوخ الاميركي مشروعا يتضمن تقسيم العراق طائفيا واثنيا الى ثلاثة اقسام. وكان هذا اعلانا واضحا ومبكرا لما خطط لمستقبل العراق. وحصل المشروع على 75 صوتا مؤيدا له ورفض 23 صوتا وظل المشروع في اروقة المجلس حتى تسلم بايدن منصبه الجديد نائبا للرئيس المنتخب، الديمقراطي باراك اوباما، عام 2009، وكلف بمسؤولية الملف العراقي. فجمع بيديه مشروعه والملف العراقي ومرجعية للعديد من السياسيين العراقيين الذين كلفوا في العملية السياسية.
ظل مشروع بايدن على الرف. بينما حاول بايدن، الذي سمي المشروع باسمه، احياءه بأشكال مختلفة، حتى بعد تسلمه منصب نائب الرئيس، وعلمه بالاتفاقيات الاستراتيجية المشتركة بين واشنطن وبغداد. وبسبب مهمته او لمعالجة ما يتعقد من امور العملية السياسية واختلافات الكتل والمجموعات التي افرزتها العملية قام بايدن بالعديد من الزيارات الى بغداد واربيل. وعاد رغم كل ذلك الى التذكير بمشروعه في مقال له نشر في صحيفة “واشنطن بوست” في اغسطس الماضي، أكد دعمه لخطة تقضي بتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق تتمتع بحكم ذاتي، للشيعة والسنّة والأكراد، حسب التقسيم الأميركي بعد احتلال العراق عام 2003.. واقترح إنشاء “نظام فيدرالي فعال” كوسيلة لتجاوز الانقسامات في العراق. ورأى أن ذلك “يؤمن تقاسما عادلا للعائدات بين كل الأقاليم ويسمح بإقامة بنى أمنية متمركزة محلياً مثل حرس وطني لحماية السكان في المدن ومنع تمدد تنظيم داعش”.(!)
رغم ان ما سمي اعلاميا بداعش احتل اكثر من ثلث مساحة العراق وهدد بالتوسع جغرافيا، داخل وخارج العراق. وتغيرت الوقائع او اختلطت الأوراق ظل التهديد بأفكار المخطط المرسوم للعراق والمنطقة متواصلا، بل ومعروضا امام الجميع، والتغرير به ولمن يريده موجودا، بشكل علني ومباشر. وبايدن صرح بلسانه انه صهيوني ويقدم خدماته الرسمية لدعم الكيان والمشروع الصهيوني. ولم يتهرب من كلماته كما يفعل غيره، من انصاره او المراهنين عليه.
بمعنى ان مشروع بايدن يمكن تحريكه متى أرادت الادارة الاميركية ذلك ولكن يبدو ان الادارة مشغولة بملفات اخرى. فتحرك نائب من الحزب الجمهوري اسمه: ماك ثوربيري، بتقديم مشروع يجمل ما قدمه بايدن او اعادة تقديم للمشروع المرسوم. وهذه المرة امام لجنة القوات المسلحة، ونقله من وزارة الخارجية الى الحرب. وبذلك يفضح من جديد مخطط الحرب والغزو والاحتلال للعراق ومنهج الهيمنة الامبريالية الصهيو ـ غربية.
مشروع قانون ماك ثوربيري، “يتعامل مع أكراد وسُنة العراق على أنهما بلدان منفصلان عن الحكومة العراقية”. وينص على “إمكانية تزويد واشنطن للبيشمركة والعشائر العربية “السنّية” بالمساعدات العسكرية والمالية مباشرة، كما يشترط على الحكومة العراقية الحصول على هذه المساعدات مقابل إعطاء الأقليات، غير الشيعية، دورا في قيادة البلاد في غضون ثلاثة أشهر بعد إقرار القانون وأن تنهي بغداد دعمها للحشد الشعبي، وإذا لم تلتزم بالشروط تجمّد 75 في المئة من المساعدات لبغداد، ويرسل أكثر من 60 في المئة منها مباشرة إلى “الأكراد” و”السنّة”.(!)
بالتأكيد مثل هذا الطرح ليس اختبارا سياسيا وحسب، او ضغطا من نوع آخر على الحكومة، او الجمع بينهما، وانما تدخل مباشر وانتهاك للسيادة الوطنية والاستقلال والاتفاقيات الاستراتيجية والقوانين الدولية، مما يعني ان بعض اعضاء الكونجرس الاميركي يتصرف وكأنه مازال محتلا رسميا للعراق وينطلق من اوهام الوصاية عليه. ومهما جرت من محاولات التغطية او التبرير او التفسير فالقرار يعبر بكل صراحة عن نفسه. ومع ان قرارات كهذه تمر بسلسلة من الاجراءات والنقاشات إلا انه كشف المستور او المسكوت عنه، مع انه مؤشر لطلبات كثيرة واستشارات عديدة لوفود عراقية يهمها الموضوع وتعمل عليه ايضا وتمارس دورها السياسي علنيا في العملية السياسية او في الادارة لها.
من جهته رفض رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي مشروع القانون المقترح. وقال في بيان، إن “التعامل مع الحكومة العراقية كان وما زال واضحا ضمن احترام السيادة العراقية، وهو ما وضعته الحكومة ضمن ثوابتها وتأكيداتها المستمرة في مباحثاتها مع هذه الدول”. وأكد أن “أي تسليح لن يتم إلا عن طريق الحكومة العراقية وفقا لما تضعه من خطط عسكرية”.(!)
في السياق نفسه، عبّرت الخارجية العراقية عن استنكارها لمشروع القانون، ووصفته بـ”القرار الذي يمس سيادة العراق”. وأكدت في بيان أن “أية مساعدة تقدم للعراق في حربه ضد الارهاب لا بد أن تراعي ثوابت العلاقات الدولية المبنية على الاحترام المتبادل لسيادة الدول، وضرورة التعامل مع الحكومة المركزية حصرا”.
استقبل الشارع العراقي القرار والآراء حوله برفض قاطع وغضب شديد عبّر عنه زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الذي هدّد باستهداف المصالح الأميركية في العراق في حال إقرار مشروع القانون في الكونغرس الأميركي. ونقل عن الصدر أنه في حال “استصدار قرار من مجلس النواب الأميركي فإنه سيرفع التجميد عن الجناح العسكري المتخصص بالجانب الأميركي ليبدأ عملية ضرب مصالح واشنطن داخل وخارج العراق”. ومثله صدرت بيانات وتصريحات اخرى لعدد من الزعماء السياسيين والمثقفين وقادة الكتل السياسية في البرلمان العراقي.
كما سارعت السفارة الأميركية في بغداد إلى تبرير المشروع المقدم ورأت “أنه غير قانوني ولا يعكس سياسة أميركا الخارجية”. وقال المتحدث باسمها إن “سياسة الولايات المتحدة الأميركية تجاه العراق لم تتغير، ونحن ندعم ونؤيد عراقا موحدا”.
رغم ذلك برزت تباينات في الآراء السياسية، لاسيما من بعض ممثلي الجهتين المذكورتين في القرار، وسبق لهم ان ابدوا مثلها وقاموا بلقاءات مع بايدن حول مشروعه وزيارات لواشنطن صرحوا منها عن قبول للمشروع وأهدافه ونواياه او تفهم له وحجة لهم. ولهذا تزداد الاخطار وتصبح مشرئبة برأسها، من خلال طبيعة التعامل والقرار وبعض رموز الكتل السياسية والمخططات الصهيو ـ اميركية، وكذلك بما يتعلق بالهوية والوحدة الوطنية.

إلى الأعلى